
حين يصبح الصمت حكمة
هيام سلوم
في رواية ” الصمت” للكاتب “شوساكو إندو” والتي صدرت عام 1966، وعدّت من الأعمال المهمة التي تناولت الصمت الديني والوجودي. تدور حول كاهن مسيحي يسافر إلى اليابان يواجه الاضطهاد والتعذيب، ويصارع أسئلة الإيمان والألم وصمت الله أمام معاناة البشر. إنها رواية عن الصمت حين يصبح امتحانًا للروح واليقين.
في الحياة ليس كل ما نشعر به يستحق أن يُقال، وليس كل ما نعرفه يحتاج إلى شرح. ثمة مواقف لا تنقصها الكلمات، بل ينقصها من يُحسن الإصغاء، وثمة حوارات مهما أطلناها لا تقودنا إلا إلى مزيدٍ من التعب. إن قيمة الإنسان ليست في كثرة ما يقول، بل في حكمة ما يختار أن يقوله. وعندما يؤمن أن بعض الخلافات تخسر قيمتها حين نمنحها أكثر مما تستحق. قد يكون الصمت أبلغ من جدالٍ طويل، حين يتحوّل الكلام إلى ضجيجٍ لا يثمر، وتصبح الحجة دورانًا في دائرةٍ مغلقة.
وعندما تختار الرحيل وتغادر مكانًا قبل أن تتكاثر فيه الخسائر، وتطوي حكايةً دون أن تترك خلفك جرحًا متعمدًا. فليس شرطًا أن نترك أثرًا في كل قلب ،الأجمل ألّا نترك أذى في أي قلب.
الصمت ضروري حين لا يعود للكلام جدوى، والكلام مهم حين يصبح الصمت خيانةً ، فبعض الانتصارات تبدأ حين نكفّ عن الجدال، و بعض الأبواب لا تستحق أن نستهلك أعمارنا في محاولة فتحها.
الصمت له وجوه أكثر قسوةً وخطورة فقد يكون تواطؤًا مع الظلم، أو خوفًا يرتدي ثياب الحكمة.
ثمة لحظات يصبح فيها الكلام واجبًا أخلاقيًا، ويغدو السكوت خذلانًا للحق، أو تخليًا عن إنسانٍ يحتاج إلى صوتٍ يقف إلى جانبه.
فالحكمة أن نعرف متى يكون الصمت حمايةً لما تبقّى فينا من سلام، ومتى يصبح الكلام ضرورةً لا يجوز تأجيلها. فالصوت الذي يدافع عن كرامة إنسان ليس ضجيجًا، والاعتراض على الظلم ليس خروجًا عن الهدوء، بل قد يكون أرقى أشكال المسؤولية.
كما أن الصمت لا يشفي كل الجراح وحده، فبعض الألم يحتاج إلى البوح، وبعض الحزن يحتاج إلى كتفٍ أمين، وبعض الكلمات إن بقيت حبيسةً في صدورنا تحوّلت إلى أثقالٍ تستنزفنا ببطء. لذلك، فإن النضج ليس أن نتقن الصمت حتى الاختناق، بل أن نعرف لمن نتحدث، ومتى نتحدث، وما الذي يستحق أن نكشفه من أعماقنا. فليس كل مستمعٍ مؤتمناً على وجعنا، لكن هذا لا يعني أن العالم خلا من القلوب التي تستطيع أن تصغي دون أن تحاكم.
لا أقيس نضجي بعدد المرات التي صمتُّ فيها، بل بقدرتي على التمييز بين صمتٍ يحميني وصمتٍ يهزمني، وبين كلمةٍ تبني جسرًا وكلمةٍ تهدم ما لا يمكن ترميمه.
فالحياة لا تحتاج دائمًا إلى أصواتٍ أعلى، بل إلى أرواحٍ أكثر وعيًا بما تقوله، والحكمة أن نصل إلى تلك الطمأنينة التي لا نعود معها مضطرين إلى تفسير أنفسنا للجميع، ولا خائفين من أن يسيء أحدهم فهمنا، ولا راغبين في تحويل كل اختلافٍ إلى معركة.
في النهاية، الصمت حكمةُ مَن يعرف متى يتكلم، ومتى يترك للكلمات أن تموت في داخله. أصمت حين يصبح الحوار عبثًا وأرحل حين تفقد الكلمات قدرتها على الوصول، وأبقى حين يكون لوجودي معنى. فليست كل ضوضاء صوتًا، ولا كل صمت فراغاً ، بعض الصمت امتلاءٌ بالحكمة، وبعض الكلام مجرّد جعجعةٍ بلا طحين.














