ثقافة وأدب

الصورة الضوئية العُمانية.. صناعة إبداعية تتقاطع مع الإنسان والثقافة والمجتمع

أصـــداء /العُمانية

لم تعد الصورة الضوئية اليوم مجرد أداة لتسجيل لحظة عابرة أو توثيق بصري لحدث ما، وإنما لغة قائمة تتقاطع مع الرؤية الفنية ووعي الإنسان مرورًا بالسياقات الثقافية والاجتماعية، فهي إلى جانب كونها تنتج وتستهلك، يعاد قراءتها في سياق منظومات متعددة، بما فيها التكنولوجيا، والوسائل الإعلامية مرورًا بالمنصات الرقمية، والتي عادة ما تعلب دورًا محوريًا في تشكيل معناها حقيقتها وانتشارها وتأثيرها. في الإطار ذاته هي أداة تعبّر عن الهوية، ووسيلة لفهم التحولات الاجتماعية، وشاهدًا على لحظات مفصلية في حياة الأفراد والمجتمعات..

في هذا السياق يتحدث المصور الضوئي موسى الحجري عن الصورة كونها جزءًا من الثقافة اليومية وقدرتها على نقل واقع المجتمع وقيمه ويقول: أرى إن الصورة الضوئية هي مرآة دقيقة لما يعيشه المجتمع وتفاصيله العميقة أيا كان زمانه ومكانه، فعندما نلتقط مشهدًا من سوق شعبي على سبيل المثال، أو احتفالٍ وطني، أو ملامح رجل كبير في السن، فإننا لا نوثق لحظة زمنية، بل نحفظ حقيقة للثقافة والقيم والعادات. في مجتمعنا العُماني، على سبيل المثال لا الحصر: توثق الصورة ملامح الكرم، وروح التعاون، والاعتزاز بالهوية، سواًاء في مشاهد البادية، أو البحر، أو الجبال.

وأضاف: أرى أن قوة الصورة تكمن في قدرتها على تجاوز اللغة، فقد يفهم المتلقي من ثقافة أخرى معنى الانتماء أو الفخر أو البساطة من خلال تعبير وجه أو طريقة ارتداء الزي التقليدي. التفاصيل الصغيرة كالعمامة، أو الحلي النسائية، أو حتى أدوات المهنة، فهنا الصورة تتحول إلى رمز ثقافي يحمل دلالات تتجاوز إطارها البصري، فالصورة أيضا الصورة تحفظ الذاكرة الجماعية كونها أداة لتوثيق التحولات الاجتماعية والعمرانية، وتوجد جسراً بين الأجيال. فالطفل الذي يشاهد صورة قديمة لبيئة أجداده، يتعرّف على واقعه الاجتماعي بطريقة مباشرة وعاطفية. وهنا تظهر قيمة الصورة كوسيط ثقافي يختصر المسافات الزمنية ويعيد تشكيل الوعي بالهوية.

وأكد: إنه يمكن اعتبار الصورة الفوتوغرافية وسيلة تعبير ثقافي بامتياز، فالمصور لا يلتقط ما يراه فقط، بل يختار زاوية الرؤية، والإضاءة، واللحظة، والعناصر التي يبرزها أو يخفيها. هذه الاختيارات تعبّر عن موقف ورؤية وفلسفة، وليست عملاً آلياً محايداً. كما أن الصورة الواعية تحمل رسالة. قد تعكس التمسك بالتقاليد، أو تسلط الضوء على قضايا اجتماعية، أو تبرز الجمال في تفاصيل الحياة اليومية. وهنا يتحول التصوير إلى خطاب بصري، يشبه القصيدة أو اللوحة التشكيلية، لكنه يستخدم الضوء كأداة أساسية للتعبير. وفي التجارب المعاصرة، أصبح التصوير الفوتوغرافي مساحة للحوار الثقافي، حيث يعرض المصور رؤيته لهوية مجتمعه أمام جمهور محلي وعالمي. فالصورة قادرة على إعادة تعريف صورة المجتمع في أذهان الآخرين، وتصحيح الصور النمطية، وتقديم سردٍ بصريٍ أصيل.

أما المصور الضوئي محمود بن محمد الجابري فيذهب ليشير إلى كيفية تأثير الصورة الفوتوغرافية اليوم في نظرة الإنسان إلى نفسه وهويته، ويوضح ذلك الفرق بين صورة يوجدها المصوّر عن الآخرين، وصورة يصنعها الفرد عن ذاته في زمن الكاميرا الرقمية على سبيل المثال ويؤكد: من خلال تجربتي كمصور يوثق البيئة العُمانية، أرى أن الصورة الفوتوغرافية اليوم لا تؤثر فقط في نظرة الإنسان إلى نفسه، بل تسهم في إعادة تعريف علاقته بهويته ومجتمعه. عندما أصور تفاصيل الحياة اليومية في القرى، ملامح الوجوه، الأسواق الشعبية، أو العادات والتقاليد المتوارثة، ألاحظ كيف تتحول الصورة إلى مرآة يرى فيها الإنسان نفسه بطريقة مختلفة. كثيرًا ما يخبرني أشخاص بعد رؤية صورهم أنهم لم يدركوا قيمة ما يعيشونه إلا عندما شاهدوه مجسدًا في إطار بصري؛ كأن الصورة أعادت إليهم وعيهم بذاتهم وبانتمائهم.

ويضيف الجابري: في توثيق البيئة العُمانية، لا أبحث فقط عن الجمال البصري، بل عن الروح الكامنة في المكان والإنسان. الصورة هنا تصبح وسيلة لتعزيز الهوية، خاصة في زمن تتسارع فيه التغيرات. عندما يرى الشاب العُماني صورة لملامح جده، أو لحِرفة تقليدية، أو لمشهد من حياته اليومية مصاغًا برؤية فنية، فإنه يعيد النظر في قيمة هذا الموروث. الصورة تمنحه شعورًا بالفخر والانتماء، وتربط الحاضر بالجذور.

ويبيّن الفرق بين صورة يصنعها بنفسه، عن الآخرين، وصورة يصنعها الفرد عن ذاته، فهو فرق في العمق والزاوية. ـ بحسب تعبيره ـ ويضيف: حين أرفع الكاميرا لأصوّر شخصًا في بيئته، فإنني أبحث عن لحظة صادقة، عن تعبير عفوي، عن سياق يحكي قصة أوسع من مجرد ملامح وجه. أنا أقرأ المشهد وأحاول أن أُظهر الإنسان كما هو في امتداده الثقافي والاجتماعي، لا فقط كما يريد أن يبدو. الصورة هنا قد تكشف جوانب من القوة أو البساطة أو الكرامة لا ينتبه لها الشخص في صورته الذاتية. في المقابل، حين يصنع الفرد صورته بنفسه في زمن الكاميرا الرقمية، فإنه غالبًا ما يختار كيف يُقدّم ذاته. يتحكم في الزاوية والابتسامة والخلفية، ويصوغ نسخة محددة من نفسه يودّ مشاركتها. هذه الصورة تعبّر عن رغبته في الظهور، لكنها قد تختزل هويته في إطار ضيق.

ويؤكد الجابري: في زمن يكثر فيه حضور الذكاء الاصطناعي وقدرته على تصميم الصور وتوليد مشاهد افتراضية، تزداد قناعتي بأن الصورة الفوتوغرافية الحقيقية التي نلتقطها من قلب الواقع تبقى مختلفة تمامًا. فالصورة المصنوعة رقميًا قد تُبهر العين بجمالها ودقتها، لكنها تظل نتاج خيال أو خوارزمية، بينما الصورة الأصلية تحمل أثر اللحظة وصدقها. إنها تعكس الثقافة والهوية كما يعيشها الناس فعلًا، دون تصنّع أو تدخل افتراضي. في ملامح الوجوه، في تفاصيل الأيدي العاملة، في غبار الأسواق وضوء القرى، تكمن حقيقة لا يمكن توليدها اصطناعيًا.

لهذا أؤمن أن الصورة ليست مجرد انعكاس، بل مسؤولية. كمصور يوثق البيئة والثقافة العُمانية، أشعر أن دوري لا يقتصر على الالتقاط، بل على حفظ ذاكرة بصرية حقيقية تعزز الهوية وتمنح الإنسان فرصة لأن يرى نفسه بعمق وصدق… لا كما يريد أن يبدو فقط، بل كما ينتمي ويعيش ويحمل إرثه.

أما المصورة رشا العبدلي فتشير إلى الصورة الضوئية ودورها الاجتماعي وما يمكن أن تغيّره في وعي الناس بالقضايا خاصة الاجتماعية والإنسانية منها، وقدرتها على التأثير وتؤكد: الصورة بمفهومها البصري تعيد تأطير المشهد من خلال زوايا مدروسة تنقل محتوى حدث أو قضية ما من منظور مختلف بناءً على ما يود الفنان طرحه من تعبير أو رسالة معينه يود أن يلفت إليها الجمهور. وقد يتعدى ذلك مجرد انتقاء مشاهد جمالية بهدف نقل المشهد لا غير، فالفنان يسترسل في ترجمة تفاعله مع قضية أو فكرة ما ويقوم بتجسيدها من خلال كادر كاميرته الصغير وبتكوين بصري وعناصر تحمل رمزيات تتعلق بتلك القضية أو الفكرة.

وأكدت: المصور هو فنان حسي قبل أن يكون فنان بصري، ويتعامل مع محيطه بحساسيه عالية جدًا، يؤمن بالقضايا الإنسانية بطبيعة حسه المرهف، فيعكس جميع مشاعره وأفكاره في قالب ضوئي يتحكم في جميع تفاصيله ومراحل إنتاجه من أجل إخراج رسالة ذات معنى، فالفنان المبدع يبتعد كل البعد عن كل ما هو مستهلك، فتجده حاضر بأدواته في اختزال القضايا الإنسانية وإن مر عليها الزمن من خلال قوالب جديدة يعرض فيها تلك القضايا بأسلوب مختلف، كما تجده مواكبًا لقضايا الساعة فيقوم بترجمة الواقع بأسلوب مختلف يؤثر بالناس نحو فكر أو تيار معين.

وتشير: بعيدًا عن التوثيق، قد يقدم الفنان نماذج من المدارس الفنية الحديثة في إنتاج عمله للتعبير بلغة بصرية غير اعتيادية توجد للمُشاهد مساحة تفاعلية يستدرك فيها بمخيلته المعنى المنشود للصورة وبالتالي يستشعر الرسالة التي يقدمها له الفنان بقالب تشاركي يرفع الذائقة الحسية لدى المُشاهد من كونه متلقي فقط إلى جزء لا يتجزأ من هذه الملحمة الفنية، وبالتالي يكون وقع الرسالة وتأثيرها أكبر. ويعتبر ذلك نقلة نوعية لمفهوم الصورة الفوتوغرافية والآفاق التي يستطيع الفنان المصور أن يسترسل بها نتاجه البصري من خلال توظيف تقنيات معاصرة تسمح له بترجمة أفكاره وخيالاته بمستوى واسع.

وتؤكد: في رأيي الشخصي أن تتعدى الصورة الحدود الفوتوغرافية التقليدية من أجل أن تخرج برسالة تلفت من خلالها المشاهد وتثير حسه وفكره اتجاه قضية ما هو يجعلها فن نابض بالحياة.

أما المصور الضوئي تركي الجنيبي فيقف عند الصورة الفوتوغرافية كوثيقة للتاريخ، ومن الذي يحدد أي الصور تبقى في الذاكرة العامة وأيها تُنسى وهنا يقول: حين نتحدث عن الصورة الفوتوغرافية في كونها ذاكرة، فإننا لا نتحدث عن انعكاس آليّ للواقع، بل عن تمثيلٍ له. فالصورة، مهما بدت صادقة وحيادية، هي في جوهرها نتاج اختيار، ويتمثل ذلك في اختيار اللحظة، والزاوية، والإضاءة، والإطار، وحتى ما يُستبعد من المشهد. لذلك، يمكن القول إن الثقة بالصورة كوثيقة تاريخية هي ثقة نسبية؛ فهي لا تنقل الحقيقة كاملة، بل تنقل رؤيةً للحقيقة.

ويؤكد الجنيبي: الصورة توثّق من منظور المصوّر، ومن داخل سياق ثقافي واجتماعي محدد. ولهذا فإنها تحمل في طياتها وعي عصرها، وقيم مجتمعها، ومع تطور التكنولوجيا وظهور أدوات التعديل والمعالجة الرقمية، أصبحت المسافة بين الواقع والصورة أكثر تعقيدًا، ما يفرض علينا قراءة الصورة لا بوصفها دليلًا مطلقًا، بل نصًا بصريًا يحتاج إلى تفسير وفهم للسياق.

وعن بقاء الصورة في الذاكرة العامة وأيها تُنسى فيقول: هناك مؤسسات إعلامية، وأرشيفات رسمية، ومنصات رقمية، وحتى خوارزميات، تساهم في ترسيخ صور معينة في الوعي الجمعي. فالصور التي تخدم سردية معينة، أو تعبّر عن لحظة مفصلية، أو تلامس مشاعر الناس بعمق، هي الأكثر قابلية للبقاء. في المقابل، تُهمّش صور أخرى ربما لا تقل أهمية، لكنها لم تجد المنصة أو التوقيت المناسب للانتشار.

وأوضح: الذاكرة البصرية إذن ليست حيادية، بل تُصاغ عبر قوى متعددة: سياسية، إعلامية، ثقافية، وحتى اقتصادية. وهنا يبرز دور المصوّر كفاعلٍ مسؤول، لا مجرد ناقل للحدث. فالمصور حين يختار أن يوثق حياة الناس اليومية، أو تفاصيل ثقافتهم المحلية، أو لحظات التحول الاجتماعي، فإنه يساهم في كتابة تاريخ بديل، يمنح صوتًا لمن قد لا يكون لهم حضور في السرديات الكبرى، ويمكن الوثوق بالصورة كوثيقة، لكن بشرط أن نراها ضمن سياقها، وأن ندرك أنها جزء من قصة أوسع. فالصورة ليست الحقيقة الكاملة، لكنها أثرٌ منها؛ وليست الذاكرة كلها، لكنها إحدى أهم أدوات تشكيلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى