ثقافة وأدب

السرد الروائي في سلطنة عُمان.. جذور بروح الأصالة وحاضر متجدد

أصـــداء/ العمانية

تتحوّل استعادة الماضي العُماني في السرد الروائيّ إلى احتفاء حيّ بالهويّة والأصالة، حيث تجسد الرواية في خصوصيتها في هذا السياق الحياة في تفاصيل الذاكرة لتضيء حاضر القارئ المُعاصر، وهذا ما يتضح جليًّا في السرد الروائيّ العُماني بشكل كبير، ليُقدّم ذلك تصريحًا بيّنًا بمدى ارتباط الكاتب بأرضه وهويّته.

ومن هذا المُنطلق، تستحضر الروايّة العُمانية ملامح الحياة في سلطنة عُمان قديمًا، لتنسج في مُخيّلة القارئ ملامح هويّتها، وتفاصيلها الإنسانيّة، وما تحمله من دلالات اجتماعيّة وثقافيّة، ليتجدد الاعتزاز بالماضي بيد كُل رواية كُتبت، وتحت مسمع قارئها في ضوء الحاضر.

ومن هُنا، تصف لنا الكاتبة رحمة المغيزوي كيف يُمكن للروائيّ نسج خيوط التحوّلات الاجتماعيّة العُمانية بلغة تأسر القارئ، فتقول: “الكاتب كائن مرن يتفاعل مع مُجتمعه المُحيط بمُنتهى الحريّة دون حدود أو قيود، وبالتالي ينتج عن هذا التفاعل نوع من الحراك الثقافيّ، والنصوص ذات المغزى الخاص بالكاتب ذاته؛ لذلك يعيش الكاتب حالة خاصّة سواء كان النص قصّة أو رواية، فحين يُقدم الكاتب عملًا أدبيًّا يقدمه ممزوجًا بروحه وعقله وثقافته، وهنا أستشهد جزئيًّا بالروائيّ نجيب محفوظ الذي رصد التحوّلات الاجتماعيّة في المُجتمع المصريّ في أطواره المُختلفة”.

وتضيف: “من ناحية أخرى فإن الأديب الذي يقوده الشغف وحب الكتابة إلى الاطلاع المُعمق المتنوّع والقراءة الجادة، فنجده يلتمس ثقافات مُختلفة، ويقرأ قراءات مُختلفة في فنون مُتباينة تجمع بين الأدب والتاريخ والسياسة وعلم النفس، فيكتسب بذلك ثقافة مُتنوعة وتصبح لغته الأدبيّة لغة سليمة ذات نكهة خاصّة تميزه عن غيره من الأدباء والكتّاب”.

وعن مدى استطاعة الروائيّ تحويل التفاصيل اليوميّة للذاكرة الشفاهيّة إلى عالم روائيّ مُفعم بالجمال، تذكر: “إنّ الروائيّ يملك أساسيات نفسيّة يعيشها ضمن أطر مُختلفة، وعندما يكتب نصًّا فإنه يخرجه من تلك الأسس والنظريات الداخليّة فينتقل من سقف الكتابة الأحاديّة إلى سقف الكتابة التفاعليّة، فيخرج النص الروائيّ وقد تفاعلت جميع الشخوص الموجودة في الرواية معه، وعبر ذلك يستطيع أن يخرج شخصيات حيّة مُفعمة بالجمال والحراك الاجتماعيّ، فيعكس صورة للمُجتمع العُماني الذي يعيش ويتعايش معه؛ لذا نجد في عمله الأدبيّ العديد من الشخصيات المُتباينة التي تعيش حالات مُختلفة من الحب والفقد والحزن والفرح”.

وفيما يتعلّق بالأدوات السرديّة وربطها بالذاكرة، توّضح: “لا يمكن تحديد أدوات سرديّة مُعينة لأي كاتب ليحتفظ بذاكرته الإنسانيّة، إذ إن الكاتب مُخيّر في اختيار الأدوات السرديّة التي يستخدمها في عمله الأدبيّ”، ومن وجهة نظرها، تقول: “إن تطوير الأدوات السرديّة هو الأساس، فيمكنه استخدام المزج التاريخيّ، وهو نقل جزء من التاريخ إلى الرواية، كما قام الروائيّ العُماني طارق المنذري في روايته (مسكد) وهذا نقل كامل للتاريخ، كما يمكن نقل التفاصيل التاريخيّة جزئيًّا كما قامت الكاتبة بشرى خلفان في روايتها الشهيرة (دلشاد)”.

ومن جانب آخر، يقول الكاتب والروائيّ الدكتور سعيد بن محمد السيابي: “من مُنطلق فوز الروائيّ المصريّ نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب، تشكل البيئة المحليّة، مُمثلة بالحارة المصريّة وتفاصيلها وحضورها الطاغي في كتاباته، تألق نجيب من المحليّة ووصوله إلى العالميّة، وعليه، فالمكان في الأعمال السرديّة وخصوصيته يقومان بأدوار مُتعددة، ليس كفضاء للحدث وحده، إنما في قوّة الواقعيّة السحريّة التي تمتلكها بعض البيئات والأمكنة وتفاصيلها”.

ويُبين قوله: “القارئ الآخر ليس معنيًّا بالقضايا بالدرجة الأولى، لأن هناك تشابهًا كبيرًا في القيمة المُطلقة الإنسانية في العالم، كالحب والصدق والأمانة والنرجسية والكذب والخيانة وغيرها، ولكن الأمكنة والبيئات وسحرها لها خصوصيتها الجاذبة وشغفها الذي يلاحق الأذهان لزيارتها”، ويصف: “فتاج محل والأهرامات وعجائب الدنيا السبع هي عبارة عن أمكنة واقعيّة، وإنما ما حملته هذه من قيم نادرة وخاصّة جدًّا جعل من الوعي الجمعيّ يرسم لها خصوصيتها وذاكرتها وموروثها المتنوّع”.

ويُؤكد: “هذا المدخل الذي أضعه أمام عيني ككاتب روائيّ وسارد قصصيّة: ما قيمة البيئة والمكان العُماني الذي أنتخبه للقارئ؟ ومن هنا كان اختياري في رواية (جبرين وشاء الهوى) أن يكون الحدث في حصن جبرين بمحافظة الداخليّة، واخترت شخصيّة حارس الحصن بطلًا للروايّة”.

وعن دقّة التفاصيل ووصفها، يقول السيابي: “من منطلق الخصوصيّة العُمانية والتاريخ وأحداثه التي وقعت، يستطيع الكاتب أن يتناول تفاصيل الأمكنة وما تحمله بداخلها من أسرار وقيم شاهدة على سجل البطولات، فمثلًا في رواية (الصيرة تحكي)، والأحداث تقع في مرحلة وصول البرتغاليين لولاية قريات وما حدث من تفاصيل أخرى في سواحل عُمان وصولًا إلى الهند، فقد اخترت برجًا وحيدًا على شاطئ قريات شاهدًا على ما وقع في هذه المرحلة التاريخيّة”.

ويوّضح السيابي: “المكان له أبعاده الكثيرة وحضوره، والاستعانة به والإبحار في تفاصيله مكسب جاهز للكاتب الذي يرغب في أن يتفوّق على واقعيّة ما يراه الآخرون من أبنية صمّاء دون روح أو حياة، وهنا مهارة السّرد في جعل ما هو مألوف يُرى بسحر الحروف منطقة قوّة وعظمة صنعها الإنسان، فالبحر بين مناطق الماضي والحاضر والمُستقبل في يد الكاتب العميق الذي يستنطق جمال الروح التي تسكن الأمكنة، وتعيد الحياة ولو على الورق، وتسافر بالقارئ لأماكن ربما يراها ويسمع عنها للمرّة الأولى”.

ويُشير الروائيّ السيابي: “بكل تأكيد تظل قدرة الكاتب وقراءته قادرة على استنطاق مكنونات المكان وغرائبيته وتفاصيله بتقنيات تفتيت اللحظات بالوصف الدقيق، واستحضار الذاكرة، وتوظيف الحواس من رائحة ولون وصوت، والاستفادة من الموروثات الشعبيّة المكتوبة والشفويّة، وربط المكان بالشخوص والأحداث التي وقعت فيها، كلها تقنيات تمنح الأمكنة حياة تتجاوز حضورها الجغرافيّ”، كما يُؤكد أنّ القارئ من يعبر بروحه، ويغوص مع المكان وأبعاده، ويشترك مع الكاتب في نسج الأبعاد الإنسانيّة وأسرار وتحوّلات القيم التي يسافر إليها عبر النص السرديّ.

وعند التركيز على العُمق الفكريّ، يستعين الروائيّ خالد الكندي بمقولة الباحث الكلاسيكيّ واللغويّ الألمانيّ هيرالد فاينرش (إذا دخلتَ الأدب، فأنت في ساحة كذب)، ويقول: “الكذب المقصود هنا هو الخيال الجميل الذي لا يقوم الأدب إلا به، وهو خيال يبرئ ساحة الأديب من أي تعهّد بالتزام حقائق التاريخ، فَفَوْرَ كتابة نوع السياق الأدبيّ – مثل (رواية) – على غلاف الإصدار الأدبيّ يكون الكاتب قد أعلن مُنذ البداية أنه لا يضمن أن يكون المُحتوى الذي يقدمه حقيقة واقعة، ومع ذلك يبقى مُصطلح (الرواية التاريخيّة) مُشكلة؛ لأنه يجمع بين مُتناقضين: الرواية التي هي من ساحة الكذب، والتاريخ الذي هو من ساحة الحقيقة”.

ويُضيف: “قد حاول بعض النقاد رتق هذا الإشكال بوضع اشتراطات على الروائيّ تتعلّق بتصريحه بشخصيات تاريخيّة يجتهد في تخيل تفصيل حياتها الاجتماعيّة وسلوكها النفسيّ ومُفردات معيشتها التي غفلت عنها كتب التاريخ، وذلك لاقتصار كتب التاريخ عادة على الأحداث التاريخيّة وغفلتها عن الحياة الفكريّة والإنجازات العمرانيّة والملامح الحضاريّة، ومن تلك الاشتراطات ألا يتسبب الخيال المُضاف في تشويه الشخصيّة التاريخيّة، أو قلب واقعها الموثق في كتب التاريخ”.

وأشار: “لكن ماذا لو كانت كتب التاريخ لا تتفق على بعض الأسباب التي قادت إلى بعض الوقائع التاريخيّة، أو تتناقض في نسبة بعض الأحداث إلى الشخصيات التاريخيّة، هنا يفترق الروائيون في أهوائهم، بين من يجتهد للتحقق من الأحداث الواقعيّة بالعودة إلى أكبر عدد من المصادر التاريخيّة، ومن يوجّه الشخصيّة إلى أهوائه المذهبيّة، أو أيديولوجيته الخاصّة”.

ومن جانبها، تقول الروائيّة مريم الحتروشي: “في أدب الرواية تحضر الحارة القديمة والدروب والسكك والأسواق بمُسمياتها القديمة، وبلهجة ساكنيها، حيث تستيقظ المدن كظرف مكاني له قيمته وعمقه الخاصيّن على لسان شخوص الرواية، كما في روايات الروائيات العُمانيات بشرى خلفان، وشريفة التوبي، وزوينة الكلباني وعزيزة الطائي، وكما جاء في روايات الروائيّ العُماني زهران القاسمي وغيرهم الكثير”.

وأضافت: “وعادةً ما يحمل الروائيّ موطن طفولته على كاهله وهو يمضي قدمًا في طريق كتابته الروائيّة؛ وهنا يتبادر إلينا حثيثًا الكثير من عناوين الروايات التي تتصدرها أسماء المدن أو القرى”.

كما أشارت الحتروشية إلى رواية الروائيّ العُماني الراحل محمد عيد العريمي (بين الصحراء والماء)، فتقول: “كانت مزيجًا بين مكانين يشكلان بيئتين مُختلفتين هما الصحراء والماء، فالصحراء كبيئة مُتفردة لها طابعها البدوي المُتفرد، حيث يقول في مُفتتح حديثه عن الصحراء: “على تخوم صحراء لا تسكنها إلا الريح والخواء في الأرض والسماء”.

وتوضّح قولها: “افترش لنا الكاتب هاهنا الصحراء بلونها لون رمالها الذهبيّة، وشكلها تلالها ونجومها ومساكنها، واتساعاتها ونسمات هوائها الباردة والساخنة، ورائحة أشجارها غافها وسدرها، ونباتاتها خزاماها وثرمدها، وجِمالها وقطعان مواشيها، أصوات حداتها، وغناء طاروقها، الصحراء بشروق شمسها الحرّة وصفاء سمائها باغتسال أجرامها بماء الظلمة”.

وتبيّن في سياق حديثها: “لم يكن من باعث لكل هذا التكثيف في استحضار المكان بهالته الجماليّة إلا تلك الجمرة من الحنين التي مازالت لم تخبُ بعد بين طيّات ذاكرة الكاتب، الحنين الذي أثار الذاكرة فبعثت المكان جسدًا نابضًا وروحًا ناطقة بالجمال، والتاريخ والحكايا والفنون، فقد كانت الصحراء الامتداد المكانيّ الذي سرّب للقارئ كل جماليات بيئة الصحراء، ثم وحين انتقل من الصحراء إلى الماء قال: (عبور الخور، شكل لصبي بدوي لم يذق طعم الملح في الماء قط تجربة لا تنسى.. وسرعان ما اكتشفت أنّ البحر ليس أسماكًا ولا سفرًا فحسب، وإنما حياة كاملة)، هنا نجد غرابة المشهد ودهشته بالنسبة لصبي بدوي يرى امتداد البحر لأول مرة، بل ويخوض البحر، ويركب القارب، ويعبر الخور الذي يفصل بين الضفتين، حيث امتدّ الحديث عن البحر على امتداد صفحات الرواية الأمر الذي شحذ ذاكرة المُتلقي أولًا بالزرقة وتدافع الموج ورائحته وما تحت سطح البحر من حياة وما فوقه من حياة خفاقة كخفقان أجنحة طيور البحر وأشرعة المراكب.. إلى بيوت المدينة المصبوغة (بالنورة) وسكك الحارات التي يتسابق فيها الصغار، وحركة البيع والشراء في الأسواق وانتقال البضائع من وإلى الفرضة، لذلك يرى جيرار جينت (أن حركة الحدث الروائيّ في النص السرديّ لابد أن تنتظم ضمن منظور مكانيّ يحيط بالحدث)”.

وأضافت الحتروشية: “هذا المنظور المكانيّ هو من يسارع بالأحداث ويصفها ويضفي عليها الملامح التاريخيّة، وهكذا يركز محمد عيد في روايته السيرية بين الصحراء والماء على الكثير من المفردات باللهجة المحليّة كما أورد ذكر (المِجْدم)، وهيّ حلقة من ذهب أو فضة تعلق على صيوان إذن الصبي درءًا للعين، وفي توصيفه للون بيوت المدينة صور أنها صبغت بـ (النورة) وهيّ مادة طلاء شعبيّة بيضاء، أورد في توصيف غرف البيت ومكوناته مُفردات وأسماء محليّة كما قال: (أما المسكن فيضم: بخّارين، وسبلتين، وبنقلة تطل أبوابها على الحوش)، أما البخّار فيقصد به الغرف الداخليّة للبيت يتقدمها صف الغرف الخارجيّة المطلة على حوش الدار والتي تسمى السبلة، و(البنقلة) وهيّ غرفة صغيرة عادة ما تكون أقرب إلى فتحة قوس ومكان لتناول الطعام”.

وتؤكد الحتروشية: “هكذا تضخ المُفردات والمُسميات الكينونة إلى الجمادات، فتعجّ الحياة بين سطور الروايات، وتملأ القارئ بنهم الشغف عن البحث والتقصي للعودة إلى جماليات تلك الحياة الآفلة، فنجد أن الروايات نقلت لنا عالمًا كان حيًّا فانقضى، ووثقت لنا سيرة حياة بشر وقدر ورملٍ وحجر وبحر، فهي مرآة عاكسة لوجه تلك الحياة التي لم نرها، وعلى الأجيال الاطلاع على الروايات خاصّة تلك التي يكون المكان بطلًا محوريًّا فيها، ليكتشف تاريخًا برمّته، أحداثًا وشخوصًا وزمانًا ومكانًا، فالأدب هو ذاكرة الأجيال”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى