
أصـــداء/ الأوزبكية
تعتبر زيارة رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرزيوييف إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومشاركته في القمة الأولى لمجلس السلام التي عقدت في واشنطن بمثابة علامة فارقة مهمة في تعزيز مكانة بلاده الدولية وتوسيع الحوار الدبلوماسي مع المراكز العالمية الرائدة.
تحدث مراسل صحيفة “أوزا” مع سنجار فالييف، مدير مركز دراسات السياسة الخارجية والمبادرات الدولية، حول الأهمية الاستراتيجية لهذه الزيارة العملية، ونتائج المفاوضات، ومشاركة جمهورية أوزبكستان في الصيغ الدولية الجديدة.
–ما هي الأهمية الاستراتيجية لزيارة رئيس أوزبكستان إلى الولايات المتحدة في ظل الوضع الدولي الراهن والتحول السياسي العالمي؟
أولاً، تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تزال الدولة الأقوى على الصعيد العالمي. فهي لا تزال تمارس نفوذاً حاسماً على جميع العمليات في العالم في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية. ومما لا شك فيه أن هذا الموقع للولايات المتحدة سيظل قائماً في المستقبل القريب. ومهما كانت التغيرات المعقدة التي تطرأ على الساحة الدولية، فمن المرجح أن تحدد مشاركة واشنطن مسار الأحداث.

ونتيجةً لذلك، تتحمل الدول النامية في ظل البيئة الجيوسياسية الجديدة مسؤولية استقرارها وتنميتها. وفي هذا الصدد، تُعدّ الاتصالات المباشرة على أعلى المستويات مع إدارة البيت الأبيض أداةً دبلوماسيةً هامةً لمعالجة طيف واسع من القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية والداخلية لأوزبكستان. وفي هذه المرحلة، تتاح لنا الفرصة لفتح آفاق جديدة لتعزيز التعاون الوثيق وتقديم مقترحات مناسبة تستند إلى الإصلاحات في آسيا الوسطى.
عملياً، يتطور التعاون بين أوزبكستان والولايات المتحدة في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
العلاقات الثنائية: شراكة استراتيجية تنمو بسرعة وأثبتت فعاليتها العالية.
التعاون الإقليمي: الحوار متعدد الأطراف في صيغة “C5+1″، والذي شهد تطوراً مطرداً في السنوات الأخيرة.
المبادرات العالمية: منصة جديدة تمامًا تم إنشاؤها مؤخرًا لمعالجة التحديات العالمية – مجلس السلام.
اليوم، يمتلك بلدنا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، القدرة على حلّ مختلف القضايا بفعالية من خلال هذه الآليات، باختيار منصات دبلوماسية محددة. لم تكن هذه الفرص متاحة سابقاً. هذه هي الميزة الاستراتيجية للسياسة الخارجية لأوزبكستان الجديدة. يستغل رئيس الدولة هذه الفرص بحكمة بما يخدم المصالح الوطنية. وتتجلى النتائج العملية لهذه الجهود في تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة في البلاد.
يتطلب الوضع الإنساني المعقد في غزة جهوداً متضافرة من المجتمع الدولي لإعادة بناء البنية التحتية وتقديم المساعدة للسكان. ما مدى فعالية الاجتماع الأول لمجلس السلام في حشد الموارد والدعم الدولي لإعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب؟
في الواقع، كانت القمة الأولى لمجلس السلام، التي عُقدت في واشنطن في 19 فبراير، حدثاً بارزاً في التاريخ الحديث، دون مبالغة. فقد ظهرت منظمة رئيسية ذات شكل جديد في الممارسة الدولية وبدأت أنشطتها.
ينبغي أن يختلف هذا الهيكل عن الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية التقليدية المماثلة. وقد أيّد المشاركون في القمة هذه الفكرة. وتكمن فرادة مجلس السلام في تركيزه على التدابير السريعة والعملية لحل النزاعات في مناطق النزاع، وإرساء أساس متين للتعايش السلمي بين الشعوب. وعلى وجه الخصوص، أصبح استقرار الوضع في غزة الموضوع الرئيسي لاجتماع رؤساء الدول المؤسسة للمجلس. وتشهد مشاركة 47 وفداً من الدول في القمة على أهميتها، إذ يُعادل هذا العدد ضعف عدد المشاركين تقريباً في دافوس قبل ثلاثة أسابيع، عند تشكيل المجلس.
في ختام الاجتماع، تم التوصل إلى اتفاق واضح بشأن إنشاء تحالف دولي لنزع سلاح المنطقة، وانسحاب القوات، وتطبيع الأوضاع. والأهم من ذلك، تم تخصيص مبلغ كبير لصندوق إعادة إعمار غزة. وقد تجسدت جميع الجوانب المهمة في الإعلان الختامي، الذي تضمن عشرين بنداً. لا يحتوي هذا الإعلان على أفكار مجردة، بل على خطة عمل محددة بوضوح.
من المؤكد أنه لولا الإرادة السياسية والقرارات الحاسمة لقادة الدولة، لكانت الأزمة الإنسانية في غزة قد تفاقمت بشكل مأساوي. وفي الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، اتُخذت خطوة تاريخية نحو بناء “غزة جديدة”، تسير بخطى ثابتة نحو التعافي الاقتصادي.
شارك رئيس أوزبكستان، شوكت ميرزيوييف، في هذا الحدث بصفته أحد مؤسسي مجلس السلام. وتوجه إلى واشنطن حاملاً معه حزمة من المشاريع الاجتماعية والاقتصادية الضرورية للغاية لسكان غزة. وتهدف المقترحات المتعلقة ببناء المساكن، ورياض الأطفال، والمدارس، والمؤسسات الطبية، إلى تقديم المساعدة المباشرة للمحتاجين. وانطلاقاً من خبرتنا الواسعة في أعمال إعادة الإعمار في تركيا وأذربيجان وأفغانستان، فإننا نؤكد مجدداً على القيم الإنسانية الرفيعة المتأصلة في شعب أوزبكستان.
غالباً ما تُرسّخ المفاوضات بين رؤساء الدول أسس شراكات استراتيجية طويلة الأمد، وتُحدد مسار التعاون السياسي والاقتصادي المستقبلي. برأيك، ما هي الاتفاقيات التي يُمكن اعتبارها أهم نتائج المفاوضات رفيعة المستوى؟
– على الرغم من أن نطاق القمة لا يسمح بالتغطية الكاملة لجدول الأعمال الثنائي رفيع المستوى، فقد أجرى رئيس الدولة محادثات بالغة الأهمية في واشنطن مع ممثلي الكتلة الاقتصادية للإدارة الأمريكية ودوائر الأعمال.
وعلى وجه الخصوص، جرى تبادل معمق للآراء مع وزير التجارة الأمريكي هوارد لاتنيك حول تنفيذ برنامج التعاون الاقتصادي بين البلدين، والذي يمتد لثلاث سنوات بقيمة 35 مليار دولار. وكجزء من برنامج عمل الزيارة، عُقدت اجتماعات مثمرة مع ممثلين عن الحكومة الأمريكية والمؤسسات المالية، بالإضافة إلى قادة كبرى الشركات الأمريكية. ونتيجةً للمفاوضات، تم توقيع وثائق هامة في المجالات التالية:
إنشاء شبكات AYOQSH الحديثة؛
إدخال تقنيات الري بالرش؛
استخراج وتوريد المعادن الاستراتيجية؛
إنشاء مجمعات للدواجن؛
تطوير المجمع الزراعي الصناعي وتحسين مناخ الاستثمار.
تم تحديد مجالات التعاون المستقبلي ذات الأولوية، وهي المواد الخام الهامة، والبتروكيماويات، والطاقة، والنقل، وتكنولوجيا المعلومات، والتمويل. وتم وضع خطط مستقبلية للأنشطة في إطار مجلس الأعمال والاستثمار. ولا شك أن الحوارات التي جرت مع الرئيس الأمريكي ومسؤولي إدارته ستعطي دفعة جديدة للتطور السريع للتعاون الثنائي. ونلاحظ أن الزيارات الخارجية لرئيس دولتنا تتسم دائمًا بطابع عملي واضح، إذ تُختتم هذه الزيارات دائمًا بإبرام اتفاقيات جديدة، وإطلاق مشاريع كبرى، وجذب استثمارات إضافية وتقنيات حديثة إلى اقتصاد أوزبكستان.
– إلى أي مدى تعكس المشاركة في هذه القمة أولويات السياسة الخارجية لأوزبكستان ودورها في تعزيز الحوار العالمي؟
استكمالاً للنقاش حول قمة مجلس السلام، تجدر الإشارة إلى أن مكانة أوزبكستان الدولية والثقة بها تتنامى باستمرار. ولا نبالغ إن قلنا إننا حققنا في السنوات الأخيرة هدفنا الاستراتيجي في السياسة الخارجية، ألا وهو أن أوزبكستان أصبحت عضواً مسؤولاً ومستقلاً ومتساوياً في المجتمع الدولي.
بصفتنا فاعلاً نشطاً في العلاقات الدولية، تُعتبر أوزبكستان دولة ذات سيادة، ذات حدود قوية، وملتزمة بتعهداتها الدولية. وقد أثبتت أوزبكستان الجديدة دورها المؤثر في مجلس السلام، مؤكدةً مساهمتها القيّمة في تحقيق الأهداف المشتركة بشأن أكثر القضايا العالمية حساسية. وتُقدّم دبلوماسيتنا باستمرار حواراً بنّاءً، ينبغي أن يُترجم إلى حلول واقعية وخطوات عملية.
إضافةً إلى ذلك، باتت أوزبكستان وجهةً متزايدة الأهمية لعقد المؤتمرات الدولية والاجتماعات الدبلوماسية. ويُشكّل المناخ السياسي السائد في البلاد بيئةً مثاليةً لإيجاد حلول وسط ثنائية ومتعددة الأطراف، واتخاذ قرارات تعود بالنفع على الجميع. ولذلك، فقد رسخت مصطلحات مثل “حلول طشقند” و”روح سمرقند” و”حوار ترمذ” في قاموس علماء السياسة الدوليين.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن هناك احتمالاً كبيراً أن تستضيف أوزبكستان إحدى قمم مجلس السلام في المستقبل لاتخاذ قرارات تاريخية تهدف إلى حل المشاكل الإقليمية والعالمية.
بالمقارنة مع الاستراتيجيات الدبلوماسية للدول الساعية إلى تعزيز مكانتها الدولية، يبدو أن أوزبكستان تنتقل من دورها كقوة موازنة إقليمية إلى موقع أكثر نفوذاً في السياسة العالمية. ما رأيك في ذلك؟
في رأيي، ينبغي تفسير هذه العملية على أنها حركة متوازية في اتجاهين مترابطين ترابطًا وثيقًا. ومن الجدير بالذكر أن أوزبكستان لا تسعى إلى تحقيق التفوق الجيوسياسي فحسب في السياسة العالمية. ولا ينعكس هذا النهج لا في وثائقنا المفاهيمية ولا في استراتيجية حوارنا السياسي. ومع ذلك، لا يمكن لبلادنا أن تبقى مراقبًا غير مبالٍ للأحداث العالمية التي تؤثر على آسيا الوسطى. ولذلك، دأب الرئيس في السنوات الأخيرة على طرح مبادرات منهجية واستراتيجية بشأن قضايا عالمية كالتعليم والتسامح الديني وحماية حقوق الشباب والمرأة.
يتمثل الهدف الرئيسي للسياسة الإقليمية في تحويل آسيا الوسطى إلى مركز عالمي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والنقل والخدمات اللوجستية، والطاقة، والابتكار. وفي هذا الصدد، ستعزز المشاركة في قمة مجلس السلام نفوذ أوزبكستان على الساحة الدولية. وهذا بدوره خطوة هامة نحو تحويل البلاد إلى مركز لتحقيق الاستقرار العالمي والحوار البنّاء. وبالطبع، لهذه الجهود أيضاً مصالح عملية، مثل إقامة علاقات اقتصادية جديدة والمشاركة في مشاريع بنية تحتية ضخمة.
بالحديث عن القمة الأولى لمجلس السلام، تجدر الإشارة إلى أن هذا الشكل ليس مجرد منتدى دبلوماسي آخر، بل يهدف إلى أن يصبح هيكلاً مؤثراً يضمن السلام واستقرار الاستثمار، ويستطيع إيجاد حلول لأكثر المشاكل العالمية تعقيداً. إن نجاح هذه المنصة لن يعود بالنفع على الدول المشاركة فحسب، بل على جميع الشعوب المحتاجة للدعم الدولي. والتطلعات نحو هذا الهدف النبيل تؤتي ثمارها دائماً، فكما يقول المثل: “العمل خير”.














