عُـمانعُمان اليوم

عيد الفطر… تجديد الروابط بين الأجيال وترسيخ القيم العُمانية الأصيلة

 أصـــداء /العُمانية

 

يُعدّ عيد الفطر في المجتمع العُماني مناسبة اجتماعية وثقافية تتجاوز كونه احتفالًا بانتهاء شهر رمضان المبارك، ليصبح محطة سنوية تتجدد فيها الروابط الأسرية والاجتماعية بين مختلف الأجيال، ففي هذه المناسبة تتجسد قيم التراحم والتواصل وصلة الرحم، وتتوارث العادات والتقاليد العُمانية التي تعكس هوية المجتمع وأصالته، حيث يلتقي الآباء والأبناء والأحفاد في أجواء يغلب عليها الفرح والتآلف، وتتجدد خلالها مظاهر التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.

وقال عبدالله بن سليمان الشرياني في حديث لوكالة الأنباء العُمانية: إن الاحتفال بعيد الفطر في الماضي كان يتسم بطابع تقليدي وتراثي أصيل، حيث كانت الأسر تبدأ الاستعداد لهذه المناسبة منذ دخول شهر رمضان المبارك، من خلال تجهيز الملابس الجديدة والزينة، إلى جانب الاستعداد لوجبة الإفطار في أول أيام العيد “تصبوحة العيد” والتي غالبًا ما تكون العرسية أو القبولي، إضافة إلى تجهيز الشواء والمشاكيك التي تُعد من الأطباق المرتبطة بالعيد في المجتمع العُماني.

وأضاف أن مظاهر الفرح كانت تمتد إلى إقامة الاحتفالات الشعبية التي تُعرف بـ “المخرج أو العزوة”، حيث تُقام الفنون الشعبية المصاحبة للعيد، كما كانت تُطلق مدافع العيد إيذانًا بقدوم هذه المناسبة السعيدة، ما يضفي أجواء من البهجة والاحتفال في القرى والحواضر.

وأوضح أن من أبرز مظاهر العيد التقليدية في المجتمع العُماني روح التعاون المجتمعي بين الأسر، خاصة في تجهيز الشواء، حيث يجتمع الأهالي لطحن التوابل الخاصة بالشواء والمشاكيك، كما تُهيأ أماكن الشواء (التنور) في الأحياء من خلال جمع الحطب أو جذوع النخيل قبل فترة كافية استعدادًا ليوم العيد.

وأشار إلى أن التجمعات العائلية في الماضي كانت أكثر كثافة، حيث كانت الأسر وأهل الحي يجتمعون في الصباح قبل أو بعد صلاة العيد، بحسب العرف السائد في المجتمع لتناول وجبة الإفطار معًا في أجواء يغلب عليها الود والتقارب الاجتماعي، مؤكدًا أن الفنون الشعبية مثل الرزحة كانت تقام في كثير من قرى سلطنة عُمان خلال أيام العيد، وكذلك سباقات الخيل والهجن والرماية، والرمي وغالبًا ما يصاحبها ما يُعرف بسوق العيد أو “العيود والمخرج “، وهو مكان يجتمع فيه الأهالي للاحتفال وتبادل التهاني بمناسبة العيد.

وفيما يتعلق بدور العيد في تعزيز صلة الرحم، أكد الشرياني أن هذه المناسبة كانت ولا تزال عاملًا مهمًا في تقوية العلاقات الأسرية والاجتماعية، موضحًا أن الاختلاف بين الماضي والحاضر يقتصر على أسلوب التواصل فقط؛ ففي الماضي كان الأقارب يتكبدون مشقة السفر والتنقل لزيارة بعضهم البعض، خاصة في ظل غياب وسائل النقل الحديثة، حيث كانت الزيارات تتم عبر وسائل نقل تقليدية. أما اليوم فقد أصبحت وسائل التواصل والتنقل أكثر سهولة وسرعة، والزيارات والتجمعات العائلية خلال العيد لا تزال تسهم في تعزيز التقارب والتسامح والتعاون بين أفراد المجتمع، ويتجلى ذلك في المشاركة المجتمعية في إعداد الشواء أو استخدام التنور وشوي المشاكيك، أو المضبي في بعض المجتمعات العُمانية، وهي ممارسات تعكس روح التكاتف والتلاحم التي تميز المجتمع العُماني.

من جانبه قال الدكتور عبدالرحمن بن محمد السيابي مدير إدارة الأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة جنوب الباطنة: يحلّ عيد الفطر السعيد خاتمةً لشهرٍ عظيمٍ من الطاعة والعبادة، شهر عاش فيه المسلمون أجواء الإيمان والسمو الروحي من خلال الصيام والقيام وسائر أعمال البر، ويأتي العيد حاملاً في معانيه روح الشكر لله تعالى على نعمة التوفيق لإتمام هذه العبادة العظيمة، وفرحة المؤمن ببلوغ ختام شهرٍ تزكّت فيه النفوس وتطهّرت القلوب، فالإسلام دين الفطرة الذي ارتضاه الله لعباده، وهو الأعلم بما يصلح شؤونهم، ومن رحمته أن جعل بعد شهر الصيام فرحةً عامةً للمؤمنين يعبّرون فيها عن سرورهم بإتمام هذا الموسم الإيماني، ويجددون فيها ذكر الله وشكره، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وهكذا يمثّل العيد بدايةً لمرحلةٍ روحيةٍ جديدةٍ في حياة المسلم بعد شهرٍ من تهذيب النفس وتزكيتها.

وأضاف: لا يقتصر العيد على كونه مناسبةً للفرح والاحتفال، بل يحمل في جوهره أبعادًا إنسانيةً وقيميةً عميقة تعزز روح التراحم والتسامح والتكافل بين الناس، ففي أيام العيد تتقوّى الروابط الاجتماعية من خلال الزيارات وصلة الأرحام وتبادل التهاني والهدايا، والعفو عن الزلات وتصفية القلوب، فتتحول المناسبة إلى مساحةٍ تتجدد فيها معاني الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع، وفي هذه الأجواء تظهر أجمل صور التعاطف والتآزر بين الجيران والأقارب وسائر أفراد المجتمع، فيغدو العيد مناسبةً جامعةً تعيد إحياء القيم النبيلة وترسّخ الأخلاق الحميدة في النفوس، ويبرز هذا المعنى بوضوح في المجتمع العُماني الذي يحرص أبناؤه على تجسيد قيم الترابط والتكافل، وتعاهد الأرحام بالزيارة والسؤال، خصوصًا في أيام العيد التي تتجدد فيها أواصر القربى والمودة بين الأسر والأقارب والجيران.

وأوضح أنه من أبرز معالم العيد ومقاصده السامية زكاة الفطر التي شرعها الإسلام ختامًا لشهر الصيام ووسيلةً لتعزيز التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، فقد بيّن النبي ﷺ حكمتها حين وصفها بأنها «طُعمةٌ للمساكين»، وفي حديثٍ آخر قال إنها «طهرةٌ للصائم من اللغو والرفث وطعمةٌ للمساكين»، فزكاة الفطر تمثّل جبرًا لما قد يشوب الصيام من نقصٍ أو تقصير، كما أنها تحمل بُعدًا إنسانيًّا واجتماعيًّا مهمًّا، إذ تُدخل السرور على قلوب الفقراء والمحتاجين يوم العيد وتغنيهم عن السؤال، ليشارك الجميع في فرحة هذه المناسبة المباركة دون شعورٍ بالحاجة أو الحرمان.

كما تمثّل صلاة العيد والتجمعات الدينية مظهرًا من مظاهر وحدة المجتمع وتماسكه، حيث يجتمع الناس في مشهدٍ إيماني مهيب يعكس روح الأخوّة والمساواة بين المسلمين. ففي ساحات الصلاة يقف الجميع صفًا واحدًا؛ غنيّهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم، يلهجون بالتكبير والتهليل ويستشعرون معاني العبودية لله تعالى. ويغدو هذا اللقاء فرصةً لتجديد العلاقات الاجتماعية، وتعزيز أواصر المحبة، وإصلاح ذات البين، وبث روح التفاؤل والأمل في النفوس.

وتبرز في هذه المناسبة كذلك القيم الأخلاقية التي يدعو إليها الإسلام، حيث تتجلى معاني البذل والعطاء ومد يد العون للمحتاجين، وصلة الأرحام، وعيادة المرضى، والعفو عن المسيء، ومواساة الملهوفين، فالمناسبات الدينية في الإسلام ليست مجرد طقوسٍ عابرة، بل هي مواسم تربوية تُرسّخ في النفوس معاني الإخلاص والتسامح والسخاء، وتسهم في بناء مجتمعٍ متراحمٍ متكافل تسوده روح التعاون والمحبة.

وتوضح الباحثة الاجتماعية وطفة بنت مسعود الفارسية أن الفتاة العُمانية تُعد جزءًا أصيلًا من نسيج الأسرة، وتسهم إلى جانب بقية أفرادها في التحضير لفرحة العيد والتجهيز لطقوسه المتنوعة فإلى جانب استعدادها الشخصي للعيد من خلال الاهتمام بملابسها ومظهرها، وما يرتبط بذلك من تفاصيل جمالية مثل الأزياء التقليدية والحناء، تشارك كذلك في مختلف التحضيرات العائلية التي تسبق العيد، حيث تسهم في ترتيب المنزل وإضفاء لمسات جمالية عليه، إضافة إلى إعداد أو اختيار أصناف من الحلويات التي تُقدَّم ابتهاجًا بهذه المناسبة السعيدة.

وتضيف أن الفتاة بطبيعتها القائمة على الرعاية والاحتواء تلعب دورًا مهمًا في إدخال البهجة إلى نفوس الصغار، إذ تشارك في تجهيز إخوانها أو أطفال العائلة، سواء من خلال مساعدتهم في اختيار ملابس العيد أو إعداد توزيعات وهدايا بسيطة لهم، وقد تسهم كذلك في تنظيم بعض المسابقات والأنشطة العائلية التي تعزز أجواء الفرح وتصنع ذكريات جميلة تبقى راسخة في ذاكرة الأطفال.

وفي سياق الحديث عن دور المرأة في الحفاظ على العادات والتقاليد العُمانية، تشير الفارسية إلى أن المرأة، سواء كانت زوجة أو أمًّا أو ابنة أو أختًا، تحمل في أدوارها المختلفة روح المجتمع العُماني وتقاليده، وتسهم في نقل هذه القيم إلى الأجيال اللاحقة، حيث غالبًا ما تكون الحلقة الأساسية في استمرار العديد من الطقوس الاجتماعية.

ويرى محمود بن محمد الصارخي، أخصائي اجتماعي ومطور برامج ومبادرات مجتمعية، أن عيد الفطر يمثل في المجتمعات الإسلامية عمومًا، وفي المجتمع العُماني خصوصًا، مناسبة اجتماعية راسخة تتجلى فيها قيم التكافل والتراحم والتواصل بين أفراد المجتمع. ويشير إلى أن مظاهر الاحتفال بالعيد في عُمان تبدأ بصلاة العيد التي تجمع الناس في مشهد يعكس روح الوحدة والتآلف، ثم تتبعها الزيارات العائلية وتبادل التهاني بين الأقارب والجيران، إضافة إلى توزيع العيديات على الأطفال والاجتماع حول موائد الطعام، وهي ممارسات اجتماعية تسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية وتقوية أواصر المحبة بين أفراد المجتمع.

ويؤكد أن العيد يشكّل فرصة مهمة لالتقاء الأجيال المختلفة داخل الأسرة الواحدة والمجتمع المحلي، إذ يجتمع الأبناء والأحفاد مع الآباء والأجداد، ويتبادلون الأحاديث والذكريات والخبرات الحياتية، الأمر الذي يسهم في تعزيز الاحترام المتبادل بين الأجيال ونقل القيم والعادات والتجارب الاجتماعية من الجيل الأكبر إلى الجيل الأصغر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى