ثقافة وأدب

المخرج عاهد عبابنة: المسرح في سلطنة عُمان رحلة بين مرويات التراث وإبداع المستقبل

أصـــداء /العُمانية

المسرح عند الفنان الإيطالي عاهد عبابنة ليس مجرد خشبة أو أضواء، بل هو فضاء يشخّص فيه الإنسان ويعاد تشكيل واقعه وملامحه عبر لغة تتجاوز الكلام، فعبابنة عادةً ما يجمع بين تعبيرات الجسد وفنون المسرح التجريبية، ويحمل تجربته العالمية التي تمتد من أزقة المسرح الإيطالي العريق إلى فضاءات سلطنة عُمان الرحبة. في هذا الحوار يقترب من الحديث عن حقيقة الصمت وبلاغة الحركة التي تميز عمله المسرحي.

يتحدث الفنان والمسرحي عاهد عبابنة عن تجربته المسرحية في سلطنة عُمان، مشيرًا إلى أنها انطلقت مع فرقة مسرح هواة الخشبة منذ أكثر من سبع سنوات تقريبًا، حيث تم تنظيم حلقتين متخصصتين بإشراف الفرقة؛ خُصصت الأولى للسايكودراما، أو ما يطلق عليها الدراما النفسية، وهي أسلوب يستخدم التمثيل والحركة ولعب الأدوار للتعبير عن المشاعر والأفكار الداخلية بدل الاكتفاء بالكلام، بينما ركزت الثانية على استلهام الفلكلور العُماني وتوظيفه في العرض المسرحي.

ويضيف: لهذا تأتي قراءتي للمشهد المسرحي في سلطنة عُمان ليست مجرد رصد لواقع، بل هي استشراف لـ “نهضة جمالية” تتشكل ملامحها في رحم بيئة ثقافية تتسم بالعمق والرسوخ. ما يميز هذه التجربة هو ذلك التمازج الفريد بين الأصالة التراثية والطموح الحداثي؛ فالبنية الثقافية العُمانية غنية بـ “المرويات البصرية والطقوس الأدائية” التي تمنح المسرحي مادَّة خامًا لا تنضب من الرموز والدلالات.

وأضاف: المسرح العُماني اليوم يعيش حالة من المخاض الإبداعي الجميل، حيث تتضافر الجهود المؤسسية مع شغف الفرق الأهلية والجامعية لإيجاد فضاء مسرحي يتسم بالديناميكية، أي الحركة والتفاعل والتغيّر المستمر. أما عن تفاعل الجمهور، فإننا نتحدث عن “متلقٍ شريك”، فالجمهور العُماني يمتلك ذائقة رفيعة وحسًّا نقديًّا فطريًّا، لا يبحث عن التسلية العابرة بقدر ما يبحث عن “الدهشة المعرفية” والاشتباك الوجداني مع العرض، وهذا الجمهور هو الوقود الحقيقي لأي عملية تطوير. وفيما يخص فرص التطوير الفني، أرى أن سلطنة عُمان تمتلك كل المقومات لتكون “قطبًا مسرحيًّا” على الخارطة العربية والدَّوْلية، والتطوير هذا لا يعني استيراد القوالب الجاهزة، بل “تبيئة” المناهج العالمية وصهرها في بوتقة الخصوصية العمانية. نحن بحاجة إلى تكريس مفهوم “المسرح المختبري” الذي يركز على جودة التكوين الفني للكوادر الشابة، والارتقاء بالدراماتورجيا، والتي هي في حقيقتها علم وفن بناء العمل المسرحي من الداخل، أي تنظيم الفكرة والحدث والشخصيات والإيقاع لتكون قادرة على صياغة خطاب إنساني كوني ينطلق من الخصوصية المحلية ليحلق في فضاء العالمية، فالمسرح العُماني، بصدقه وعمقه، هو “سفير فوق العادة” للثقافة العُمانية في المحافل العربية والدولية.

ويتطرق المخرج عاهد عبابنة إلى المسرح بوصفه فضاءً إنسانيًّا جامعًا، ويشير إلى أن المسرح هو الفضاء الذي يتسع للجميع دون إقصاء، والذي تتحطم فيه جدران العزلة لتولد قيم الشمول والاندماج.

وقال: عندما نتحدث عن مسرح ذوي الاحتياجات الخاصة، على سبيل المثال لا الحصر، فإننا لا نتحدث عن فعل خيري أو “نشاط تأهيلي”، بل نتحدث عن فعل إبداعي ضروري يعيد تعريف مفهوم الإنسانية والجمال، فهو خير مثال على فعل المقاومة الثقافية الذي يكسر حواجز الصمت. هذا النوع من المسرح يرسخ قيم الاندماج من خلال تحويل “الاختلاف” إلى “قيمة جمالية مضافة”، حيث يقدم لغة بصرية غير مألوفة تعتمد على طاقات جسدية ونفسية استثنائية، ما يثري “سيمياء الخشبة” ويفتح آفاقًا جديدة للتعبير الحركي بعيدًا عن المعايير الكلاسيكية للجمال. كما أن هناك شحنة صدق هائلة في أداء هؤلاء الفنانين، تجعل العرض المسرحي يتحول من مجرد تمثيل إلى شهادة وجودية، وهذا الصدق يعيد للمسرح وظيفته الأولى كفعل تطهيري يمس جوهر الروح فكريًّا، فالمسرح يطرح تساؤلات عميقة حول “الكمال” و”العجز”، ويؤكد أن الإعاقة الحقيقية هي “إعاقة الخيال” و”عجز الروح” عن التواصل، ما يمنح المشهد العام بعدًا أخلاقيًّا وجماليًّا يجعل من المسرح “ملاذًا للعدالة الإنسانية”.

ويشير عبابنة إلى تجربة أخرى قدمها في سلطنة عُمان، وأشار إليها بجماليات مسرح الصم ولغته البصرية، قائلاً: تشرفتُ باختياري من فرقة مسرح عُمان للصم لإخراج مسرحية “الصراع”. كان هذا العمل بالنسبة لي رحلةً إنسانيةً في دهاليز الروح، ومحاولةً لملامسة تلك اللحظة الخفية التي يقف فيها الإنسان عاريًا أمام ذاته، وهو يواجه أسئلته الكبرى بين الانكسار والقدرة على النهوض. ففي مسرح الصم، ننتقل من “ديكتاتورية الكلمة” إلى “ديمقراطية الجسد”، فالخصوصية الفنية هنا تكمن في بلاغة الصمت، حيث يتحول الصمت من غياب للصوت إلى “امتلاء بالمعنى”. إنها تجربة تعيد الاعتبار للغة البصرية بوصفها اللغة الأم للإنسان، ما يمنح هذا المسرح خصوصيته؛ فالممثل الأصم لا يتحرك فحسب، بل ينحت مشاعره في الفراغ المسرحي، فالجسد هنا هو “النص” و”الموسيقى” و”الإيقاع”، وكل إيماءة هي كلمة مرئية مشحونة بدلالات نفسية عميقة، ما يوجد “شعرية جسدية” تتجاوز حدود اللغات المنطوقة.

وأضاف: العرض المسرحي يُبنى على السينوغرافيا الحسية، حيث تصبح العناصر البصرية كالإضاءة والظلال والألوان هي “الأصوات” التي يسمعها الجمهور بعينيه، والإيقاع لا يُسمع بالأذن، بل يُحس بالجسد عبر الاهتزازات والترددات، ما يوجد تجربة “غمر حسي” فريدة. أما عن أثر هذه التجربة على الممثل والمخرج، فهي بمثابة “انفجار معرفي”، فالمخرج الذي يتعامل مع الصم يضطر لتطوير أدواته الإخراجية ليعتمد على “الرؤية التشكيلية” و”الدراماتورجيا البصرية”، أي بناء العرض المسرحي عبر الصورة قبل الكلمة، ما يجعله أكثر قدرة على صياغة عروض كونية، وبالنسبة للممثل، فإنها تمنحه “وعيًا جسديًّا فائقًا”، حيث يتعلم كيف يجعل من كل عضلة في جسده أداة للتعبير، وكيف يحرر طاقاته الداخلية عبر “السايكودراما”، ليصبح “ممثلاً كليًّا” قادرًا على التواصل مع أي جمهور في العالم دون الحاجة لمترجم.

ويشير عبابنة إلى علاقة المسرح بالقضايا الاجتماعية والثقافية، مؤكّدًا أن المسرح هو “المشرحة الجمالية” التي نفحص فيها أوجاع المجتمع وآماله، وقدرته على مقاربة القضايا المعاصرة التي تنبع من كونه “فنًّا حيًّا” يشتبك مع اللحظة الراهنة بكل تعقيداتها. لكن المسرح الحقيقي هو الذي يرفض أن يكون “منشورًا سياسيًا” أو “وعظًا اجتماعيًا مباشرًا”، فالمباشرة هي مقتل الفن. إن المعايير التي تجعل العرض خطابًا فنيًّا مؤثرًا وبعيدًا عن المباشرة تتمثل في تحويل القضية الاجتماعية من واقعها الفج إلى “بنية رمزية” تحتمل التأويل، فالمسرح لا يعطي حلولًا، بل يضيء المناطق الرمادية ويثير الأسئلة القلقة. هذا يتطلب الاعتماد على “الصورة المسرحية” المكثفة التي تخاطب الوجدان واللاوعي قبل العقل. فعندما نعالج قضية “الجشع” مثلاً، فإننا لا نتحدث عنه لفظيًا، بل نجسده كنار تلتهم الفضاء عبر حركة الأجساد وتوتر الإضاءة. العرض الناجح هو “نص مفتوح” يسمح لكل متلقٍ بأن يجد فيه جزءًا من حقيقته الخاصة، وهذا التعدد في القراءة هو ما يمنح المسرح ديمومته وتأثيره العابر للزمان والمكان. والأهم من ذلك أن الجمال هو الحامل الوحيد للرسالة، فالالتزام بالمنهج العلمي في بناء العرض يضمن أن تصل القضية الإنسانية في قالب فني مبهر يحترم وعي المتلقي ويرتقي بذائقته.

وعندما يقترب من الأسس العلمية والمنهجية في العمل المسرحي، يقول عبابنة: العمل المسرحي دون منهج علمي هو “تخبط في العتمة”، فالمسرح هو “هندسة للروح” و”معمار للجمال”، وهذا يتطلب دقة وصرامة منهجية تضاهي العلوم الطبيعية، والالتزام بالمنهج هو الضمانة الوحيدة لتحويل “الموهبة الخام” إلى “إبداع محترف”. في مجال الإخراج، يعني المنهج العلمي امتلاك “رؤية كلية” تستند إلى تحليل دراماتورجي عميق، أو بمعنى التفكير لا في تمثيله، وفهم سلوك الجماهير، وقدرة على إدارة “كتلة الفضاء” و”زمن العرض”، فالمخرج هو قائد أوركسترا بصرية يجب أن يعرف بدقة وظيفة كل نوتة جمالية يضعها على الخشبة. وفي التمثيل، يتجلى المنهج في تطبيق تقنيات مدارس التمثيل الكبرى بشكل واعٍ ومدروس، فالمنهج هو الذي يحمي الممثل من “النمطية” و”الافتعال”، ويجعله رياضي الروح يمتلك سيطرة كاملة على أدواته. أما في الدراماتورجيا، والمتمثلة في تنظيم وبناء العمل المسرحي، فالمنهج العلمي هو الذي يضمن بناء هيكل درامي متماسك، وتطور منطقي للصراع، وتوازنًا بين الشكل والمضمون.

وأشار إلى أن انعكاس المنهجية على جودة العروض يكون جذريًا، حيث يصبح العرض المنهجي أكثر وضوحًا في رسالته وأعمق تأثيرًا، لأن كل عنصر فيه تم اختياره لخدمة هدف محدد، كما يرفع المنهج العلمي من مستوى الاحترافية ويجعل العرض قادرًا على المنافسة في المحافل الدولية، لأنه يستند إلى أسس فنية عالمية، وهذا الالتزام احترام لذكاء الجمهور ووقته، ما يعزز ثقته في المسرح كفن جاد.

ويذهب عبابنة إلى المسرح الإيطالي وتجربته الجمالية، حيث يشير إلى العلاقة بينهما قائلاً: علاقتي بالمسرح الإيطالي هي علاقة “تلمذة مستمرة” و”عشق جمالي” لا ينتهي، فإيطاليا متحف مسرحي مفتوح علمني أن المسرح هو “احتفال بالحياة” حتى في أكثر لحظاتها مأساوية. إن أبرز ملامح تميز المسرح الإيطالي تكمن في “أنطولوجيا الجسد والأقنعة”، أو بمعنى آخر البحث في ماهية الأشياء وطبيعتها وأصل وجودها، فجذوره الضاربة في كوميديا “ديلارتي” علمت العالم كيف يكون الجسد ناطقًا خلف القناع، وهذا الإرث منح الأداء الإيطالي طابعًا “حركيًّا انفجاريًّا يجمع بين المهارة البهلوانية والعمق النفسي”. كما يتميز المسرح الإيطالي في بناء الفضاء بمعمارية الخيال، حيث يبرع الإيطاليون في إيجاد “سينوغرافيا تشكيلية” مذهلة، فالفضاء المسرحي الإيطالي هو فضاء درامي بامتياز، يتم فيه التلاعب بالمنظور والضوء لإيجاد عوالم سحرية تتأرجح بين الواقع والحلم. وعند مقارنته بالمدارس الأخرى، نجد أنه بينما تميل المدرسة الروسية إلى “الواقعية النفسية” الداخلية، يميل المسرح الإيطالي أكثر نحو “الخارج التعبيري” والاحتفالية البصرية. أما مقارنة بالمسرح العربي، فيقدم النموذج الإيطالي درسًا في كيفية تحويل “الموروث الشعبي” إلى “فن” عالمي رفيع المستوى عبر المنهجية العلمية، فالمسرح الإيطالي هو “مسرح الروح المتوسطية” التي تشبهنا في حرارتها واندفاعها، لكنه يتفوق في قدرته على “ضبط هذا الاندفاع” داخل قوالب جمالية صارمة ومبهرة.

ويشير عبابنة إلى التفاعل بين المسرح العربي والتجارب العالمية، موضحًا أن التفاعل مع التجارب العالمية هو “توافق ثقافي” ضروري لضمان حيوية المسرح العربي، لكن الاستفادة الحقيقية لا تكمن في “الاستنساخ”، بل في “التمثل” و”إعادة الإنتاج”. فنحن بحاجة إلى حوار “ند للند” مع المسرح العالمي. وتتمثل آليات الاستفادة المثلى في ضرورة توطين المناهج؛ فلا يكفي أن نقرأ عن المدارس العالمية، بل يجب أن “نختبر” مناهجهم في مختبراتنا المسرحية العربية، لنرى كيف يمكن لتقنياتهم أن تخدم “قضايانا” و”أجسادنا” العربية. كما يجب الاستفادة من التقنيات العالمية في السينوغرافيا والوسائط المتعددة لتعزيز “عالمية” الخطاب المسرحي العربي، وجعله قادرًا على اختراق الحواجز اللغوية ليصبح المسرح العربي جسرًا كونيًّا. أما الحفاظ على الخصوصية، فهو لا يعني “سجنًا تراثيًّا”، بل “هُوية متجددة”، نحافظ عليها من خلال الدراماتورجيا المحلية، والتي هي في حقيقتها طريقة ترتيب الحكاية والشخصيات عبر المشاهد على الخشبة التي تستنطق الذاكرة الشعبية العربية والأساطير والواقع الاجتماعي المعقد، وصياغتها في قوالب مسرحية حديثة. كما يجب البحث عن “إيقاعنا الخاص” في الحركة والكلام والموسيقى ودمجه مع المناهج العالمية، فالخصوصية تكمن في “الروح” التي تسكن العرض، بينما المنهج هو “الجسد” الذي يحمل هذه الروح. والمسرح العربي الناجح هو الذي يجعلك تشعر برائحة الأرض العربية حتى وهو يستخدم أحدث التقنيات العالمية.

ويقف المخرج عاهد عبابنة عند مسرح الطفل في الوطن العربي، مشيرًا إلى أن مسرح الطفل هو “الحديقة المنسية” التي تحتاج إلى رعاية فائقة، فالواقع الحالي، مع الأسف، يغلب عليه “الاستسهال” و”التربوي المباشر” الذي ينفر الطفل. ونحن بحاجة إلى الانتقال من “مسرح التلقين” إلى “مسرح التمكين والخيال”. إن الدور الجوهري لمسرح الطفل يتمثل في صناعة الوعي الجمالي، فهو أول نافذة يطل منها الطفل على الفن، ودوره تهذيب الوجدان وزرع بذور التذوق الجمالي والقيم الإنسانية العليا مثل التسامح والحرية. كما أنه يمثل مختبر الشخصية، فمن خلال المسرح يتعلم الطفل كيف يعبر عن نفسه، وكيف يتواصل مع الآخرين، وكيف يواجه مشكلاته الاجتماعية عبر “اللعب الدرامي” والتمثيل. أما آفاق التطوير المستقبلي، فتتطلب أولاً الدراماتورجيا الذكية، أي كتابة نصوص تحترم ذكاء الطفل المعاصر، طفل التكنولوجيا، وتخاطب خياله الجامح بعيدًا عن المواعظ التقليدية. ثانيًا يجب تشجيع مسرح “الطفل الصانع”، أي إشراك الأطفال في عملية الإبداع المسرحي، وليس فقط كمتفرجين. ثالثًا، يجب أن تكون الاحترافية العالية هي المعيار، فمسرح الطفل يجب أن يكون “الأغلى” و”الأكثر إبهارًا” من حيث الإنتاج، لأننا نبني فيه “ذاكرة بصرية لجيل كامل”. فتطوير مسرح الطفل هو فعل سيادي بامتياز، لأنه استثمار في العقل العربي القادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى