
العصور الوسطى في أوزبكستان.. مفترق طرق العمارة والتجارة والثقافة
أصـــداء/ وكالة أنباء أوزبكستان
عندما نفكر في السوق الشرقي في العصور الوسطى، فإننا غالبًا ما نفكر في الأكشاك الصاخبة والفوضوية والمغبرة. ومع ذلك، تُظهر المصادر التاريخية والبحوث الأثرية خطأ هذا التصور. ففي الفترة من القرن التاسع إلى الثالث عشر، نشأت ثقافة تجارية راقية في مدن ما وراء النهر الكبرى، مثل سمرقند وبخارى، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الأسواق المغطاة الرائعة المسماة “تيم”. لم تكن هذه مجرد مجمعات تجارية، بل كانت روائع معمارية فريدة، ومراكز للحياة الاجتماعية، ورموزًا لثروة المدينة وقوتها.
كانت التيم تُبنى عادةً في أكثر مناطق المدينة ازدحامًا، عند تقاطعات شوارع التسوق الرئيسية. وكانت وظيفتها الرئيسية حماية التجار والمشترين من حر الصيف القائظ وبرد الشتاء وهطول الأمطار. وكانت قمم هذه الهياكل مغطاة بقباب أو هياكل خشبية خاصة. ويصف الجغرافي العربي الشهير المقدسي، الذي عاش في القرن العاشر، بإعجاب خاص جمال وروعة التيم في شوش (طشقند) وإسفيجاب. ووفقًا له، فإنهم إذا أرادوا بناء سوق جميل، فإنهم كانوا يزينون جدرانه بأنماط، ويطلونها بالجير، ويغطون أسقفها بأغطية خاصة. وهذا يدل على أن أسلافنا تعاملوا مع تشييد المباني التجارية، حتى التجارية منها، بذوق فني رفيع ونظرة جمالية.
كان أحد أشهر أسواق سمرقند، ويُدعى “سوق سمرقند السغدياني”، يضم ساحة سوق في وسطها “كورسو” (ساحة السوق)، مُغطاة بسقف مُقبب. وتقع متاجر متخصصة في التجارة والحرف اليدوية في الشوارع الكبيرة والصغيرة المُتفرعة من “كورسو”. وقد ساهم هذا الهيكل المركزي المُنظم في تسهيل التجارة.
كانت قاعات التداول داخل الفرق خاضعة لتنظيم صارم. خُصصت صفوف منفصلة لكل نوع من المنتجات. سُميت هذه القاعدة “تخصص السوق”، وسمحت للمشترين بالعثور على البضائع التي يحتاجونها بسهولة. ومن اللافت للنظر أن بيع المنسوجات، التي كانت تُعتبر أغلى السلع وأكثرها حساسية، كان يُجرى دائمًا في الجزء المركزي والأجمل والأكثر أمانًا من الفريق. وهذا يدل على وجود تسلسل هرمي اقتصادي واجتماعي في الهيكل الداخلي للفرق.
أُوليَتْ الأسواقُ اهتمامٌ بالغٌ بنظافتها، فكانت أرضياتها تُفرش بالحجر أو الطوب المحروق، وتُنظَّف باستمرار. وقد كتبَ مؤلِّفو العصور الوسطى الكثيرَ عن هذا الموضوع. على سبيل المثال، وصفَ الإصطخري (850-934) أسواقَ مرو بأنها “الأنظف”، ووصفَ المقدسي أسواقَ خوارزم بأنها مزدهرةٌ تعجُّ بالتجارة، وهو دليلٌ واضحٌ على رأينا. وبالطبع، كان لخدماتِ المحاسبين، المسؤولين عن نظافة المدينة، أهميةٌ بالغةٌ في تحقيق هذا المستوى الرفيع من النظافة.
وهكذا، تُعدّ التيمس والشارسو في موفارونهر مثالاً بارزاً على ثقافة التخطيط الحضري في العصور الوسطى. فهي ليست مركزاً اقتصادياً فحسب، بل تُجسّد أيضاً جمالاً معمارياً ونظاماً اجتماعياً وثقافة صحية رفيعة. تُظهر هذه الأبنية مدى إبداع أسلافنا وروح ريادة الأعمال واهتمامهم بالجمال. وتُعدّ قباب التجارة المحفوظة اليوم في بخارى وسمرقند صدىً ساطعاً لعمارة تلك الحقبة العظيمة التي وصلت إلينا.














