ثقافة وأدب

البادلة.. رمز للهوية وامتداد للتراث العُماني

أصـــداء /العُمانية

تُعد «البادلة» إحدى الزخارف المميزة في الزي التقليدي لمحافظة الظاهرة، إذ تشكل عنصرًا جماليًا وجزءًا أصيلًا يعكس عمق الهوية التراثية، وتعبّر عن ذوق المجتمع وإبداع المرأة العُمانية، حيث تبرز الحرفية مرهونة بنت راشد العزيزية في حياكة البادلة، مُظهِرةً الفن التقليدي في أعمالها المستوحاة من الطبيعة العُمانية والنقوش الإسلامية.

وقالت العزيزية في حديث لوكالة الأنباء العُمانية: «تشكلت البادلة عبر الزمن كونها جزءًا من الحياة اليومية إلى أن أصبحت رمزًا للهوية، فقد بدأ استخدامها كزخرفة لتزيين اللباس الذي تلبسه النساء في المناسبات الرسمية كالأعياد والأفراح، كما ارتبط ارتداؤها بالنساء اللاتي لهن مكانة اجتماعية عالية، ومع مرور الزمن وكثرة الاعتماد عليها وتطور وتداخل العادات وندرة الأعمال اليدوية وتميزها، تجاوزت البادلة من كونها جزءًا جماليًا إلى أن أصبحت مظهر اعتزاز يعكس الهوية الثقافية للمجتمع، كما ساهم توارث حياكتها يدويًا عبر الأجيال في ترسيخ الانتماء، إذ ظل حضورها يعبّر عن الاعتزاز بالموروث، مما جعلها مرتبطة بقيم المجتمع وثقافته، ومعبّرة عن ذائقته».

وحول بدايتها في ممارسة هذه الحرفة، أشارت إلى أنها بدأت منذ الرابعة عشرة من عمرها، معرّفةً إياها بأنها مزيج من الخيوط الملوّنة أو المعدنية على هيئة زخارف وتطريزات تُزيَّن بها أجزاء مختلفة من اللباس التقليدي لتضفي عليه دلالات رمزية، متطلبةً مهارة يدوية عالية.

وتطرقت في حديثها إلى شكلها الظاهر، موضحةً أن البادلة تُعد صورة بصرية تُكتب مفرداتها بالخيوط القطنية والمعدنية، وبطريقة صياغة الخيوط والتفافها ببعضها؛ فهي تقدم تعبيرًا مرئيًا يمكن فهمه بصورة واضحة، كالغرز الواسعة التي تعبّر عن بساطة الحياة، بجانب الغرز المتقاربة التي توحي بالتركيز. ويتم استخدام الخيوط القطنية الملوّنة لصلابتها وقدرتها على البقاء لفترة أطول، بما يقارب 40 خيطًا قطنيًا، حيث تؤخذ الخيوط القطنية ذات الألوان الرسمية، والتي تُعد أكثر وضوحًا لإبراز الغرز كاللون الأحمر والأبيض والأسود. أما بالنسبة للخيط المعدني، فعادةً ما يُستخدم خيط الفضة الذي ارتبط معناه بفخامة التطريز، حيث يتم استخدام ما يقارب 14 خيطًا من الفضة، يتخلل الخيوط القطنية ويعطيها قيمة عالية ويشكّل عنصر الجذب، لقدرته على لفت الانتباه بلمعانه ولونه المميزين، وهو يرمز إلى النور والضوء تعبيرًا عن الأمل والبهجة، ويعكس البيئة العُمانية ويعزز مفهوم الأصالة كونه مادة لا تفقد بريقها على مرّ الزمن.

وأضافت أن حجم وكثافة تطريز البادلة يختلف باختلاف الطلب، ويوحي عادةً بثراء المرأة ومكانتها الاجتماعية، فكلما زاد الحجم دلّ على ثراء المرأة وعلو مكانتها، ويكون ارتداؤها مخصصًا للمناسبات الكبرى، ليتم ترتيبها بشكل متوازن ومتناسق، معتمدةً على تنوّع الخيوط وكثافتها وتجمعها الطبقي.

وأكدت العزيزية أن المرأة العُمانية لها دورها التاريخي العميق في نقل الموروثات وحفظها وتبادلها بين الأجيال بإيقاعها التقليدي القديم، وبهذه الطريقة فهي تحفظ وتترجم تجربة المجتمع وتعايشه، وتعيد في كل مرة إنتاج دلالات اجتماعية، بجانب أنها تحكي قيم المجتمع العُماني كالصبر في إنتاج قطعة تستمر وقتًا طويلًا، والتركيز والعمل على تفاصيل تستمر لأكثر من شهرين.

كما أشارت إلى أن البادلة تعكس الفكر الجمالي للمجتمع من خلال التوازن الواضح فيها وتناسق الألوان والتكرار المنتظم، وأن تطبيق هذه الحرفة يستغرق حوالي شهرين للقطعة الواحدة من اللباس، ويُعد دلالة واضحة على القيمة الفنية التي تمتاز بها، وما تتطلبه من دقة في الإنجاز وجهد يدوي متواصل لتشكيلها.

وفيما يتعلق بأبرز التحديات التي تواجهها، فقد أوضحت أن محدودية توافر المواد المستخدمة وتكاليفها تشكّل تحديًا للحرفيات، الأمر الذي يسهم في اللجوء إلى خامات أقل جودة، والذي بدوره يهدد أصالة الحرفة. كما أن التوعية بأهمية الموروث الحرفي ما زالت تحتاج إلى عناية كبيرة، مما يجعل البعض يتعامل معها وكأنها قطعة زينة، والذي بشأنه يهدد معناها كحامل للثقافة. وإن مثل هذه الحرف بحاجة إلى تفعيل دورات تسهم في تناقلها إلى الأجيال القادمة وتعريفهم بها، فقلة النساء المتعلمات والممارسات لهذه الحرفة بالتأكيد يسهم في اندثارها. من هنا تبرز الحاجة إلى إقامة ورش تعليمية، والمساهمة في توفير الخامات التي من شأنها الحفاظ على جودة وأصالة البادلة، وبتكاليف مدعومة.

وفيما يخص الدلالات والرموز التي تعكسها هذه الحرفة، أوضحت أن نقوش البادلة ترتبط بالهوية والانتماء والعناصر الطبيعية التي تعايش معها الإنسان العُماني، كالجبال التي يتم التعبير عنها بالخطوط المتعرجة، وتدل على أن الإنسان العُماني حول تعايشه مع الجبال من الطبيعة إلى نقوش تبرز القوة والثبات، بالإضافة إلى النخيل والمسميات المستعارة منه «الخوص»، الاسم الذي يُطلق على خيوط الفضة، وكذلك مظهر التنسيق الذي يتشابه إلى حد كبير مع أجزاء النخلة، والتي تدل على استمرارية العطاء، ويكشف عن علاقة المجتمع بالنخيل وعطاءه المستمد.

وفيما يتعلق بالنقوش المستمدة من العمارة الإسلامية، ففي حياكة البادلة تظهر وحدات زخرفية معمارية كالأعمدة والأنماط المتكررة، وكذلك ما يُعرف بـ«البيت»، وهو الجزء الأوسط من البادلة الذي يحمل النقشة الأساسية، والأبراج التي تظهر على حافة التصميم، حيث تبرز هذه الرموز تعايش الإنسان العُماني مع مكونات الحياة، وتحويلها إلى حياة نابضة تُصاغ على شكل زخارف وتحمل دلالاتها في اللباس الذي يرتديه، معبرة عن تقديره للانضباط وتمسّكه ببيئته.

وبيّنت العزيزية أن البادلة قادرة على التكيف مع الأزياء الحديثة، بحيث يتم تقديم صورة الماضي بما يتناسب مع الحاضر، من خلال تشكيل البادلة بإيقاعها الهندسي واستمرارية تنفيذها يدويًا مع تغيير موضعها التقليدي، ليتم تطبيقها في الملابس الحديثة والعباية بطريقة عصرية تتناسب مع الأجيال الحديثة، وتغيير ألوانها بألوان جديدة تتناسب مع الذوق الحديث، والتغير في حجمها مع المحافظة على الدقة، وذلك من أجل الحفاظ عليها وتناقلها بين الأجيال بما يتناسب مع أذواقهم ويلامس حياتهم، وجعلها هوية معاشة.

وأشارت إلى أن حرفة البادلة لا تقتصر على الناحية الجمالية، بل تتعدى لتحمل قيمة تراثية، فهي تعكس مهارة الحرفيين القدماء وقدرتهم على الإبداع بالخامات الموجودة، وحرصهم على الحفاظ على التراث رغم اختلاف وتطور الأزياء الحديثة، كونه رمزًا من رموز الثقافة العُمانية الأصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى