ثقافة وأدب

“دمشق تغني ليوسف وسليمى”

هيام سلوم

 

 

لم تكن دمشق مدينة تعاش فقط بل تشبه أنثى جميلة عاشقة حين تقترب منها تشمّ رائحة الياسمين، وحين تبتعد عنها يبقى شيء منها عالقًا في الروح.

دمشق التي شهدت ملوكًا وغزاةً وشعراء وعشاقًا، كانت تعرف قبل يوسف وسليمى أن بعض الحب لا يُكتب له أن يكون بيتًا، بل يُكتب له أن يكون أسطورة.

دمشق لم تحفظ التاريخ وتحفظ في جدرانها ارتعاشات قلوب لقصص لم تُكتب، كم من ملكٍ عبر دمشق، وكم من شاعرٍ أنشدها، وكم من عاشقٍ ظنّ أنه أول من أحب فيها!
لكنها كانت تعرف أن الحب، مثل الياسمين، يتجدد ولا يموت.

 

مدينةً عرفت السلطة والفقر، المجد والانكسار، دمشق لم تكن تغني بصوتٍ يُسمع، بل بصوتٍ يُحَسّ في القلب في حفيف الياسمين، وفي وقع الخطى على حجارتها العتيقة،
وفي النافذة التي بقيت مفتوحةً رغم الغياب.

دمشق التي تعرف أن يوسف وسليمى لن يكونا عاشقين عابرين في تاريخها
كانا سطرًا جديدًا في كتاب عشقٍ بدأ قبل أن يعرف الناس كيف يكتبون.

دمشق، تلك الأنثى التي شاخت الحضارات على كتفيها ولم تشخ هي احتضنت حكاية يوسف وسليمى كما تحتضن الأم سرّ ابنتها، ثم تركته للزمن كي يحوّله من قصة حب إلى أغنية.

 

“دمشق تغني ليوسف وسليمى”
عنوان الرواية
وهو ليس مجرد عنوان شاعري، بل جزءًا من بنية الرواية نفسها.

أريد أن أقول أن الكاتب أحياناً لا يكتب الرواية لأنه قرر أن يكتبها، وإنما لأن حكايةً ما تظلّ تطارده، حتى يجد نفسه مضطرًا لأن يمنحها حياةً على الورق.

وهكذا بدأت معي حكاية «دمشق تغني ليوسف وسليمى». قبل أن تكون هناك صفحات، وشخصيات، وأحداث كانت هناك دمشق التي عبرت على كتفيها الحضارات، ومشى في أزقتها الملوك والشعراء والعشاق، وبقيت تحفظ أسرارهم جميعًا.

ومن هنا سألت نفسي: ماذا لو كانت دمشق شاهدةً على قصة حب لا تستطيع أن تنقذ أصحابها منها؟
ماذا لو أحبّ شاب فقير، شاعر ونجار، فتاةً من بيتٍ كبير، من بيت العظم.
ماذا لو كان بين قلبين كل هذا الحب ولكن بينهما مجتمع كامل بكل طبقاته وعاداته وخوفه؟

يوسف لم يكن يملك من الدنيا إلا يديه، ومهنته، وشعره، وقلبًا يعرف كيف يحب.
وسليمى كانت ابنة بيتٍ له مكانته، لكنها أمام الحب لم تكن ابنة عائلة، ولا ابنة طبقة كانت امرأةً وجدت نفسها أمام قلب اختارته.

لكن الحب وحده لا يكفي دائمًا لكي يصنع حياة.
وهذه هي المسافة التي حاولتُ أن أكتبها في الرواية:

المسافة بين ما يريده القلب، وما يسمح به المجتمع.

ولذلك لم أريد أن تكون دمشق مجرد مسرحٍ للأحداث.

أردتها أن تكون شخصيةً من شخصيات الرواية.
أن تسمع يوسف حين يقول شعره، وأن ترى سليمى وهي تمشي في أزقتها، وأن تحفظ خطواتهما، وأن تحمل سرّهما بعد أن يعجز العاشقان عن حمله.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث لعاشقين أن تتحول قصتهما بعد رحيلهما إلى ذاكرة مكان.

ولهذا قلت: دمشق تغني ليوسف وسليمى لأنني أؤمن أن بعض قصص الحب لا تنتهي عندما يفترق أصحابها؛ بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد ذلك.

اليوم، وأنا أقف أمامكم، لا أشعر أنني أقدّم لكم رواية فقط.

أشعر أنني أقدّم لكم حكايةً عاشت في دمشق، ثم جاءت إليّ وطلبت مني أن أكتبها.

هل كانت دمشق شاهدةً على حب يوسف وسليمى؟
أم أنها كانت عاشقتهما الثالثة؟ أترك الحكم لكم
أيها الأحبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى