
أصـــداء /العُمانية
تتجلّى في محافظة مسندم خلال شهر رمضان المبارك ملامح روحانية واجتماعية متفردة، تستمد خصوصيتها من طبيعتها الجغرافية الفريدة التي تجمع بين الجبال الشامخة والبحر الممتد، لتشكّل لوحة رمضانية نابضة بالإيمان والتكافل والعادات الأصيلة.

ويحمل الشهر الفضيل في ولايات المحافظة الأربع: خصب، وبخاء، ودبا، ومدحاء، طابعًا خاصًّا يعكس عمق التلاحم الاجتماعي وارتباط الأهالي ببيئتهم البحرية والجبلية، حيث تمتزج أجواء السكينة الروحانية بعادات متوارثة تناقلتها الأجيال، في صورة تعكس ثبات القيم وأصالة الموروث الاجتماعي بالمحافظة.
وقال مصعب بن أحمد الشحي من سكان ولاية دبا: إن من أبرز المظاهر الرمضانية في محافظة مسندم حرص معظم الأهالي على إعداد وجبات الإفطار وتقديمها للمساجد صدقةً للصائمين، حيث تُنظَّم موائد جماعية قبيل أذان المغرب في مشهد يجسد قيم البذل والتراحم والتكافل الاجتماعي، ويشهد مشاركة واسعة من مختلف فئات المجتمع، لا سيما الشباب المتطوعين الذين يسهمون في التنظيم والتوزيع.
وأضاف أن روح العطاء تمتد طوال الشهر عبر إخراج الزكاة والصدقات، إذ يحرص الأهالي على إيصالها إلى مستحقيها من الأسر ذات الدخل المحدود، فيما تؤدي الفرق الخيرية واللجان الأهلية دورًا محوريًّا من خلال تنظيم حملات توزيع السلال الغذائية الرمضانية التي تضم المواد الأساسية، إلى جانب توزيع الزكاة والكوبونات الشرائية بالتنسيق مع المحال التجارية، بما يتيح للأسر المستفيدة تلبية احتياجاتها وفق أولوياتها، في إطار من التنظيم وحفظ خصوصية المستفيدين.

وبيّن أن روح التكافل تتجلى في مبادرات توزيع وجبات الإفطار على الصائمين، وتقديم الدعم للأسر المعسرة، بمشاركة فاعلة من الفرق الأهلية والجمعيات الخيرية والمتطوعين، في صورة تعكس قيم التضامن والتراحم التي يتميز بها المجتمع العُماني، مؤكداً أن شهر رمضان يمثل مناسبة سنوية تتجدد فيها معاني الانتماء والتكاتف، وتتعزز خلالها القيم الدينية والاجتماعية التي تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية، كما تُنظَّم أسواق رمضانية في عدد من ولايات المحافظة، تتيح للأسر المنتجة وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عرض منتجاتهم من المأكولات الشعبية والرمضانية، بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية ودعم ريادة الأعمال وتعزيز مفهوم الإنتاج الأسري.

وأوضح أن بعد أداء صلاة التراويح، يتبادل المصلون الزيارات بين الجيران، وتُقام جلسات ودية تُقدَّم خلالها أصناف الحلويات الشعبية والأطعمة التقليدية فيما يُعرف محليًّا بـ(الفوالة)، إلى جانب استمرار زيارات الأقارب وصلة الأرحام التي تشكّل ركيزة أساسية في النسيج الاجتماعي للمحافظة، حيث تتحول ليالي رمضان إلى محطات يومية لتعزيز أواصر القربى وتبادل التهاني بالشهر الفضيل.
من جانبه قال أحمد بن سليمان الشحي من سكان ولاية خصب: “يشكّل البحر عنصرًا أساسيًّا في تفاصيل الحياة اليومية بالمحافظة، وينعكس ذلك جليًّا على المائدة الرمضانية، حيث تتصدر الأطباق البحرية وجبات الإفطار والسحور، إلى جانب الأطباق العُمانية التقليدية ويحرص الصيادون على مواصلة نشاطهم لتوفير الأسماك الطازجة التي تُعد مكوّنًا رئيسًا في كثير من الوجبات، في مشهد يجسّد ارتباط الإنسان في مسندم ببيئته ومصادر رزقه.”
مشيراً إلى أن المائدة الرمضانية في مسندم تزخر بالأطباق العُمانية التقليدية التي تحافظ على حضورها سنويًّا، وفي مقدمتها الهريس، والفريد، واللقيمات، والعرسية، إلى جانب أنواع الشوربات والأطباق البحرية الطازجة، حيث تحرص الأسر على إعدادها بوصفات متوارثة تعبّر عن هوية المكان وارتباطه بالموروث الغذائي العُماني، وتشكل جزءًا أصيلًا من أجواء الإفطار والسحور.
وأوضح أن الأهالي يحرصون بأنفسهم على تزيين منازلهم بزينة رمضان والإضاءات والفوانيس، سواء داخل البيوت أو على واجهاتها الخارجية، في مشهد يعكس روح المشاركة المجتمعية والفرح بقدوم الشهر الفضيل، ويجسّد اهتمام الأسر بإحياء مظاهره الروحانية والاجتماعية وترسيخها في نفوس الأبناء.
وأكد أن المجتمع يولي اهتمامًا خاصًا بزكاة الفطر ما يُعرف بـ(الفِطرة)، حيث يحرص الأهالي على إخراجها في وقتها الشرعي قبل صلاة العيد، لضمان وصولها إلى مستحقيها وإدخال الفرحة على الأسر المحتاجة في ختام الشهر الفضيل، في صورة تجسد مقاصدها في تحقيق التكافل وإغناء الفقراء يوم العيد.
وقال عبدالرحمن بن أحمد الملا الشحي، مدير إدارة الثقافة والرياضة والشباب بمحافظة مسندم: “تنفذ إدارة الثقافة والرياضة والشباب بمحافظة مسندم حزمة من الفعاليات الثقافية والرياضية المتنوعة في إطار برامجها المجتمعية خلال شهر رمضان المبارك، التي تستهدف مختلف فئات المجتمع، وتسعى إلى استثمار أجواء الشهر الفضيل في تعزيز القيم الإيجابية ونشر الوعي وترسيخ مفاهيم الصحة والنشاط البدني”.

وأوضح أن الفعاليات في الجانب الثقافي تتضمن تنظيم مسابقة ثقافية (سين جيم) تهدف إلى تنمية المعرفة العامة وتعزيز روح التنافس الإيجابي بين المشاركين، إلى جانب إقامة محاضرة توعوية للرجال تتناول عددًا من الموضوعات الاجتماعية والدينية ذات الصلة بالشهر الفضيل، إضافة إلى محاضرة صحية مخصصة للنساء تسلط الضوء على الجوانب الصحية والغذائية في رمضان، كما يشمل البرنامج يومًا ترفيهيًا لكبار السن، تقديرًا لدورهم في المجتمع وحرصًا على إدخال البهجة إلى نفوسهم في أجواء رمضانية يسودها التآلف والتكريم، أما في الجانب الرياضي، تنظم الإدارة بطولة ثمانية كرة القدم للمؤسسات الحكومية، في إطار تعزيز روح الفريق والتعاون بين الموظفين، إلى جانب مسابقة كرة القدم للفتيات الصغار، دعمًا لمشاركة الناشئة في الأنشطة الرياضية وتنمية مهاراتهن. كما يتضمن البرنامج مسابقة كرة الطائرة للنساء، ومسابقة “اخسر وزنك” المخصصة للنساء، التي تهدف إلى تشجيع تبني نمط حياة صحي خلال الشهر الفضيل.

وبيّن أن هذه الفعاليات تأتي ضمن جهود إدارة الثقافة والرياضة والشباب بمحافظة مسندم لتنشيط الحراك الثقافي والرياضي بالمحافظة، وإيجاد بيئة محفزة على المشاركة المجتمعية، بما يعزز من حضور الأنشطة الهادفة خلال شهر رمضان المبارك، ويجسد دور المؤسسات في خدمة المجتمع وتنمية طاقاته.














