
حين يصبح العالم طاولة مراهنات
هيام سلوم
يُحكى أن الفيلسوف ديوجين كان يمشي في وضح النهار حاملاً مصباحاً، وحين سألوه عمّا يبحث، قال: أبحث عن إنسان صادق
ولو أنه عاش في زماننا لربما احتاج إلى مصباح لا تنطفئ بطاريته وربما إلى عدسة مكبّرة أيضاً فالسوق مزدحم بالبشر لكن العثور على إنسان لم يُعرض للبيع بات مهمة فلسفية شاقة!
لم يعد السؤال في عالمنا العجيب الغريب ماذا نملك؟
بل أصبح كم تساوي الأشياء التي نملكها؟
وكأن الحياة تحولت إلى سوق مفتوحة لا تُقاس فيها قيمة الإنسان بما يحمله من مبادئ، بل بما يستطيع أن يحققه من مكاسب ولا تُوزن فيها المواقف بميزان الضمير بل بميزان المنفعة.
لقد تسللت ثقافة الرهان إلى تفاصيل حياتنا دون أن نشعر فصرنا نراهن على العلاقات
وعلى الصداقات
وعلى الحب
وعلى المواقف السياسية والثقافية والاجتماعية. حتى الحقيقة نفسها لم تعد بمنأى عن المساومة
إذ بات لكل شخص حقيقته الخاصة ولكل جماعة روايتها، ولكل صاحب مصلحة ميزانه الذي يزن به الصواب والخطأ.
المشكلة ليست في أن يكون للإنسان طموح، أو أن يسعى إلى النجاح
المشكلة تبدأ حين يصبح النجاح غاية تبرر كل وسيلة وحين يتحول الوصول إلى القمة إلى مبرر لسحق الآخرين وحين يصبح الإنسان مستعداً للتخلي عن جزء من إنسانيته مقابل مقعد في مكان أكثر ارتفاعاً.
في هذا المناخ الموبوء، لم تعد القيم ثابتة كما نظن
فالصديق قد يصبح خصماً إذا تبدلت المصالح
والمثقف قد يتحول إلى بائع مواقف إذا وجد في ذلك مكسباً
وصاحب المبدأ قد يكتشف فجأة أن مبادئه قابلة للتفاوض عندما تقترب منه المغريات.
والمفارقة أن أكثر ما يُخيف في هذه اللعبة ليس وجود من يراهنون بل وجود من أقنعونا بأن الرهان هو القانون الطبيعي للحياة، وأن من يرفض المشاركة خاسر بالضرورة.
لقد أصبحنا أمام اقتصاد خفي لا يتداول المال وحده بل يتداول السمعة والكرامة والولاء والذاكرة وحتى المشاعر.
هناك من يشتري الصمت، ومن يبيع الكلام
ومن يستثمر في الخوف، ومن يحوّل آلام الآخرين إلى فرصة للصعود.
وهكذا لم تعد التجارة محصورة في الأسواق بل انتقلت إلى الضمائر، وصار لكل شيء سعر حتى الأشياء التي كان يُفترض أن تكون فوق التسعير.
لكن هل فقد العالم حقيقته فعلاً؟ وهل أصبح كل شيء قابلاً للبيع والشراء؟
ربما لم تختفِ الحقيقة، لكنها أصبحت محاصرة بضجيج المصالح. ولم يمت الضمير لكنه بات يعيش في عزلة، كأنه كائن غريب في مجتمع يصفّق للربح أكثر مما يصفّق للنزاهة.
فالمشكلة ليست أن الزيف موجود، بل أن الزيف بدأ يكتسب شرعية اجتماعية وأن الصادق أصبح مطالباً بإثبات صدقه
بينما يمرّ المزيف أحياناً بوصفه ناجحاً وذكياً وواقعياً.
والأخطر من ذلك أن الإنسان حين يعتاد هذا المناخ، يبدأ بممارسة الرقابة على نفسه وفق قواعد اللعبة فيخفي ما يؤمن به، ويُظهر ما يُرضي الآخرين، ويختار كلماته لا لأنها تعبّر عنه، بل لأنها تضمن له البقاء في دائرة القبول.
وهنا تحدث الخسارة الكبرى: حين لا يعود الإنسان محتاجاً إلى من يشتريه، لأنه تعلّم بنفسه كيف يبيع أجزاءه الصغيرة كل يوم.
إن المجتمعات لا تنهار فقط حين تفقد مواردها، بل حين تفقد المعايير التي تميّز بها بين القيمة والسعر، وبين النجاح والانتهازية، وبين الثقافة الحقيقية واستعراض الثقافة.
فليس كل من امتلك المعرفة مثقفاً، وليس كل من تصدّر المشهد يستحق الصدارة
حتى لو امتلك حملة إعلامية كاملة لإقناعنا بذلك
لعل المأساة الحقيقية ليست أن العالم أصبح طاولة مراهنات، بل أن بعضنا نسي أنه إنسان وراح يتعامل مع حياته كما لو أنها ورقة في لعبة لا يعرف من وضع قوانينها. ومع ذلك، يبقى هناك شيء عصيّ على البيع، إذا أحسن الإنسان حراسته: ضميره.
وأخطر أنواع الإفلاس ليس أن تخلو الجيوب من المال، بل أن يمتلئ الجيب وتفرغ الروح. ففي النهاية، قد يربح المرء العالم كله، لكنه يخسر نفسه في صفقة لم ينتبه إلى أنه كان طرفها الخاسر الوحيد.
ربما لا يزال في هذا العالم ما لا يُشترى، لكنه يحتاج إلى إنسان لم يفقد القدرة على قول «لا» حين تصبح المساومة أسهل من المبدأ. فالثروة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما نعجز عن بيعه مهما اشتدّت حاجتنا إلى النجاة.








