ثقافة وأدب

حزني قد يشبه أحزانك ..!

حسين الذكر

 

الخوف يتقمص الإنسان ويلاصق الجدران ، الخطايا تدور بأرجاء المدينة ، تدخل الأزقة والبيوت ، النيام تزاحموا على الأرصفة حتى غص بهم النهار ثم غفى . من أنينهم صحا الليل ساهرا ، يلوذ بنفسه ضاجا بشكواهم ، حتى عشي البصر وانطبقت الجفون وبكى الحجر ، وانطفأ لهيب المشاعر بالنفوس وجفت ينابيع العشق بالقلوب وأمست وافرة الظلال مقفرة ، بعد ان كانت مترعة وأبوابها للحب والعيش مشرعة وحلقت بعيدا عنها الطيور ، تحمل بين طياتها الأماني الصغيرة والكبيرة وتخلف ورائها رميما ودمن ، كأنها بقايا غابات التهمتها النيران ويغطيها موج متلاطم الهموم ، يمتد من أفق الأنين حتى سراب المشيب ، ثم تلاشت الصور الجميلة من أمامي وخلفي بوجودي وفنائي ، حتى صعب على عيني ان تدرك الضوء في وضح النهار ، وتهادي جسمي المنهوك يرزح تحت رأس مخمور ، مثقل بالهموم الجاثمة والأماني الضالة ، عندها قررت الرحيل ، ( ساحلا ) عربتي المحطة ،راميا بها على سكة المجهول ، أتخبط في بحر الضياع ، ابحث عن شيء لم أجده بين الأشياء ، فرحت أتلمسه بعالم اللاشيء ، لعلي اروي عروقا قتلها الضما ، فخرجت منبوذا تحاصرني العاديات تطاردني الأحلام ، سمائي ملبدة بكتل سوداء مشبعة بآهات تسمو فوق الخرائب والأنقاض تخنق داخل أروقة وباحات القصور ، تهطل ألما وربما أملا على رؤوس المتسولين.

رشقات المطر تنساب على الوجنات المخدشة تبلل الشفاه اليابسة ، دفقات الرياح الباردة تلسع الأوراق الخضراء فتسقطها شاحبة تعانق الثرى ، أما نغمات بعض الأصوات المألوفة فكانت تطاردني اسرع من الريح ، تذوب ملحا يسبر غور جرحي وينقض على مسامعي حنينا وشجنا .

بينما كانت الشمس في طريقها تغط نائمة في لجة ذلك البحر البعيد ، حطت الحمائم تحضن أفراخها واختبأت الأرانب في جحورها مذعورة وظلت الحقول موحشة ، بعد ان عادت المراعي أدراجها .. وعلى اثري تجمهرت مجاميع الكلاب ، تلاحق الشبح .. يشق نباحها الظلام .. هل جاءت تمزقني لتزيح الغم من على وجه الأديم الأخضر ، ام نه نباح يواسي من لا نحيب ولا صراخ خلف جنازته ؟.

على جادة الطريق ، تل مقفر ، تتجلى عليه صفرة خافتة هي آخر ما تبقى من اثر للشمس قبل الغروب ، اعتلى قمته ذئب يمد خطامه نحو السماء يعوى عاليا ، ناعيا حالتي معاتبا السماء ، انك ليس أول من مشى وترنح في المستنقع الوحل ، لن تكن آخر من تسجى في برك الدم ، ليعبر الآخرون على جسر أكتافه الممتد ، من طينة ادم وحوى .. حتى أعتاب القيامة ، فلن يطول ليلك أكثر من أنين أنت فيه ، فانه نيزك سيتلاشى وينتهي في شساعات الظلام اللا متناهي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى