
المخرج المسرحي خليفة الحراصي: مسؤولية “المسرحي” تمتد بطريقة غير مباشر إلى تدريب عين المتفرج وأذنه وقلبه على الجمال
أصـــداء/ العمانية
في سياق حديثه عن ماهية المسرح وتكويناته، يرى المخرج المسرحي العُماني خليفة بن محمد الحراصي، أن المسرح فن أصيل من فنون حضور الذات الإنسانية، ومن خلاله يتنفس الممثل والمتفرج الهواء نفسه، ويعيشان اللحظة ذاتها، التي لا تتكرر كون أن المسرح يجسد لقاء إنساني حيّ.
وأشار الحراصي الذي قدم للجمهور المسرحي في سلطنة عُمان وخارجها أكثر من عشرين مسرحية أهمها مسرحيات “هل علّي أن أنتظر النص القادم؟” و”بنت الصياد” و”نانا” إنه حين تلتقي هذه الروح بالعمق الفني، أي بفكرة تحترم عقل الملتقي وبصورة تحترم عينه، يتحول العرض من فرجة عابرة إلى تجربة يحملها المتفرج معه بعد أن يغادر المقعد.

وفي سياق المسرح وعمقه الفني يشير إلى أن العرض العميق هو الذي يجعل المتفرج يرى نفسه في الخشبة ويكشف في شخصية ما سؤالاً كان يؤجل، أو مشهد ما وجعاً لم يجد له اسماً. في تلك اللحظة يقوم المسرح بوظيفته الأولى، والتي تتكون في سياق مرده “أن يُضيء” أما أثره في المجتمع فلا يقاس بليلة واحدة. فالذائقة تبنى بالتراكم. فالجمهور الذي يعتاد على عروض تحترمه يصبح أكثر قدرة على التمييز، وأكثر جرأة على طرح الأسئلة، وأقل قبولاً بما هو سطحي، لهذا أؤمن أن مسؤولية المسرحي تمتد بطريقة غير مباشرة إلى تدريب عين المتفرج وأذنه وقلبه على الجمال. ليصنع متفرجاً أفضل والذي أعتبره وقتها نواة مجتمع أكثر وعياً بذاته.
وفي شأن الحديث عن الفنتازيا والتحليق البصري كونهما يفتحان آفاقاً ساحرة للخيال، يشير “الحراصي” في حديث لوكالة الأنباء العُمانية، إلى استثمار ذلك لفتح نوافذ جديدة للمشاهد ويقول: أتعامل مع الفنتازيا كونها مساحة لإعادة اكتشاف الواقع، فهي تمنح الخوف والحلم والذاكرة صوراً يمكن رؤيتها والإحساس بها على الخشبة. وأستثمرها من خلال العلاقة بين النص وجسد الممثل والضوء والصوت، لتحمل الصورة معنى وتدفع الحكاية إلى الأمام.
وأوضح قائلا: قد تتحول حركة بسيطة إلى موجة، أو يستحضر تكوين بشري مكانًا كاملاً، فتجد المشاهد يشارك بخياله في بناء العالم المسرحي ويصبح شريكاً في تأويله.
وبيّن قوله: لقد قدمت أعمالًا مميزة مع الكاتب والشاعر العُماني عبد الرزاق الربيعي وخاصة فيما يتعلق بحكايات الموروث الشعبي العُماني، واستفدنا من البحث في حركة الجسد والخيال لتحويل عناصر الموروث إلى لغة مسرحية معاصرة. وهذا المدخل يهمني لأن الحكاية المحلية تشكل إمكانات بصرية وإنسانية تتيح إعادة قراءتها، فالدهشة تفتح باب الانتباه، ثم تأتي العلاقات والصراعات لتمنحها عمقها، وتترك للمشاهد أسئلة تتجاوز لحظة العرض.
وعلى المدى القريب أطمح بلا شك إلى توسيع طرائق التعبير عن الإنسان انطلاقًا من بيئتنا وذاكرتنا. لدينا حكايات وأمكنة وتفاصيل يمكن أن تتحول إلى عوالم مسرحية تتواصل مع جمهور مختلف الثقافات. وأرى قيمة هذا الشغف في تقديم أعمال تمنح المتفرج متعة الاكتشاف وحرية التفكير، وتُظهر قدرة المخيلة العُمانية على ابتكار صورها المسرحية الخاصة.
وعند الحديث عن جماليات المكان وارتباطه بحقيقة المسرح وما يجسده من شغف بيئي واستحضار الهوية يشير الحراصي إليه كونه بطلًا صامتا يمنح الأرض جغرافيا ذات بعد وجداني متفرد وهنا يشير: أتعامل مع المكان في كونه شريكاً في صناعة العرض، له ذاكرة وصوت وإيقاع، وكلها تدخل في تشكيل التجربة المسرحية. فانصت إليه مع خيالي إلى تفاصيله المعمارية، وحكاياته، وعلاقته بالناس، ثم أبحث عن لغة مسرحية تنبع منه. ويتجسد ذلك في حركة الممثلين، وتوزيع الجمهور، وتوظيف الضوء والصوت، بحيث يشارك المكان في بناء المعنى. وأحرص على احترام طبيعته وخصوصيته، وأن تكون تدخلاتنا فيه مدروسة وخفيفة الأثر.
وأضاف في هذا الجانب: هذا الارتباط يمنح العمل أصالته فالهوية تظهر في علاقة الحكاية بالمكان والإنسان. وحين يكتشف الجمهور فضاءً مألوفاً من زاوية جديدة، أو يشعر أن العرض يصغي إلى ذاكرته، تتولد علاقة وجدانية تجعل التجربة أقرب إليه وأبقى في ذاكرته.
وعن ماهية السينوغرافيا كلغة للدهشة في السياق المسرحي كون أن الصورة المسرحية لغة قائمة بذاتها وتتجاوز الكلمة إلى فضاءات يقف الحراصي إلى العلاقة هنا بينه وبين أعماله ويقول: تبدأ الصورة المسرحية في أعمالي المسرحية من إحساس أود أن يصل إلى المشاهد، ثم تتشكل عبر العلاقة بين جسد الممثل والفضاء والضوء واللون والخامة. ولتطوير رؤيتي للمشهد، أخذت دورات في التصوير الفوتوغرافي والتصميم والفن التشكيلي، والتذوق الجمالي، حتى أرى المشهد من أكثر من زاوية فنية، وأكون أكثر حساسية لتفاصيله ودلالاته. وتنعكس هذه التجارب في بحثنا عن تكوينات تخدم الحكاية وتكشف ما يصعب قوله بالكلمات، فقد تختصر مسافة بين شخصيتين شعوراً بالفقد، أو يحوّل الضوء عنصراً بسيطاً إلى حضور يملأ الخشبة. ونمنح الصورة حياتها بالحركة والإيقاع والتحوّل فاللوحة تتكوّن أمام الجمهور وتتغير مع تطور الحدث، ويكتمل معناها بأداء الممثل. وقد تنشأ الدهشة من مشهد شديد البساطة، حين تأتي عناصره في اللحظة المناسبة وتلامس إحساساً عميقاً.
وأضاف أيضًا: هذه الصلة بين التكوين البصري والمعنى هي ما يجعل الصورة باقية في الذاكرة. قد ينسى المشاهد بعض الكلمات، لكنه يحتفظ بمشهد يشعر به بالخوف أو الحنين أو الأمل؛ لأن جمال الصورة ارتبط بما عاشه من خلالها.

ولأن تجربة الحراصي تتنوع بين الكتابة أيضًا والإخراج المسرحي والسينوغرافيا والتصوير الفوتوغرافي والتصميم البصري وإدارة الفعاليات الثقافية يتطرق في هذا السياق إلى المسرح العُماني وواقعه حيث صناعة الأمل والحلول الجمالية يتميز بها كونه مرآة مبهجة وصادقة لواقع المجتمع، وهنا يشير إلى رؤيته للمسرح “محليًّا” ويقول: أرى المسرح مرآة تختار زاوية النظر، وتكشف ما قد يغيب عن العين في زحام الحياة اليومية. فقدرته على استيعاب الواقع في سلطنة عُمان تبدأ من قربه من الناس، والإصغاء إلى حكاياتهم وأسئلتهم وطموحاتهم. فمجتمعنا يعيش تحولات متسارعة بين أصالة نعتز بها وحداثة نعيشها، وبين أجيال تتحاور أحياناً وتتباعد أحياناً أخرى وهذه المسافات تحمل مادة إنسانية ثرية للمسرح.
وأضاف: يستطيع المسرح أن يقدّم ذلك عبر الفكاهة والمفارقة والصورة الجمالية، فيمنح الجمهور متعة الاكتشاف وفرصة لرؤية واقعه من زاوية أخرى. وقد يكون أثر العرض في سؤال يرافق المشاهد، أو في شعور بأنه مفهوم وأن صوته حاضر، ومن هنا تبدأ إمكانية التغيير.
وفي الشأن ذاته يقول: يمتلك الفنان المسرحي العُماني فرصاً ثرية في تنوّع البيئات والحكايات والفنون الأدائية، فالبحر والجبل والقرية والمدينة تحمل ذاكرة وتجارب تستحق أن تُروى. وإلى جانب هذا الرصيد، تتيح الأدوات الرقمية والبصرية للأجيال الشابة مساحات جديدة للتعبير والتجريب. والمهم أن ننطلق من خصوصيتنا لطرح أسئلة معاصرة، وأن نتيح للجمهور فرصة أن يرى نفسه على الخشبة ويشارك في الحوار حول ما نقدّمه.
وبيّن قوله: يبقى التحدي أن نخرج بالمسرح من المناسبة إلى الاستمرارية، وأن نصل إلى الناس في فضاءاتهم اليومية، ونبني معهم علاقة تتجاوز ليلة العرض. فالمسرح الذي يعبّر عن نبض الجمهور يحتاج أن يذهب إليه، ويصغي له، ويمنحه مساحة للمشاركة ومن هذه العلاقة تتولد تجارب قادرة على الإلهام وصناعة الأمل.
ولا يبتعد المخرج المسرحي خليفة الحراصي في حديثه عن المسرح، ليبقى حيث “المكان العُماني” كمنصة مسرحية مفتوحة، ويشير إلى ما يمكن أن يستلهم من الارتباط الوثيق بين المكان والمسرح لتقديم عروض مسرحية وأكد بقوله:
سلطنة عُمان في تقديري مسرح فكري وثقافي نوعي مفتوح تتجدد إمكانات اكتشافه. فالقلاع والحصون تحمل عناصر ثرية للفرجة المسرحية، جدراناً تختزن الذاكرة، وأبراجاً تمنح العرض مستويات مختلفة، وساحات تتيح اللقاء بين الممثل والجمهور. والحارات القديمة بأزقتها وأبوابها الخشبية تقترح مسارات للعرض المتجوّل، فيما تمنح الشواطئ والأودية والجبال التجربة حضوراً بصرياً وحسياً خاصاً. هذا الثراء يدعونا إلى إعادة التفكير في شكل العرض وطريقة مشاركة الجمهور فيه.
وفصّل قوله: هنا أقصد ذلك المسرح المرتبط بالموقع، حيث يتشكل العرض من المكان ويُكتب من أجله. فالعمل في قلعة يمكن أن يحاور ذاكرتها وعمارتها، والعمل على شاطئ يمكن أن يستمد إيقاعه من الموج وحكايات الناس المرتبطة بالبحر. وقد يتنقل الجمهور بين أزقة حارة ليكتشف الحكاية عبر أبوابها وساحاتها، فيصبح سيره جزءاً من إيقاع العرض، وقربه من الممثل مدخلاً إلى علاقة أكثر حميمية مع الشخصيات.
وأكد أيضًا: تجربتي في قيادة رحلات فنية لرسم المكان العُماني في الجبل الأخضر ونخل وغيرها عمّقت إحساسي بهذه الإمكانات؛ فقد علّمتني أن الحضور في المكان وتأمل ضوئه وألوانه وخاماته يفتح للفنان زوايا يصعب اكتشافها من بعيد. ويتطلب تحويل هذا الإلهام إلى مسرح بحثاً في حكايات المكان، وإنصاتاً إلى أهله، وحساسية في توظيف تفاصيله واحترام خصوصيته. ويمتد أثر هذه التجارب إلى إعادة ربط الناس بأماكنهم، وإتاحة اكتشاف المواقع المألوفة من زاوية جديدة، كما يفتح مجالاً للسياحة الثقافية التي يتعرف فيها الزائر إلى عُمان عبر حكاياتها وتجارب أهلها. وحين يعيش المشاهد القصة وسط الأصوات والخامات والمسافات التي شكّلتها، تكتسب حضوراً حسياً ووجدانياً عميقاً. ومن هذه التفاصيل المحلية نستطيع الوصول إلى أسئلة إنسانية أرحب، مثل الانتماء والرحيل والذاكرة والتحوّل؛ فتحتفظ القصة بخصوصيتها العُمانية، وتتيح لجمهور من ثقافات مختلفة أن يجد فيها شيئاً من تجربته.
وفي ختام حديثه يتحدث “الحراصي” عن الهندسة الإخراجية في “تكوين السياق المسرحي” وصياغة علاقاته المعقدة بين النص، الممثل، والسينوغرافيا وهنا يوضح: أبدأ رؤيتي الإخراجية من سؤال: ما الذي يدفعني إلى تقديم هذا العمل، وما الإحساس أو السؤال الذي أريد أن يبقى مع الجمهور؟ ومن هذه النقطة أبني السياق المسرحي، أقرأ النص بما يحمله من أحداث وشخصيات، وأبحث أيضاً في صمته وإيقاعه وما يتركه مفتوحاً للتأويل. ثم تتطور الرؤية في البروفات، حين يختبر الممثل الفكرة بجسده وصوته، وتكشف التجربة إمكانات قد لا تظهر في القراءة الأولى.
وأضاف: أتعامل مع العلاقة بين النص والممثل والسينوغرافيا كونهما علاقة متبادلة فحركة الممثل قد تقترح حلاً بصرياً، وتكوين الفضاء قد يغيّر طريقة أداء مشهد أو يكشف معنى فيه. وقد وسّعت تجاربي في التصوير والتصميم والفن التشكيلي نظرتي إلى هذه العلاقات، وجعلتني أكثر انتباهاً للتكوين والضوء واللون، ولأثر التفاصيل في المشهد. ومع ذلك، يبقى الممثل محوراً حياً تتشكل حوله الصورة وتكتسب معناها. ومن أهم مفاتيحي وضوح الرؤية، والحوار مع فريق العمل، والتجريب، ثم الاختيار والحذف فالتكامل يحتاج إلى معرفة ما يستحق الحضور وما يمكن الاستغناء عنه. وأهتم بإيقاع العرض أين تتكثف الحركة، وأين نمنح الصمت مساحته، وكيف ننتقل بين المشاهد بحيث يتطور إحساس الجمهور بالحكاية.
وأكد أيضًا: الطاقة الإيجابية في هذه الهندسة، فأراها في حيوية اللقاء وصدق التجربة، وفي مساحة التأمل والأمل التي يفتحها العرض، حتى حين يتناول موضوعاً مؤلماً. ولا يمكن ضمان الأثر، لكننا نستطيع تهيئة شروطه بعمل متماسك يحترم إحساس المشاهد وذكاءه، ويترك له مساحة ليكتشف ويؤول. وما أطمح إليه هو أن تستمر علاقة الجمهور بالعمل بعد انتهاء العرض، عبر صورة يتذكرها أو سؤال يعيد التفكير فيه.














