بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

أرشيف البراءة صار ذاكرة للكتابة

هيام سلوم

 

 

في زيارة مرضية لصديقتي تحولت لجلسة فكرية، قالت :«هيام، أقرأ كتاباتكِ ، و أحبها وأشعر فيها أشياء تتجاوز حدود الكلمات، فمنذ متى تكتبين؟»

ابتسمتُ، وعدتُ بذاكرتي إلى طفلةٍ صغيرة لم تكن تعرف من الكتابة سوى أنها طريقة جميلة للاحتفاظ بالأشياء التي تحبّها.

قلتُ لها: في البداية، لم أكن أعرف أسرار اللغة. كنتُ أدوّن خربشاتي اليومية في دفترٍ صغير؛ أكتب أنني استيقظتُ صباحاً ولعبتُ مع القطة وأطعمتها قطعة من الخبز مبللة بالحليب ، أو جلستُ في قرب جدّي وهو يلعب الزهر مع جارنا ابو أحمد، أو أكلت تفاحةً خضراء بخدد احمر من يد أبي الذي كان ينتقيها من بين جميع التفاحات حيث يعرف عشقي للتفاح ، كانت تلك التفاصيل البسيطة تشكّل عالمي الصغير، وكنتُ أكتبها لنفسي ، دون أن يخطر ببالي أن أحداً سيقرأها يوماً.

لكنني، حين كبرت، اكتشفتُ سرّاً لم أكن أعرفه وأنا أكتب: أن تلك الخربشات التي بدت عاديةً في طفولتي لم تكن عاديةً على الإطلاق كانت تخبّئ في داخلها ذاكرةً حيّة، تحفظ لي ملامح أشخاصٍ أحببتهم، ودفءَ بيوتٍ عشتُ فيها، ورائحة أيامٍ لم أكن أعرف أنها ستمضي ولن تعود.

وكلما عدتُ إلى ورقةٍ قديمة، أو سطرٍ كتبته ببراءة طفلة، كنتُ أجدني أمام عالمٍ كامل ينتظر أن أكتبه من جديد.
كانت جملةٌ صغيرة تفتح لي باباً إلى حكاية، وتفصيلٌ عابر يقودني إلى مقال، وذكرى ظننتُ أنني دوّنتها كي لا أنساها، فإذا بها تمنحني أفقاً جديداً للكتابة.

عندها فهمتُ أنني كنتُ أزرع في ذاكرتي بذوراً لم أعرف متى ستنبت. وحين نضجتُ، اكتشفتُ أن كل بذرةٍ منها كانت تحمل شجرةً كاملة من المعاني.

ربما لم تبدأ الكتابة عندي يوم أمسكتُ القلم، بل يوم بدأتُ أرى في الأشياء الصغيرة ما لا يراه الآخرون، وأشعر بأن وراء كل تفصيلٍ عابر حكايةً تستحق أن تُروى. فالكتابة، كما أراها اليوم، ليست أن نمتلك الكلمات الكبيرة، بل أن نكتشف المعنى الكبير المختبئ في التفاصيل ، ومنذ ذلك الحين، لم تعد ذاكرتي مجرد مكانٍ أحفظ فيه ما عشته بل صارت نافذتي إلى الكتابة، وغدت طفولتي، بكل عفويتها وتفاصيلها البسيطة، واحدةً من أجمل الكتب التي ما زلتُ أعود إليها كلما أردتُ أن أكتب.

ولأنني كنتُ أدوّن كل شيء بجدّيةٍ لا تتناسب إطلاقاً مع عمري، فقد كان دفتري أشبه بأرشيفٍ رسميّ لطفلةٍ لم تتجاوز بعدُ مرحلة اللعب.

فإذا أحضر أبي تفاحةً وقشّرها لي، سجّلتُ الحادثة بكل امتنان، لكن لو اكتشفتُ أن أخي حصل على تفاحةٍ أكبر من تفاحتي، فهنا كان لا بدّ من تدوين ملاحظةٍ احتجاجية تحفظ حقوقي التاريخية!
لم أكن أعرف يومها شيئاً عن العدالة الاجتماعية، لكن يبدو أنني كنتُ أمارسها على مستوى الفواكه!

وإذا تشاجرتُ مع أخي نزار او اختي أمل فربما كنتُ أعود إلى دفتري لأوثّق الواقعة من وجهة نظري، طبعاً، دون أن أمنح الطرف الآخر فرصةً للدفاع عن نفسه! فقد كنتُ الكاتبة والشاهدة والمحقّقة، وربما القاضية أيضاً، أما الحُكم فكان يصدر دائماً لمصلحتي!

واليوم، كلما تذكّرتُ تلك الطفلة، أضحك وأقول: من يدري؟ أن رغبتي في حفظ الذاكرة، وربما كان بعضها محاولةً مبكرةً لإنصاف نفسي من ظلم التفاحات!
ضحكتُ وأنا أتخيّل تلك الطفلة التي كانت توثّق جرائم التفاح في دفترها، ولا تسمح بمرور حادثةٍ دون أن تحفظها للأجيال القادمة!
أشكر صديقتي التي فتحت نافذة للذاكرة على تلك الطفلة الصغيرة في داخلي التي مازالت تجلس في مكانٍ ما من روحي، تراقب العالم بعينين فضوليتين، وتلتقط من التفاصيل ما لا يلتقطه الآخرون.

ربما لم تكبر تلك الطفلة بل كبرت دفاترها، واتّسعت حكاياتها، وصارت التفاحة الصغيرة مقالاً عن العدالة،
وصار حضن الجدّ فلسفةً عن الأمان، وصارت يد الأب التي تنتقي الفاكهة قصيدةً عن الحب وهذه، في رأيي، واحدة من أجمل بدايات الكاتب: أن يحتفظ بقلب الطفل، حتى حين تتّسع لغته ويزداد عمقه.

فتلك الخربشات الطفولية لم تكن تلك مجرّد حروفٍ على ورق، بل كانت طفلةً تترك لي رسائلها عبر الزمن، كي أكتشف، كلما كبرت، أن أبسط ما عشناه قد يصبح أعمق ما نكتبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى