
أصـــداء /العُمانية
تمثل القرى الصحية بمحافظة جنوب الباطنة نموذجًا وطنيًّا رائدًا للمبادرات المجتمعية الهادفة إلى تعزيز صحة الفرد والمجتمع، من خلال شراكة تكاملية فاعلة بين الجهات الحكومية والأهالي، ضمن برنامج القرى الصحية بوزارة الصحة، الذي يعزز مفاهيم الوقاية والتمكين المجتمعي والاستدامة الصحية، ويرسخ ثقافة المسؤولية المشتركة في تحسين جودة الحياة.

وأكد القائمون على برنامج الشراكة والمبادرات المجتمعية بالمديرية العامة للخدمات الصحية بمحافظة جنوب الباطنة أن المحافظة تُعد من المحافظات السباقة في هذا المجال، حيث يبلغ عدد القرى الصحية ثماني قرى موزعة على مختلف ولايات المحافظة.
كما انضمت المحافظة إلى شبكة المدن الصحية الإقليمية بثلاث مدن هي: بركاء، والرستاق، والمصنعة، في خطوة تعكس التزامها بتطبيق المعايير المعتمدة في مجال تعزيز الصحة العامة.
وتُعد قرية المقحم الصحية بولاية الرستاق باكورة القرى الصحية بالمحافظة؛ إذ يعود تدشين مشروعها النموذجي إلى عام 2015، عقب صدور قرار إداري بتشكيل لجنة تنمية القرية في خطوة عكست الاهتمام المؤسسي بتنظيم العمل الصحي المجتمعي وفق إطار إداري واضح ومستدام.
وتتولى اللجنة الصحية – التي يرأسها سعادة والي الرستاق -وتضم في عضويتها ممثلين عن عدد من القطاعات الحكومية ذات العلاقة، من بينها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة التنمية الاجتماعية، والبلدية، وشرطة عُمان السلطانية، ووزارة التعليم، إلى جانب نادي الرستاق – الإشراف العام على تنمية القرية، بما يعزز التكامل المؤسسي لخدمة أهداف المشروع.
ويبلغ عدد سكان القرية 429 نسمة، منهم 211 من الذكور و218 من الإناث، موزعين على 79 أسرة، فيما تضم 26 مسنًّا.
وتشير البيانات الصحية إلى وجود نسبة محدودة من الحالات المرضية المزمنة، تمثلت في أمراض ضغط الدم والسكري وأمراض الدم الوراثية، إلا أن معظم الحالات تخضع للمتابعة والسيطرة بفضل الجهود التي تبذلها ممثلات الأسر في القرية، من خلال المتابعة المنزلية وتقديم التوعية والتثقيف الصحي، إلى جانب تكثيف البرامج الوقائية وتعزيز المتابعة من قبل المؤسسة الصحية المختصة.
وشهدت القرية تنفيذ حزمة من المشاريع التنموية والصحية، من أبرزها إنشاء صالة رياضية بشراكة مجتمعية مع مؤسسة الجسر للأعمال الخيرية، بهدف تشجيع أفراد المجتمع على ممارسة النشاط البدني وترسيخ أنماط الحياة الصحية.
كما تم استبدال خزانات المياه الإسمنتية بأخرى مطابقة للمواصفات الصحية، وبناء حظائر للحيوانات بعيدًا عن المنازل لتحسين البيئة الصحية وتقليل مسببات التلوث، إضافة إلى تسوير مقبرة القرية وتنفيذ حملات نظافة دورية تعزز السلامة البيئية وتحافظ على المظهر العام.
وفي جانب التوعية والتدريب، نظمت القرية فعاليات “افحص واطمئن” للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، إلى جانب تنفيذ ورش تدريبية في الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي، وبرامج في العمل التطوعي وإدارة الأزمات والحالات الطارئة، بما يسهم في رفع جاهزية المجتمع وتعزيز قدرته على التعامل مع مختلف الظروف الصحية والطوارئ بكفاءة ومسؤولية.
واستقبلت القرية عددًا من الوفود الرسمية والزيارات الميدانية، من بينها ممثلين عن منظمة الصحة العالمية ووفود من جمعيات الهلال الأحمر بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، للاطلاع على تجربتها في تطبيق معايير المدن والقرى الصحية، إضافة إلى وفود أكاديمية.
كما أصبحت القرية مركزًا تدريبيًّا يُزار من مختلف محافظات سلطنة عُمان، في إطار تبادل الخبرات واستعراض أفضل الممارسات على المستوى الوطني.
وفي جانب الإنجازات، شاركت القرية في النسخة السابعة من جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي، تأكيدًا على حضورها الفاعل في مجال العمل التطوعي، كما أُنتج فيلم وثائقي عام 2017 لتوثيق تجربتها وإبراز نجاحاتها، وكانت حاضرة في مؤتمر المدن الأول المنعقد بمحافظة ظفار في أكتوبر 2024، ممثلة بمقرر لجنة تنمية القرية، إلى جانب تنظيم تكريم دوري لممثلي وممثلات الأسر والمتطوعين تقديرًا لجهودهم في إنجاح المشروع وتعزيز استدامته.
وتؤكد تجربة قرية المقحم الصحية بولاية الرستاق أهمية العمل التشاركي بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي في تحقيق تنمية صحية شاملة، وتعكس مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الوقاية وتعزيز جودة الحياة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى بناء مجتمع صحي ومستدام.












