بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

لغة الكون.. حين تتواطأ الحياة مع أحلامنا

هيام سلوم

 

ثمة لغة خفيّة تتحدّث بها الحياة، لا تُكتب بحروف الأبجدية، ولا تحتاج إلى صوتٍ كي نسمعها، بل تُقرأ بالبصيرة، وتُفهم بالوعي، وتنكشف لمن تعلّم كيف يُصغي إلى ما وراء الأشياء. إنّها لغة الكون، تلك اللغة التي لا نلتقط إشاراتها حين ننشغل بضجيج العالم، بل حين نصمت قليلًا، ونحدّد وجهتنا، ونمتلك الشجاعة الكافية لنقول لأنفسنا: هذا ما أريد، وهذا الطريق الذي سأمضي فيه، مهما ازدحمت أمامي الاحتمالات.

حين يقرّر الإنسان أن ينجح، لا يتغيّر العالم من حوله بالضرورة، لكن شيئًا جوهريًا يتغيّر في داخله؛ تتبدّل طريقة نظره إلى الأشياء، ويصبح أكثر انتباهًا للفرص التي كانت تمرّ أمامه دون أن يراها، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يخدم هدفه وما يسرق عمره بعيدًا عنه. تبدأ الفكرة في عقله، ثم تتحوّل إلى رغبة، والرغبة إلى إرادة، والإرادة إلى فعل، حتى يجد نفسه، بعد سلسلة من الخطوات الصغيرة، في مكانٍ كان يظنّ يومًا أنّ الوصول إليه ضربٌ من المستحيل.

في رواية «الخيميائي» للكاتب البرازيلي باولو كويلو، نجد هذه الفكرة متجسّدة في رحلة سانتياغو، الراعي الأندلسي الذي يقرّر أن يتبع حلمه ويبحث عن كنزٍ يراه في منامه. يغادر حياته المألوفة، ويعبر الصحارى والبلدان، ويواجه الخوف والخسارة والانتظار، ويصادف أشخاصًا يغيّرون فهمه للحياة، حتى تصبح الرحلة نفسها مدرسةً يتعلّم فيها الإصغاء إلى العالم من حوله. لا يصل سانتياغو إلى المعرفة لأنه امتلك خريطةً تكشف له كل شيء، بل لأنه تعلّم أن يراقب، وأن يثق بحدسه دون أن يتخلّى عن عقله، وأن يفهم أنّ الطريق إلى الحلم لا يُختصر في الوصول إلى نهايته، بل في الإنسان الذي نصبحه ونحن نسير إليه.

ومن خلال هذه الرحلة، يطرح كويلو فكرةً عميقة مفادها أنّ الإنسان حين يتعلّق بحلمه بصدق، ويمنحه من إرادته وعمله ما يستحق، يصبح أكثر استعدادًا لرؤية الإمكانات التي لم يكن يراها من قبل. لكنّ هذا لا يعني أنّ الكون يفتح أبوابه لكلّ من تمنّى، أو أنّ الرغبة وحدها تكفي لتحقيق المستحيل؛ فالأحلام التي لا تسندها خطوات تظلّ صورًا معلّقة في فضاء الخيال، والإشارات التي لا نترجمها إلى أفعال تفقد قدرتها على تغيير واقعنا. إنّ الإيمان بالحلم ليس انتظارًا سلبيًا لمعجزة، بل استعداد دائم لالتقاط الفرص والعمل من أجلها، حتى حين لا تبدو النتائج مضمونة.

إن لغة الكون ليس سرًّا غامضًا بقدر ما هو ذلك الانسجام الذي ينشأ بين وعي الإنسان وقراراته وأفعاله، حين تتوحّد وجهته ولا تتنازع طاقته في اتجاهات متناقضة. فالإنسان الذي يعرف ماذا يريد، يصبح أكثر قدرة على التقاط الإشارات، وقراءة المصادفات، والاستفادة من التجارب، وتحويل العثرات إلى دروس، والأبواب المغلقة إلى أسئلة تقوده نحو أبواب أخرى. وما كان يبدو له في السابق مجرّد حدث عابر، قد يتحوّل إلى فرصة، وما حسبه خسارة نهائية، قد يصبح بداية لمسارٍ لم يكن ليراه لولا تلك الخسارة.

ولعلّ أجمل ما في لغة الكون أنّها لا تأتي دائمًا على الصورة التي ننتظرها. قد نظنّ أنّ الطريق إلى النجاحظ مستقيم، فتدفعنا الحياة إلى منعطفٍ لم نحسب له حسابًا، وقد نتمسّك ببابٍ نظنّ أنّ وراءه خلاصنا، ثم نكتشف أنّ إغلاقه كان بداية تحرّرنا من وهمٍ طويل. هنا تكمن أهمية الوعي؛ ألّا نخلط بين الإصرار والعناد، ولا بين الإيمان بالهدف والتعلّق الأعمى بالطريق المؤدّي إليه. فالحكيم ليس من يرفض تغيير وجهته مهما تبدّلت الظروف، بل من يعرف غايته، ويملك المرونة الكافية ليغيّر وسيلته حين تتغيّر المعطيات.

إنّ لغة الكون تعلّمنا أيضًا أنّ لكلّ شيء إيقاعه الخاص. فالبذرة لا تصبح شجرةً في ليلة، والبحر لا يغيّر ضفافه بموجة واحدة، والإنسان لا يبلغ نضجه بقفزةٍ عابرة. ثمة أشياء تحتاج إلى وقتها، وإلى صبرٍ لا يفسده القلق، وإلى عملٍ هادئ لا ينتظر التصفيق في كلّ خطوة. كم من إنسانٍ تخلى عن حلمه قبل أن يقترب منه، لأنّه أراد من الحياة أن تمنحه ثمار الطريق قبل أن يكمل السير فيه! وكم من إنسانٍ آخر وصل، لا لأنّه كان أكثر حظًا من سواه، بل لأنّه استطاع أن يحافظ على اتجاهه، وأن يتعلّم من إخفاقاته، وأن يبدأ من جديد كلّما اضطرّته الحياة إلى ذلك.

وحين نفهم هذه اللغة، تتغيّر علاقتنا بالنجاح نفسه. لا يعود النجاح مجرّد منصبٍ أو مالٍ أو اعترافٍ يأتي من الآخرين، بل يصبح قدرةً على أن نعيش منسجمين مع ما نؤمن به، وأن ننجز ما نراه جديرًا بأعمارنا، وأن نترك أثرًا يشبهنا. فكم من إنسانٍ امتلك كلّ أسباب الرفاه، لكنه ظلّ غريبًا عن نفسه، وكم من إنسانٍ عاش حياةً بسيطة، لكنه امتلك من الرضا والسكينة ما لا تشتريه الثروات. إنّ لغة الكون، في أعمق معانيها، ليست لغة الحصول على كلّ ما نريد، بل لغة اكتشاف ما يستحقّ أن نريده أصلًا.

والسعادة، بدورها، ليست مكافأةً مؤجّلة إلى نهاية الرحلة، ولا جائزةً يمنحها العالم لمن حقّق جميع أهدافه. إنّها قدرة الإنسان على أن يرى المعنى في الطريق، وأن يحتفي بالخطوات الصغيرة، وأن يدرك قيمة ما بين يديه وهو يسعى إلى ما ينقصه. فليس من الحكمة أن نؤجّل حياتنا إلى اليوم الذي ننجح فيه، أو نمتلك فيه ما نحلم به، لأنّ الأيام التي نعبرها للوصول إلى ذلك اليوم هي حياتنا الحقيقية، وليست مجرّد ممرٍّ إليها.

ولكي نصغي إلى لغة الكون، علينا أولًا أن نتصالح مع ذواتنا، وأن نميّز بين رغباتنا الأصيلة وتلك التي زرعها فينا الآخرون. علينا أن نعرف ما الذي نريده حقًا، ولماذا نريده، وما الثمن الذي نحن مستعدّون لدفعه في سبيله. ثم نمضي بوعيٍ وشجاعة، نعمل حين يكون العمل واجبًا، ونصبر حين يكون الصبر ضرورة، ونتراجع حين يصبح التراجع حكمة، ونبدأ من جديد حين لا يعود الطريق القديم صالحًا لنا. عندها لن نحتاج إلى أن نبحث عن المعجزات في كلّ زاوية، لأنّنا سنكتشف أنّ جزءًا كبيرًا مما كنّا ننتظره من العالم كان يحتاج، في الحقيقة، إلى تغييرٍ في نظرتنا إليه، وفي طريقة حضورنا داخله.

ومع ذلك، يبقى في الكون ما لا نستطيع التحكّم فيه؛ فالحياة لا تستجيب دائمًا لرغباتنا، والظروف لا تنحني بالضرورة أمام إرادتنا، وقد يبذل الإنسان أقصى ما لديه ولا يبلغ النتيجة التي أرادها. لكنّ ذلك لا يجعل سعيه بلا معنى، ولا يحوّل إخفاقه إلى حكمٍ نهائي على قدرته أو قيمته. فثمة نجاحٌ يكمن في الوصول، وثمة نجاحٌ آخر يكمن في النضج الذي نكتسبه ونحن نحاول، وفي الشجاعة التي نحافظ عليها حين تخذلنا النتائج، وفي قدرتنا على مواصلة الحياة دون أن نفقد إيماننا بإمكاناتها.

في النهاية، لعلّ لغة الكون هي اللغة التي نكتشف بها أنّنا لسنا مجرّد عابرين ينتظرون ما تمنحه لهم المصادفات، ولا آلهةً صغيرة تستطيع إرادتها إخضاع العالم؛ نحن كائناتٌ تملك حقّ الحلم، وواجب السعي، وشجاعة الاختيار، وحكمة التكيّف مع ما لا تستطيع تغييره. وحين نعرف وجهتنا، ونُحسن الإصغاء إلى تجاربنا، ونفتح أعيننا على الفرص، ونمضي دون أن نفقد إنسانيتنا، تصبح الحياة أكثر قابليةً للفهم، وتصبح مصادفاتها أكثر قدرةً على إرشادنا.

فلا تنتظر أن يكتب لك الكون حكايتك، ولا تظنّ أنّه سيحمل أحلامك نيابةً عنك؛ اكتب نيتك في أعماقك، واجعل أفعالك ترجمتها، وامضِ نحو ما تؤمن به بقلبٍ لا يخاف المحاولة وعقلٍ لا يخاصم الحقيقة. فقد لا يمنحك الكون كلّ ما تطلب، لكنه حين تجد في نفسك وضوح الرؤية وصدق السعي، ستصبح أكثر قدرةً على رؤية الأبواب التي كانت مغلقةً في عينيك، والفرص التي كانت تختبئ في تفاصيل أيامك. وحينها ستفهم أنّ أجمل أسرار الحياة ليس أن تتواطأ مع أحلامك، بل أن تتعلّم كيف تلتقي أحلامك مع الواقع، فتمنح هذا العالم شيئًا من روحك، ويمنحك الطريق إنسانًا أكثر وعيًا، وأكثر اتساعًا، وأكثر قدرةً على الفرح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى