
رواية “مجرد اشتباه” عمل سردي يتناول تأثير الشك في العلاقات الإنسانية
أصـــداء /العُمانية
صدرت عن دار العرب رواية “مجرد اشتباه” للكاتبة العُمانية مياسة أحمد، وهي أول إصدار روائي لها، مقدمةً تجربة سردية تتجه نحو التأمل النفسي في العلاقات الإنسانية أثناء مواجهتها لحظات من الغموض والضغط والشك.
تتحدث الرواية عن شخصيتين لهما تاريخ مشترك قبل بدء الأحداث: ماجدة، مالكة شركة تعيش وحيدة في مسقط وتبلغ من العمر أربعًا وثلاثين سنة، وتظهر مستقلة ماديًّا واجتماعيًّا، وإبراهيم، معلم التربية الإسلامية الذي يعيش حياة تبدو محافظة ومنضبطة. تضع الرواية هاتين الشخصيتين في إطار من الأحداث غير المتوقعة التي تعيد تقييم العلاقة بينهما في ظروف غير معتادة.
تبدأ القصة بحادث غامض يحصل على طريق عام يتبعه استدعاءات وتحقيقات رسمية تعيد تنظيم يومٍ معين من حياة ماجدة. وفي سياق سردي موازٍ، يواجه إبراهيم ضغطًا أمنيًا بعد وقوع حادث عنيف داخل المسجد. في هذا السياق، لا تقدم الرواية الحدثين كلغز بوليسي تقليدي، وإنما تعرضهما كنافذة اختبار حادة لعلاقة سابقة لم تتعرض لمثل هذه الظروف من قبل.
وتتحول أنظار الرواية من السعي وراء جوانب أو تفاصيل الحادثة إلى تساؤل أعمق يتعلق بخصائص العلاقات البشرية: ماذا يحدث عند انعدام اليقين؟ فعندما يصبح الوصول إلى الحقيقة معقدًا ويتداخل الخوف مع الرغبة في الأمان، يصبح الصمت خيارًا إجباريًا لا موقفًا عاطفيًّا. عندها تتغير ملامح العلاقة ويصبح الانفصال احتمالًا معرضًا للخطر وليس مجرد إهمال، كما يصبح التواصل منطقةً مليئة بالمراقبة والريبة.
تستند الكاتبة في هذا النص إلى تبادل الأصوات السردية بين الشخصيتين؛ حيث يروي كل واحد منهما تجربته الفردية ويسترجع ذكريات من الماضي في سياق افتراقهما، مما يكشف تدريجيًا حدود المعرفة المتبادلة بينهما ويظهر هشاشة اليقين عند تعرضه للاهتزاز.
توضح الكاتبة أن خلفية كتابة الرواية تتمثل في فكرة نشأت بعد تجربة روائية سابقة لم تُنشر، إذ تشكلت ملامح هذا العمل عقب حادثة إطلاق النار التي كانت في منطقة الوادي الكبير. وتؤكد أن تلك الحادثة كانت الشرارة الأولى للكتابة وليست محور الرواية، حيث كان التركيز على متابعة تطور علاقة إنسانية في ظل حدث كبير يؤثر على تفاصيل الحياة اليومية.
في تشكيل الشخصيات، توضح الكاتبة أن اختلاف الأفراد غالبًا ما يثير اهتمامنا أكثر من أوجه التشابه، لذا برزت شخصية ماجدة بشكل أكثر جرأة ووعيًا بنفسها، في حين تبدو شخصية إبراهيم متحفظة وقلقة، وهو تباين يضيف عنصر الغموض الذي يتتبعه القارئ لكشفه تدريجيًا خلال أحداث الرواية.
تسعى “مجرد اشتباه” إلى تناول مفهوم الاشتباه باعتباره حالة إنسانية تتجاوز معناها القانوني، حيث يصبح شعورًا يؤثر في الثقة داخل العلاقات ويعيد تشكيلها. في هذا السياق، يصبح كل طرف مضطرًا لإعادة النظر فيما يعلمه -أو يعتقد أنه يعرفه- عن الطرف الآخر.
في “مجرد اشتباه” يظهر بوضوح ميل نحو السرد النفسي الذي يولي اهتمامًا أكبر للتفاصيل الداخلية للشخصيات مقارنةً بالحدث الخارجي. يتكون التوتر من الأحداث، ومن الطريقة التي تستقبل بها الشخصيات تلك الأحداث وتفسيرها مجددًا في الذاكرة واللغة. وعبر هذا المسار يبقى القارئ متابعًا لتغيرات العلاقة بين الشخصيتين حيث يتصاعد الشك تدريجيًّا ليصبح عاملًا مؤثرًا في إدراك كل منهما للآخر.
تأمل الكاتبة أن يغادر القارئ الرواية بتفكير أعمق في طبيعة العلاقات الإنسانية وما قد يحيط بها من تعقيدات تنجم أحيانًا عن شكوك وأوهام بسيطة، لكنها قادرة على توتر العلاقات إذا تُركت دون فهم أو مواجهة، مشددةً على أن التمسك بما نعرفه بصدق في الآخرين قد يبقى الخيط الذي يحافظ على العلاقة من الانقطاع.














