
“صورة المكان في القصة العمانية” قراءة تحليلية في بنية السرد والهوية الثقافية
أصـــداء /العُمانية
يعد التطرق إلى صورة المكان في القصة العُمانية عنصرًا مهمًّا يتقاطع مع الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية والثقافية في سلطنة عُمان. فعلى المستوى الأدبي والنقدي يمكن للدراسات التحليلية التي تتناول هذا الموضوع أن توفر إطارًا نقديًا علميًّا لفهم كيفية توظيف المكان بوصفه فضاءً جغرافيًّا أو رمزًا ثقافيًّا.
وعلى الجانب الآخر، يمكن لمثل هذه الدراسات أن توثق التحولات التي طرأت على المجتمع العماني، كما من شأنها أن تقدم منهجًا تحليليًا يمكن البناء عليه من قبل الباحثين وطلبة الدراسات العليا. وفي المقابل، يمكن لهذه الدراسات أن تثري المكتبات وتسهم في تنوع محتواها النقدي المتخصص، وتفتح آفاقًا أعمق أمام الكتاب تجاه وظيفة المكان في النص.
في هذا الإطار، جاء صدور كتاب “صورة المكان في القصة العمانية” للباحث العماني أحمد بن عبدالله المعولي، الصادر عن دار بورصة الكتب المصرية للنشر والتوزيع ويعرض حاليًّا في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025، ليضيف إسهامًا نقديًّا جديدًا إلى حقل الدراسات السردية العمانية، وهو الكتاب الذي يتناول بالدراسة والتحليل البنية المكانية في القصة العمانية خلال الفترة الممتدة من عام ألفين إلى عام ألفين وعشرة، كونها مرحلة شهد فيها السرد العماني تحولات فنية متأثرة بتقنيات السرد الحديثة وتجارب القصة العربية المعاصرة.

وأكد الباحث في حديثه لوكالة الأنباء العُمانية على أن ملف المكان في القصة العُمانية لا يزال بيئةً خصبةً لم تتناوله الدراسات السابقة بعمق، بل تناولته من ناحية تاريخية من حيث النشأة، أو ناحية فنية عامة في اللغة والسرد والشخصية، وأن المكان غالبًا ما يحمل أبعادًا تتجاوز الوصف، ليصبح وعاءً للذاكرة العُمانية ومجالًا للتفاعل بين الإنسان والتحولات التي يعيشها، وهو ما يمنح السرد العُماني خصوصيته وفرادته ضمن المشهد القصصي العربي.
ويضيف: إن الكتاب يتناول المكان باعتباره علاقةً وطيدةً بين المكان والإنسان كذاكرة وطنية وانتماء وتحول ثقافي اجتماعي في القصة العُمانية المعاصرة.
وأشار إلى أن العمل في هذا الكتاب يتجاوز النظرة التقليدية للمكان من خلفية صامتة جامدة تحصر المكان في إطار خارجي للأحداث، لينطلق بالمكان من فرضية مفادها أنه يسهم في توجيه مسار السرد وتشكيل الوعي الجمالي للنص، وبالتالي يبدو حضور المكان طاغيًا في القصة المعاصرة الحديثة كحامل للهوية وشاهد على البحر والجبل والقرية والصحراء، الأمر الذي يجعل المكان كيانًا نابضًا بالمعنى، وتتشكل عبره تفاصيل الحكاية وضبط إيقاعها.
وجاء الكتاب في ثلاثة فصول، تناول الأول مفهوم المكان وأبعاده اللغوية والفنية والجمالية، فيما ركز الفصل الثاني على أنماط المكان في القصة العُمانية، مع إبراز فضاء المدينة ودلالاته السردية، أما الفصل الثالث فناقش التوظيف الفني للمكان، ورؤية السارد، وثنائية المكان المفتوح والمغلق.
ويرى الباحث أحمد بن عبدالله المعولي أنه من الممكن أن تتشكل ذاكرة مكانية مشتركة في القصة العُمانية، مشيرًا إلى أن كتاب «صورة المكان في القصة العُمانية» يستند إلى أكثر من مئة قصة عُمانية يتكرر فيها المكان بعينه مثل القرية، والبحر، والسوق، والبيوت القديمة التي تتشابه دلالتها العامة المشتركة في الانتماء والفقد والحنين.
ويضيف، «يتجاوز الكاتب همومه الفردية لتصبح وعيًا ثقافيًا مشتركًا ورسالةً نبيلةً يجدها المتلقي تمثل الهموم المشتركة، وأنه يحصل أحيانًا حضور المكان من حضور عام إلى فضاء شخصي يخضع وفق رؤية السارد وذاكرته الخاصة ويمنحه ملامحه النفسية وفضاءً سرديًا حيًا يتسع لتعدد الرؤى».
قراءة المكان في هذا الكتاب، كما يقدمها الباحث، تكشف عن رؤية عميقة تتجاوز الوصف الجغرافي، لتؤكد أن الإنسان لا يسكن المكان فحسب، بل إن المكان هو الذي يسكن وعيه وذاكرته، ومن ثم، فإن البحث في «صورة المكان» كما يتضح من خلال هذه الدراسة التحليلية، يتحول إلى بحثٍ موازٍ عن صورة الذات العُمانية التي تعيد تشكيل هويتها وسط تحولات الحداثة.
وبحسب الباحث، فإن الكثير من النصوص العُمانية تنظر إلى المكان من مسافة زمنية ووجدانية أو فضاءٍ مباشرٍ للصراع الدرامي، لذلك يقوم المؤلف – كما يؤكد الباحث – بإسقاطات نحو الإنسان ومحيطه لتظهر ثنائية الماضي والحاضر، وثنائية الأليف والمعادي، وبذلك يمنح النص بعدًا وجدانيًا يغدو فيه الحكاية مرآةً للذاكرة قبل أن يكون ساحة تصادم.
الدراسة التي يقدمها أحمد المعولي في كتابه «صورة المكان في القصة العُمانية» تأتي في سياقٍ أدبيٍ زاخرٍ بالأسماء والتجارب التي أسهمت، خلال السنوات الماضية، في إرساء نهضة أدبية وفكرية ونقدية لافتة، تتساوى في قيمتها وتنوعها مع تجارب أدبية عربية سبقتها في مسار التحديث والتطوير.
ويقدم كتاب «صورة المكان في القصة العُمانية» قراءةً نقديةً معمقةً من شأنها أن تسهم في فهم تحولات السرد العُماني، وتعيد الاعتبار للمكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في بناء الدلالة والهوية داخل النص القصصي. وفي هذا السياق، يؤكد الباحث أحمد المعولي، أنه يأمل أن يقدم هذا الكتاب إضافةً نوعيةً للقارئ العادي والباحث المتخصص على حد سواء، من خلال الجمع بين التحليل النقدي والقراءة الجمالية للنصوص، كما يأمل أن يثري الكتاب التجربة الثقافية والمعرفية العُمانية، ويسهم في تعميق فهم القصة العُمانية وتطورها، وفتح آفاق جديدة لرؤية القصة العُمانية بعيون جديدة تقدر المكان.














