إبرة في الذاكرة.. حكاية من طفولة عبري القديمة
الكاتب أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب وخبير بروتوكول – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والبروتوكول
في خمسينيات القرن الماضي، لم تكن ولاية عبري تعرف المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية بصورتها التي نراها اليوم، وكانت الخدمات الطبية محدودة، والمرض إذا ألمّ بأحد الأهالي وجد الناس أنفسهم يبحثون عن العلاج بما تيسّر لهم من وسائل وإمكانات بسيطة. وفي ذلك الزمن، ظل اسم «عيَادَة الْقَمْ» حاضرًا في أحاديث الرجال والنساء، بوصفه المكان الذي يقصده المرضى طلبًا للعلاج، رغم أنه لم يكن مستشفى بالمعنى المعروف، بل عيادة صغيرة داخل معسكر الجيش في منطقة كاواس، التي تُعرف بهذا الاسم اليوم.
أما تسمية «الْقَمْ»، فقد ارتبطت، كما يتناقلها الناس، بكلمة «كامب» الإنجليزية، التي تعني المعسكر، فتحوّلت على ألسنة الأهالي إلى الاسم الذي ألفوه وردّدوه، حتى غدا جزءًا من الذاكرة الشعبية لأبناء عبري.
وكان معسكر الجيش قائمًا في تلك المرحلة من تاريخ عبري، ويُرجَّح أن وجوده ارتبط باستقرار القوات العسكرية في الولاية عقب وصول قوات السلطان سعيد بن تيمور رحمه الله، إليها في أواخر أكتوبر عام 1954م.
ووفقًا لما أشار إليه والدي، رحمه الله، فإن تلك المرحلة ارتبطت بوجود القوات العسكرية في عبري. أما نحن، أبناء جيل الستينيات، فلم نكن نعرف على وجه الدقة متى أُنشئ المعسكر، ولا كيف اختير موقعه؛ فقد عرفناه قائمًا بأسواره، ومركباته العسكرية، ومرافقه المبنية بمواد ثابتة وأخرى تقليدية، من بينها “العرشان”
وكانت العيادة الصغيرة، التي عُرفت باسم «عيادة الْقَمْ »، من أبرز معالم ذلك المعسكر، وقد قصدها الأهالي طلبًا للعلاج عند الحاجة، في زمن كانت فيه الخدمات الصحية محدودة، وكانت الخيارات الطبية المتاحة أمام الناس قليلة.
كانت تلك العيادة، على بساطتها، تمثّل نافذة مهمة لأبناء الولاية على عالم الطب الحديث. ووفق ما بقي في الذاكرة، كان يعمل فيها طبيب بريطاني، يساعده شخص من الجنسية الهندية كان يُعرف من قبل الأهالي باسم «دكتور أبو صليله»، إلى جانب ممرض أو اثنين من أفراد الطاقم العامل هناك.
وكانت العيادة تستقبل المرضى وتعالج الحالات البسيطة، كما كان الطبيب يجري عمليات الختان للأطفال. وفي بعض الأحيان، كان يخرج بسيارة «اللاندروفر» العسكرية لزيارة المناطق والقرى القريبة، في وقت كانت فيه الطرق ترابية ووعرة، وكانت وسائل النقل محدودة، والوصول إلى الخدمات الطبية ليس بالأمر اليسير.
ولم تكن أهمية تلك العيادة في إمكاناتها وحدها، بل في كونها من الأماكن القليلة التي يستطيع الأهالي اللجوء إليها عندما يشتد المرض أو يحتاج أحد أفراد الأسرة إلى العلاج. ولهذا بقي اسمها متداولًا بين الناس، حاضرًا في أحاديثهم وذكرياتهم، على الرغم من بساطة مبناها ومحدودية خدماتها.
إبرة لا تزال عالقة في الذاكرة
ومن بين الذكريات التي ما زالت حاضرة في ذهني حتى اليوم، حكاية مرض ألمّ بي وأنا طفل صغير، فقرر أخي الأكبر أن يصحبني إلى تلك العيادة العسكرية في كاواس.
كنت أسكن آنذاك في حارة الرمل، ومنها بدأت رحلتنا إلى ما كان الأهالي يسمونه «عِيَادَة الْقَمْ » لم تكن الطريق مجرد مسافة نقطعها للوصول إلى العلاج، بل كانت مسارًا معروفًا يبدأ من الحارة، ويمتد عبر الضواحي، ثم نعبر الوادي قبل أن نصل إلى العيادة الواقعة داخل معسكر الجيش.
خرجنا من حارة الرمل وسرنا على الطريق الترابي، متجهين نحو الضواحي، ثم واصلنا سيرنا حتى بلغنا الوادي فعبرناه، ومضينا في طريقنا إلى أن ظهر لنا المعسكر. كانت المسافة في حسابات الكبار طريقًا يمكن قطعه مشيًا على الأقدام، أما بالنسبة إليّ، وأنا طفل أنهكه المرض، فقد بدت الرحلة أطول مما تحتمله خطواتي الصغيرة.
وعندما وصلنا إلى العيادة، استقبلنا الطبيب البريطاني بزيه العسكري، وفحصني بهدوء، ثم التفت إلى الممرض وأمره بإعطائي إبرة. لم أكن أفهم ما دار بينهما، لكنني أدركت ما ينتظرني عندما رأيت الممرض يجهّز الحقنة. وكأي طفل في مثل سني، كنت أخشى الإبر، وحاولت أن أبدو شجاعًا أمام أخي الأكبر، غير أن الخوف كان يسكن داخلي.
وما إن غُرست الإبرة في جسدي حتى شعرت بوخزة حادة، بقي أثرها معي حتى بعد انتهاء العلاج.
خرجنا من العيادة وبدأنا رحلة العودة إلى المنزل، عبر الوادي نفسه، مرورًا بالضواحي، حتى بلغنا حارتنا. كان أخي مطمئنًا لأنني تلقيت العلاج، أما أنا فكنت منشغلًا بألم الإبرة أكثر من انشغالي بالمرض نفسه.
كنت أشعر بوخزها مع كل خطوة أخطوها، وأتمنى لو أن الطريق يقصر أو أن أصل إلى البيت سريعًا. وكان علينا أن نقطع المسافة ذاتها التي قطعناها في الذهاب، بما فيها عبور الوادي، لكن الطريق بدا لي هذه المرة أطول بكثير، وكأن ألم الإبرة قد مدّد المسافة أمامي، وجعل كل خطوة تذكيرًا جديدًا بما حدث داخل العيادة.
وحين وصلنا إلى المنزل في حارة الرمل، لم يبقَ في ذاكرتي من ذلك اليوم شيء يضاهي ذكرى الإبرة وألمها الذي رافقني طوال الطريق. أما تفاصيل المرض نفسه، فقد تراجعت مع مرور الزمن، وبقيت تلك الحكاية الصغيرة حية في الذاكرة، مرتبطة بحارة الرمل، والوادي الذي عبرناه، والعيادة العسكرية التي قصدناها طلبًا للعلاج.
عيادة صغيرة في ذاكرة زمن كبير
ومع مرور السنوات، تبدّلت الأحوال، واتسعت عبري، ودخلت الخدمات الصحية مرحلة جديدة مع قيام المستشفيات والمراكز الصحية الحديثة، وأصبح الوصول إلى الطبيب والعلاج أكثر سهولة مما كان عليه في الماضي. غير أن صورة تلك العيادة العسكرية الصغيرة في كاواس لم تغب عن ذهني، وظل اسم «عِيَادَة الْقَمْ » حاضرًا كلما استعدت ملامح الحياة في عبري خلال تلك السنوات.
لم تكن تلك العيادة مجرد غرفة للفحص والعلاج، ولا مجرد طبيب أجنبي وممرض وحقنة يخشاها الأطفال؛ بل كانت جزءًا من حياة الأهالي، وشاهدًا على مرحلة كانت فيها الخدمات الأساسية محدودة، وكانت أبسط أشكال الرعاية الصحية تمثّل قيمة كبيرة في حياة الناس.
ولعل استعادة هذه الذكريات اليوم لا تهدف إلى استرجاع الماضي بدافع الحنين وحده، بل إلى تسجيل جانب من تاريخ الحياة اليومية في عبري، وتوثيق مرحلة من مراحل تطورها، قبل أن تتسع الخدمات وتتغيّر ملامح المكان. فالتاريخ لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، وإنما تحفظه أيضًا حكايات الناس البسطاء، والأماكن التي ارتبطت بحياتهم، والتفاصيل الصغيرة التي تبقى في الذاكرة بعد أن تتبدّل الأزمنة.
وهكذا بقيت تلك العيادة الصغيرة في ذاكرتي أكثر من اسم لمكان قديم؛ بقيت صورة من زمن البدايات، وذكرى تختصر رحلة طويلة قطعتها عبري من محدودية الخدمات إلى واقع صحي أكثر تطورًا، وتذكّرنا بأن ما نراه اليوم من خدمات ومرافق لم يكن دائمًا متاحًا، بل جاء بعد سنوات من التحوّل والتغيّر في حياة الناس.
إنها حكاية عيادة صغيرة، وإبرة أخافت طفلًا، ومدينة لا تزال ذاكرتها تحتفظ بتفاصيل الأمس، مهما تغيّرت ملامح الحاضر.
وعلى الخير نلتقي وبالوفاء والمحبة نرتقي ..






