
التشكيلية حليمة البلوشية: “الفن هو إنتاج لغة بصرية تجسد الهوية العُمانية بوعي معاصر”
أصـــداء/ العمانية
جسدت تجربة الفنانة التشكيلية حليمة بنت خميس البلوشي نموذجاً بارزاً في مسيرة الفن التشكيلي العُماني، حيث استطاعت عبر مسيرتها الفنية الممتدة في صياغة مفردات الهوية العُمانية بلغة تشكيلية معاصرة، أسهمت في إبراز الفن العُماني وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي العالمي.
وتستند الفنانة التشكيلية إلى رؤية فنية تمزج بين الخيال وعفوية الفطرة الإنسانية مستلهمة ملامح الهوية المحلية في أعمالها التي تجمع بين أصالة الموروث وروح المعاصرة بأسلوب يتيح للفن العُماني الانفتاح على التجارب العالمية ومحاورة الثقافات المختلفة.

وقالت الفنانة التشكيلية حليمة بنت خميس البلوشي في حديث لها لوكالة الأنباء العُمانية: “رأيت من خلال تجربتي الفنية بأن الهوية الثقافية العُمانية لا يمكن اختزالها في عناصر تراثية تدرك فقط بصريًّا، وإنما الهوية هي منظومة فكرية وجمالية تحمل قيماً إنسانية عميقة، وبكل بساطة إن استخدامي للأشكال وللخطوط وللألوان والفراغ، تجعل اللوحة الفنية مساحة للتأمل والحوار، فالزخرفة والنمنمة والمعاني الرمزية في أعمالي تمثل فكرة التوازن والنظام واللانهاية، والبحث عن المعنى، وهذا يتوافق مع الهوية العُمانية وما تحملها من قيم مثل الجمال والتسامح والتوازن “.
وأضافت: “من خلال مشاركاتي في المعارض الدولية، وجدت أن المتلقي، حتى وإن لم يكن على معرفة بالثقافة العُمانية، استطاع أن يتفاعل مع الأعمال من خلال هذه اللغة البصرية كونها لغة عالمية، وأن الأصالة المحلية لا تتعارض مع المعاصرة “.
وأوضحت أن مشروعها التشكيلي يقوم على الإيمان بأن الفن لا يقتصر على إعادة تمثيل الواقع، بل هو وسيلة لاكتشاف ما هو أعمق من المرئي.
وذكرت:” شكل الخيال بالنسبة لي مساحة لإعادة بناء الأفكار والعالم بصريًّا، بينما مثّلت الفطرة الإنسانية المرجع الذي يحافظ على صدق التجربة وارتباطها بالمشاعر والقيم الإنسانية. أما جماليات الفن الإسلامي فقد منحت أعمالي بُعدًا فكريًّا وروحيًّا، بما تحمله من مفاهيم التوازن، والإيقاع، واللانهاية، والوحدة في التنوع”.
وبينت أن أعمالها لا تقف عند حدود المكان الذي انطلقت منه، بل تسعى إلى بناء حوار بصري مع مختلف الثقافات، انطلاقًا من أن الفن الحقيقي كلما كان أكثر صدقًا في التعبير عن جذوره، أصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الآخر والانفتاح على العالم.

وحول مشاركتها العربية والدولية ودورها في ترسيخ حضور الفن التشكيلي العُماني أكدت أن المشاركات في المعارض والبيناليات العربية والدولية شكلت محطة مهمة في تطور تجربتها الفنية، كونها أتاحت لها فرصة الاحتكاك بتجارب ومدارس تشكيلية متنوعة، وفتحت أمامها آفاقًا جديدة للحوار البصري والثقافي. ووفق تعبيرها أن كل مشاركة لم تكن مجرد عرض للأعمال، بل كانت تجربة معرفية دفعتها إلى مراجعة أدواتها الفنية، وتعميق رؤيتها، وتطوير لغتها التشكيلية مع الحفاظ على هويتها الخاصة.
وقالت: “لقد أدركت من خلال هذه المشاركات أن العمل الفني المستمد من بيئته وثقافته يمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى المتلقي العالمي، لأنه يقدم خصوصية تحمل في جوهرها قيماً إنسانية مشتركة. لذلك كنت حريصة على أن تكون الهوية العُمانية، بما تحمله من إرث حضاري وجماليات إسلامية ورموز ثقافية، عنصرًا حيًا داخل أعمالي، ولكن بصياغة معاصرة تتجاوز حدود التوثيق أو النقل المباشر”.
وأشارت إلى أن هذه المشاركات أسهمت إلى جانب جهود الفنانين العُمانيين، في تعزيز حضور الفن التشكيلي العُماني على الساحة الدولية، وإبراز صورته بوصفه فنًا يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويحاور الثقافات الأخرى بلغة بصرية معاصرة.
وتطرقت حول مفهوم الاقتناء الفني ودوره في حفظ الذاكرة الثقافية والجمالية قائله: “أعتز كثيرًا باقتناء أعمالي من قبل متاحف ومؤسسات فنية وشخصيات مهتمة بالفن، لكنني أنظر إلى الاقتناء بوصفه مسؤولية ثقافية أكثر من كونه إنجازًا شخصيًّا. فحين يختار متحف أو مؤسسة فنية عملًا تشكيليًا، فإن ذلك يعني أن هذا العمل تجاوز لحظة إنتاجه، وأصبح يمتلك قيمة فكرية وجمالية تستحق الحفظ والدراسة، وأنه قادر على تمثيل مرحلة من مراحل التجربة الفنية وإثراء الذاكرة البصرية للمجتمع وبلا شك، فإن الاقتناء يشكل أحد المؤشرات على نضج التجربة الفنية، كما أنه يمنح الفنان دافعًا لمواصلة البحث والتجريب وتطوير أدواته، مع الحفاظ على أصالته وهويته الفنية”.
وفيما يتعلق بالاستلهام من المدارس الفنية المختلفة وصناعة الأسلوب الفني الخاص، أوضحت أن الاطلاع على المدارس والمناهج التشكيلية المختلفة ضرورة لكل فنان، لأنه يوسع أفقه المعرفي ويمنحه أدوات جديدة للتفكير والتعبير. وأن الاستلهام يختلف عن التقليد؛ فالاستلهام هو حوار مع التجارب الإنسانية، بينما التقليد هو الاكتفاء بتكرار ما أنجزه الآخرون. والفنان الحقيقي لا يبحث عن أن يشبه أحدًا، بل يبحث عن صوته الخاص.
وأضافت: “كنت دائمًا أتعامل مع التراث الفني العالمي بوصفه مصدرًا للإلهام. أستفيد من الفلسفات البصرية والأساليب المختلفة، ثم أعيد صياغتها بما ينسجم مع رؤيتي المستمدة من الهوية العُمانية، وجماليات الفن الإسلامي، وتجربتي الإنسانية الخاصة”.
وترى أن الأصالة ليست في الانغلاق على الذات، كما أن المعاصرة ليست في تقليد الاتجاهات السائدة. بل إن العمل الفني يكتسب قيمته الحقيقية عندما ينجح في تحقيق هذا التوازن؛ أن يكون متجذرًا في هويته الثقافية، ومنفتحًا في الوقت ذاته على الفكر الإنساني، فيقدم تجربة بصرية تحمل بصمة شخصية، وتستطيع أن تدخل في حوار مع العالم دون أن تفقد خصوصيتها.
وأكدت الفنانة التشكيلية أن المعارض والفعاليات الفنية تشكل فرصة استراتيجية لتعزيز حضور الفنان العُماني، بحيث تتحول هذه الفعاليات إلى منصات للحوار الثقافي، وبناء العلاقات المهنية، وتبادل الخبرات، والتعريف بالمنجز الفني العُماني في سياقه الحضاري والإنساني.
وبينت أن استثمار هذا الزخم يبدأ بدعم الفنان وتمكينه من تقديم مشروعه الفني والذي يعبّر عن هويته، مع توفير برامج للإقامة الفنية، والتبادل الثقافي، والورش المشتركة، إلى جانب توثيق التجارب الفنية وإبرازها عبر المنصات الرقمية والإصدارات المتخصصة. وأن هذه المبادرات تسهم في ترسيخ حضور الفن العُماني واستدامته، وتمنحه مساحة أوسع للوصول إلى المتلقي العالمي.
ومن خلال مشاركاتها في المعارض الدولية، تشير إلى أن الأعمال التي تنطلق من خصوصيتها الثقافية وتحمل في الوقت نفسه رؤية معاصرة، هي الأكثر قدرة على جذب الاهتمام وفتح أبواب الحوار مع الآخر. كما تؤمن بأن الهوية ليست عائقًا أمام العالمية، بل هي المدخل الحقيقي إليها، متى ما قُدمت بلغة بصرية حديثة وأن عندما تتكامل جهود الفنان مع المؤسسات الثقافية والمتاحف والجهات الداعمة، فإن الفن التشكيلي العُماني يصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا.
وفيما يخص دور ثقافة الاقتناء في دعم استدامة الإنتاج الفني وتعزيز الوعي الجمالي والاقتصاد الثقافي أوضحت الفنانة العُمانية أن تنامي حضور الفن التشكيلي في المعارض والفعاليات المحلية والدولية يمثل فرصة حقيقية لترسيخ مكانة الفنان العُماني، شريطة أن يُنظر إلى هذه المشاركات بوصفها مشروعًا ثقافيًا مستدامًا، لا مجرد مناسبات عابرة. فالمعرض اليوم لم يعد فضاءً لعرض الأعمال فحسب، بل أصبح منصة للحوار الحضاري، وتبادل الخبرات، وبناء الشراكات الإبداعية مع الفنانين والمؤسسات والمتاحف حول العالم.
وأضافت: “أرى أن الفنان العُماني يمتلك رصيدًا حضاريًّا وثقافيًّا غنيًّا يؤهله لتقديم تجربة فنية ذات خصوصية، مستمدة من التاريخ العُماني، وجماليات الفن الإسلامي، وتنوع البيئة المحلية. وعندما تُقدَّم هذه الخصوصية برؤية معاصرة ولغة بصرية قادرة على مخاطبة الإنسان أينما كان، فإنها تتحول إلى عنصر قوة يمنح الفن العُماني حضورًا مميزًا على الساحة الدولية”.
وأكدت أن قوة الفن العُماني تكمن في قدرته على الجمع بين الأصالة والانفتاح؛ فهو يستند إلى هوية ثقافية راسخة، وفي الوقت نفسه ينفتح على التجارب الإنسانية المعاصرة. وعندما تتكامل جهود الفنان مع المؤسسات الثقافية، يصبح الفن التشكيلي العُماني شريكًا فاعلًا في المشهد الثقافي العالمي، ومساهمًا في بناء جسور التواصل والحوار بين الشعوب عبر لغة الفن التي تتجاوز الحدود والاختلافات الثقافية.
وفي حديثها عند الموازنة بين أصالة التجربة الإبداعية وتوظيف التقنيات الحديثة في الفن التشكيلي قالت: لا شك أن الذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة جديدة في تطور الأدوات الفنية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن التجربة الإنسانية التي تشكل جوهر الإبداع. فالفكرة، والحدس، والذاكرة، والمشاعر، والخبرة الحياتية، هي العناصر التي تمنح العمل الفني صدقه وقيمته. ولكن ممكن للذكاء الاصطناعي أن يكون وسيلة مساندة من خلال التوسع في آفاق البحث البصري، واستكشاف الاحتمالات، أو الوصول إلى جمهور أوسع عبر المنصات الرقمية، لكنه لا ينبغي أن يحل محل العملية الإبداعية ذاتها. فالعمل الفني الحقيقي يولد من تجربة داخلية، ومن علاقة الفنان بذاكرته وثقافته وبيئته.
ووفق تجربتها بيّنت أنها تحرص على أن تظل الهوية العُمانية وجماليات الفن الإسلامي والرمزية الإنسانية هي المرجعية الأساسية لأي عمل تقدمه، حتى وإن استعانت بالتقنيات الحديثة في بعض مراحل البحث أو العرض. فالتكنولوجيا يجب أن تخدم الفكرة، لا أن تقودها، وأن تبقى أداة توسّع إمكانات الفنان دون أن تنتزع منه صوته الخاص.

وأوضحت أن مستقبل الفن لن يكون صراعًا بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل سيكون شراكة واعية بين الإبداع والتقنية. فكلما امتلك الفنان رؤية أصيلة وهوية بصرية واضحة، استطاع أن يوظف هذه المتغيرات لصالح مشروعه الفني، محافظًا على فرادته، ومنفتحًا في الوقت ذاته على وسائل جديدة للتعبير والتواصل مع جمهور عالمي.














