
بيت بهلا التراثي.. مبادرة توثق الموروث العُماني وتعزز السياحة الثقافية
أصـــداء/ العمانية
تواصل المبادرات الفردية في سلطنة عُمان إسهامها في صون الموروث الثقافي وإبراز الهوية الوطنية، بضرورة المحافظة على التراث العُماني بوصفه جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع ومصدرًا مهمًا لتعزيز السياحة الثقافية.
وتبرز ولاية بهلا بمحافظة الداخلية كإحدى الولايات الغنية بالإرث الحضاري العريق، بما تحويه من معالم تاريخية بارزة في مقدمتها قلعة بهلا وسورها التاريخي وحصن جبرين، إلى جانب حاراتها القديمة وأفلاجها ومزارعها التي تعكس عمق التاريخ العُماني.
ومن هذه المبادرات “بيت بهلا التراثي” والمشرف عليه عبدالله بن ناصر القصابي بهدف تجسيد ملامح الحياة العُمانية القديمة وتوثق تفاصيلها المعمارية والاجتماعية، في مشروع ثقافي وسياحي تحول إلى مقصد للزوار والمهتمين بالتراث.

وأوضح القصابي في حديث لوكالة الأنباء العُمانية أن فكرة إنشاء بيت بهلا التراثي جاءت بدافع شخصي نابع من شغفه بالموروث الشعبي وحرصه على توثيق تفاصيل الحياة العُمانية التقليدية التي عاشها الآباء والأجداد، مبينًا أن الاستثمار في التراث يمثل فرصة واعدة تجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية وتحقيق عائد اقتصادي مستدام، بخلاف بعض المشاريع التجارية التقليدية التي قد تفتقر إلى البعد الثقافي.
وبيّن أن المبنى عبارة عن منزل تقليدي جرى ترميمه وتأهيله ليكون متحفًا تراثيًا وفق الطراز المعماري القديم للمنطقة، مع المحافظة على العناصر الأصلية في البناء مثل الأسقف الخشبية والأبواب المنقوشة والجدران الطينية.

وأضاف أن أعمال الترميم والتأهيل استغرقت نحو عامين، واجه خلالها عددًا من التحديات تمثلت في توفير المواد التقليدية وارتفاع تكاليف الترميم، إضافة إلى صعوبة الحصول على بعض القطع التراثية النادرة.
وأشار إلى أن البيت يضم أكثر من ألفي قطعة تراثية متنوعة جُمعت على مدى نحو عشرين عامًا من أهالي ولاية بهلا وعدد من ولايات سلطنة عُمان، وتشمل مقتنيات فضية قديمة وجرارًا وخروسًا فخارية وسيوفًا وأسلحة تقليدية، إلى جانب مخطوطات وكتب تاريخية توثق حضارة عُمان، فضلًا عن أدوات منزلية وزراعية تقليدية مثل أدوات الحراثة والأدوات النحاسية والحلي الفضية والعملات القديمة والملابس التقليدية، إضافة إلى أدوات مدرسية قديمة وصور توثق مراحل مختلفة من الحياة الاجتماعية في الولاية.

وأضاف أن أقدم المعروضات في البيت يتجاوز عمرها 500 عام، ومن بينها بعض السيوف والجرار الفخارية والمخطوطات التي كتبت بخط اليد، مشيرًا إلى أن جميع القطع تخضع لآليات حفظ دقيقة من حيث التحكم في درجات الحرارة والرطوبة، مع توثيق معلوماتها التاريخية بالتعاون مع باحثين ومهتمين بالتراث، إلى جانب الاستعانة بروايات كبار السن في الولاية لتعزيز مصداقية المعلومات المرتبطة بهذه المقتنيات.
وأوضح القصابي أن البيت لا يقتصر على عرض المقتنيات التراثية فحسب، بل يضم أيضًا ركنًا خاصًا بالحرف العُمانية التقليدية، نظرًا لخبرته السابقة كمدرب حرفي في الهيئة العامة للصناعات الحرفية، حيث يحتوي على نماذج لعدد من الحرف مثل صناعة السعفيات والفخاريات والنسيج وغيرها من الحرف اليدوية التي تم اقتناؤها من حرفيين من مختلف ولايات سلطنة عُمان.
وأشار إلى أن البيت ينظم بشكل دوري ورشًا تدريبية للحرفيين والباحثين عن العمل بهدف إكسابهم مهارات في الحرف اليدوية، إلى جانب تنظيم ورش تفاعلية لطلبة المدارس ومؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك جمعيات المرأة العُمانية ومراكز الوفاء لتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة.
وأوضح أن عدد المشاركين في هذه الورش تجاوز في بعض السنوات 1700 طالب وطالبة، في إطار جهود تطوعية تهدف إلى استثمار أوقات الفراغ وتنمية المهارات الحرفية لدى النشء.
وبيّن أن المشروع يستهدف شريحة واسعة من الزوار تشمل السياح الأجانب والوفود الطلابية والباحثين في مجال التراث، موضحًا أن البيت يستقبل سنويًا ما يقارب ثلاثة آلاف زائر من جنسيات مختلفة، من بينها دول أوروبية وآسيوية، إلى جانب الزوار من داخل سلطنة عُمان.
وذكر أن البيت يقدم للزوار تجربة تفاعلية تعكس نمط الحياة العُمانية التقليدية، حيث يتم تقديم القهوة العُمانية واللبان، إلى جانب استعراض بعض الحرف التقليدية والملابس التراثية والأدوات الزراعية القديمة، بما يتيح للزائر التعرف عن قرب على تفاصيل الحياة الاجتماعية والمهنية في الماضي.
وأكد القصابي أن المشروع أسهم في توفير فرص عمل مباشرة لعدد من الشباب، إضافة إلى دعمه لأكثر من 60 أسرة منتجة تقوم بتزويد البيت بمنتجات تقليدية متنوعة مثل الحرف اليدوية والبخور والمقطرات العطرية كـماء الورد وماء اللبان وغيرها من المنتجات التي تشتهر بها بعض المناطق، فضلًا عن منتجات طلاب المدارس من الأعمال الحرفية اليدوية.














