ثقافة وأدب

“رواقي حذر”.. عبدالله البلوشي يكتب القلق الإنساني بلغة التأمل وذاكرة المكان

أصـــداء /العُمانية

يقدّم الكاتب العُماني عبدالله البلوشي في كتابه “رواقي حذر” تجربة أدبية تتقاطع فيها التأملات الفلسفية مع السرد الأدبي، في محاولة لاستكشاف أسئلة القلق الوجودي التي تواجه الإنسان المعاصر، مستلهمًا من الفلسفة الرواقية إطارًا فكريًا للتأمل في تقلبات الحياة وتداعياتها النفسية والروحية.

ويأتي هذا الإصدار بوصفه تجربة مختلفة نسبيًا في طبيعتها السردية والشاغل الفكري الذي تتناوله، إذ يوضح البلوشي أن فكرة الكتاب تبلورت على خلفية شعور متعاظم بقلق وجودي عميق نشأ نتيجة استثارة مشاعر تنكيلية متدافعة وكثيفة في أعماقي، وذلك بفعل حدوث سلسلة من الفقدانات المؤلمة. ويشير إلى أن تلك التجارب تركت أثرًا بالغًا في نفسه، ودفعته إلى البحث عن مساحة روحية أوسع يمكن أن تحتوي هذا الألم وتعيد صياغته في شكل تجربة كتابية قادرة على استيعاب تلك المشاعر المتدفقة.

ويضيف البلوشي في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية أن الكتابة جاءت بالنسبة إليه بوصفها محاولة للبحث عن منفذ يخفف وطأة تلك التجارب القاسية ويمنح الذات فرصة للتأمل والطمأنينة. فقد تحولت تلك المساحة التي حاول أن يُوجدها عبر الكتابة إلى ما يشبه “الكوة” التي يتسلل منها الضوء بما تحمله من إمكانية لإشاعة الدفء الداخلي وتبديد بعض المخاوف التي خلّفتها تلك التقلبات، وفي مقدمتها رحيل والدته، وهو الحدث الذي ترك أثرًا عميقًا في وعيه الإنساني.

ويتجاوز العمل حدود التجربة الذاتية ليطرح سؤال القلق بوصفه حالة إنسانية عامة يشترك فيها كثير من الناس في مختلف المجتمعات. ويؤكد البلوشي أن تأمله في مسارات الحياة المتسارعة قاده إلى قناعة بأن القلق ليس تجربة فردية معزولة، وإنما إحساس يتقاسمه كثيرون في العالم المعاصر، الأمر الذي دفعه إلى إسقاط تجربته الشخصية ضمن سياق أوسع يتصل بالقلق الإنساني العام.

وفي هذا الإطار، يستلهم الكتاب بعض مرتكزات الفلسفة الرواقية التي تقوم على فكرة تهذيب النفس وإعادة توجيه التفكير تجاه الأحداث التي تقع خارج إرادة الإنسان. غير أن الكاتب يؤكد أن عمله لا يدّعي إعادة تأويل هذا المذهب الفلسفي أو الخروج عن جوهره الأساسي، ولكنه يستحضر بعض مبادئه بوصفها وسيلة للتأمل في الحياة وتقلباتها.

فالرواقية، كما يراها البلوشي، سعت منذ نشأتها إلى إمداد الإنسان بما يشبه “الترياق الروحي” الذي يساعده على تهدئة نفسه وإعادة ضبط طرائق تفكيره في مواجهة الأحداث التي تجري من حوله، خصوصًا تلك التي تقع خارج نطاق إرادته. ومن هذا المنطلق، يدعو النهج الرواقي إلى التعامل مع المصاعب بقدر من رباطة الجأش والتسليم بحتمية وقوعها ضمن منظومة القوانين الكونية التي لا يملك الإنسان تغيير مسارها في كثير من الأحيان.

يرى البلوشي أن الفلسفة الرواقية تبدو اليوم أكثر حضورًا في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه الضوضاء التي تحيط بالإنسان من كل جانب؛ فهي قد تمثل موقفًا مقاومًا لهذا الضجيج لمن أراد أن يقطع صلته به، كما يمكنها في المقابل أن تمنح الإنسان قدرة على التكيف معه عبر خلق حالة من التوازن الداخلي تتوافق مع ظروفه الخاصة. ويشير إلى أن هذا التوازن يبدأ غالبًا من الحاجة إلى تهدئة روحية يستعيد معها الفرد هدوءه حين يثقل عليه اضطراب الحياة ولهاثها المتواصل في دروبها الملتفة، مؤكدًا أن بلوغ تلك الطمأنينة يظل رهينًا بمدى يقظة الإنسان الداخلية ورضاه، وبوعيه بما يجري حوله من تحولات متسارعة ومآلاتها المحتملة.

ويشير إلى أن البحث عن هذا التوازن الروحي يصبح ضرورة ملحّة حين يشعر الإنسان بوطأة الظروف الحياتية المتسارعة، وما تفرضه من ضغوط قد تولّد شعورًا بالاضطراب أو الضياع. ومن هنا تبرز أهمية التأمل والوعي بوصفهما وسيلتين لإعادة ترتيب العلاقة مع العالم من حولنا.

وعلى صعيد الوظيفة الأدبية للنص، يرى البلوشي أن الأدب لا ينبغي أن يُحصر في إحداث الصدمة أو الاكتفاء بإيقاظ القارئ بشكل عابر، بل ينبغي أن يسعى إلى ملامسة عمق التجربة الإنسانية. ويؤكد أنه يميل إلى فكرة “الإيقاظ الواعي” للقارئ، أي ذلك النوع من الكتابة الذي يخاطب ذائقته ويجعله يشعر بأن النص يتوجه إليه شخصيًا ويتقاطع مع أسئلته وانشغالاته الداخلية.

ومن هذا المنطلق، يذهب الكاتب إلى أن العمل الأدبي يكتسب قيمته الحقيقية عندما يكون مؤسسًا على تجربة إنسانية معاشة أو على تفاعل صادق مع حدث أو فكرة أو رمز مؤثر في التاريخ. فالتماهي العميق مع التجربة يمنح النص مصداقية، ويجعل العلاقة بين الكاتب والقارئ أكثر حيوية وعمقًا.

ولا يغيب البعد العُماني عن فضاء الكتاب، رغم طابعه الفلسفي العام، إذ يؤكد البلوشي أن المكان العُماني، وبخاصة جغرافية ولاية قريات التي نشأ فيها، يحضر بقوة في خلفية الأحداث والسرديات التي يتضمنها العمل. فهذه الأمكنة التي احتضنت طفولته الأولى تمثل بالنسبة إليه فضاءً شعوريًا وثقافيًا تتقاطع فيه الذاكرة مع التجربة الإنسانية التي يحاول الكتاب استعادتها وتأملها.

ويشير إلى أن العديد من الحوارات والشخوص التي يتضمنها الكتاب تدور في فضاء هذه الجغرافيا، التي ظلت حاضرة في وجدانه بوصفها موطن البدايات ومخزون الذكريات الأولى. ومع ذلك يؤكد أن الأفكار الفلسفية التي يتناولها العمل لا ترتبط بحدود جغرافية محددة، فالفكر بطبيعته عابر للزمان والمكان، ويمكن أن يجد صداه في أي بيئة ثقافية.

ويراهن الكاتب في هذا الإصدار على الأثر العميق طويل المدى في وعي القارئ، أكثر من الرهان على التأثير اللحظي. فبرأيه أن الحكم الحقيقي على قيمة أي عمل أدبي لا يتحدد إلا من خلال القراءة النقدية وتفاعل القراء معه مع مرور الوقت.

ويؤكد أن الكتابة التي تنطلق من تجربة إنسانية حقيقية قادرة على إحداث أثر يتجاوز لحظة القراءة، لتلامس أعماق المتلقي وتترك في وعيه أثرًا ممتدًا. أما التأثير اللحظي الذي يقتصر على زمن قراءة النص، فإنه سرعان ما يتلاشى.

وفيما يتعلق بموقع الكتاب ضمن المشهد الأدبي العُماني، يوضح البلوشي أن “رواقي حذر” لا يمثل قطيعة مع أنماط الكتابة السائدة، بقدر ما يأتي ضمن مسعى شخصي لاكتشاف آفاق جديدة في التعبير الأدبي. فالأدب العُماني يشكّل فضاءً واسعًا ومتعدد الأصوات قادرًا على استيعاب تجارب وأساليب مختلفة.

كما يتناول العمل شكلًا من الكتابة يمزج بين الحس الشعري والتأمل الفلسفي، وهو ما يرى الكاتب أنه عنصر أساسي في أي نص أدبي قادر على التأثير في القارئ. فالشعر يمنح النص طاقته الجمالية وقدرته على ملامسة العاطفة، في حين تضيف الفلسفة بُعدًا تأمليًا يفتح المجال أمام التفكير العميق.

ومن هذا المزج بين التجربة الشخصية والتأمل الفلسفي وحضور المكان العُماني، يقدّم “رواقي حذر” تجربة كتابية تحاول الاقتراب من الأسئلة الكبرى للإنسان المعاصر، مستكشفةً قدرة الأدب على أن يكون مساحة للتأمل والبحث عن الطمأنينة في عالم يمضي بوتيرة متسارعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى