بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

قيمة في الحاوية.. (النفايات مورد اقتصادي لم نستثمره كاملًا)

بدر بن محفوظ القاسمي

 

 

منذ سنوات كتبت متسائلًا: لماذا ننظر إلى مخلفاتنا باعتبارها شيئًا انتهت قيمته، فيما تنظر إليها دول أخرى باعتبارها مادة أولية تبدأ منها قيمة جديدة؟
كان السؤال يومها يدور حول إعادة التدوير؛ عن الحديد والألمنيوم والورق والإطارات وما نلقيه بعيدًا، ثم نشتري بعضه مرة أخرى بعد أن مرّ بمصنع، واكتسب اسمًا جديدًا وسعرًا جديدًا. وكنت أرى أن التدوير لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه شأنًا بيئيًا فقط، بل بمنظور اقتصادي واستثماري يزيد القيمة المضافة ويسهم في تنويع مصادر الدخل.

أما اليوم، فقد تغير السؤال؛
لم يعد :
هل نستطيع تدوير النفايات؟
بل أصبح :
كم ريالًا ندفن كل يوم مع ما ندفنه منها؟
فالاقتصاد الحديث بدأ يغيّر حتى تعريفه لكلمة «نفايات».
فما يغادر المنزل أو المصنع أو موقع البناء ليس بالضرورة نهاية دورة الاستهلاك؛ فقد يكون بداية دورة إنتاج أخرى.
وهنا يكمن الفارق بين اقتصاد يرى الحاوية آخر الطريق، واقتصاد يراها بداية دورة إنتاج، لا نهاية دورة استهلاك.

من النفايات إلى المورد..

الأرقام العُمانية اليوم تجعل هذا السؤال أكثر استحقاقًا للنقاش.
فقد أشار تقرير رؤية عُمان 2040 للفترة 2024–2025 إلى وصول نسبة النفايات المعاد تدويرها إلى نحو 38% من إجمالي النفايات المنتجة وطنيًا، وارتفاع عدد مصانع إعادة تدوير النفايات الصلبة والسائلة إلى 82 مصنعًا، إلى جانب تدشين منصة لتداول النفايات القابلة لإعادة التدوير في عام 2024، تتيح للمنتجين والمعالجين والمستثمرين عرض تلك المواد والمزايدة عليها إلكترونيًا.
لكن البيانات المنشورة عن عام 2025 ترسم صورة أحدث؛ إذ بلغ عدد مصانع إعادة التدوير 85 مصنعًا، فيما بلغت نسبة النفايات المعاد تدويرها 38.04% من إجمالي النفايات القابلة لإعادة التدوير.
ويجب الانتباه إلى أن طريقة احتساب هذه النسبة ليست مطابقة بالضرورة للمؤشر الوارد في تقرير الرؤية؛ ولذلك لا أتعامل معها باعتبارها مقارنة سنوية مباشرة، بل مؤشرًا أحدث على حجم النشاط القائم.

وهذه الأرقام مهمة.
لكن الأهم من الرقم هو تغيّر فلسفة الرقم.
فعندما يصبح للمخلّف سوق، ومشترٍ، ومصنع، وتقنية، ومنصة تداول، فإنه يبدأ بالخروج من قاموس «التخلص» والدخول في قاموس الأصول الاقتصادية.

وهنا أرى أننا بحاجة إلى خطوة فكرية تسبق الخطوة الصناعية:
علينا أن نتوقف عن تسمية كل ما نرميه نفايات.
فالحديد ليس نفاية بالضرورة.
والألمنيوم ليس نفاية.
والورق والزجاج والإطارات المستهلكة ومخلفات البناء ليست جميعها أشياء انتهت قيمتها.
إنها مواد فقدت وظيفتها الأولى، لكنها لم تفقد بالضرورة قيمتها الثانية.
وهذا في جوهره ما يقوم عليه الاقتصاد الدائري: إبقاء المورد داخل الدورة الاقتصادية أطول فترة ممكنة، بدل أن نأخذه من الأرض، ونصنعه، ونستهلكه، ثم نعيده إلى الأرض في صورة مكب صناعة لا خدمة فقط.

ومن هنا يبدأ السؤال الأهم:
ماذا لو تعاملنا مع النفايات باعتبارها قطاعًا صناعيًا، لا خدمة بلدية فقط؟
الفرق هائل.
عندما ننظر إليها بوصفها خدمة، يصبح السؤال: كيف نجمعها؟ وأين ننقلها؟ وأين نتخلص منها؟
أما عندما ننظر إليها بوصفها اقتصادًا، فإن الأسئلة تتغير:
ما الذي تحتويه؟ وما قيمته؟ ومن يستطيع تصنيعه؟ وما الذي يمكن أن يُنتج منه؟ وكم نستورد من منتجات كان بالإمكان إنتاج جزء منها من مواد خرجت أصلًا من بيوتنا ومصانعنا؟
وكم مؤسسة صغيرة ومتوسطة يمكن أن تولد حول هذه السلسلة؟
وكم وظيفة يمكن أن تنشأ بين الجمع والفرز والنقل والمعالجة والتصنيع والتقنية والتسويق؟

عندها لا تعود سيارة جمع النفايات نهاية المشهد، بل تصبح أول مركبة في سلسلة إمداد صناعية جديدة.
وهذه، في تقديري، هي النقلة التي تستحق أن نعمل عليها.
والواقع أن بعض ملامحها بدأت بالفعل.
فتقرير الاستدامة لشركة «بيئة» لعام 2024 يتحدث عن تحويل مسارات من النفايات إلى فرص لخلق القيمة، ومن أمثلتها إدارة الإطارات المنتهية صلاحيتها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة والاستفادة منها في استرداد الطاقة، ومنها توريد الوقود المشتق من الإطارات إلى شركة أسمنت عُمان لاستخدامه في صناعة الأسمنت.
وهذا يعني أننا لم نعد أمام فكرة نظرية بالكامل.
هناك بنية تتشكل، ومصانع، ومنصات، وتقنيات، ومسارات صناعية جديدة.
لكن الحلقة التي تستحق مزيدًا من البناء هي أن يتحول المواطن والمؤسسة الصغيرة والمستثمر من مجرد منتج للنفايات إلى شريك في سوق الموارد المسترجعة.
اقتصاد يبدأ من المنزل
وهنا يمكن أن تبدأ ثقافة مختلفة منذ المنزل.
ليس لأن فصل الورق عن البلاستيك سلوك حضاري جميل فحسب، وإنما لأننا نريد أن يعرف الطفل منذ صغره أن المادة التي يحملها في يده قد تظل لها قيمة حتى بعد انتهاء حاجته إليها.
نحتاج إلى جيل لا يسأل فقط:
أين أرميها؟
بل يسأل:
إلى أين ستذهب بعد أن أرميها؟
وهذا السؤال الصغير قادر على تغيير اقتصاد كامل.
ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك.
لماذا لا تصبح بعض مراكز التجميع مستقبلًا نقاطًا اقتصادية ذكية، يعرف الفرد من خلالها وزن ما أعاده وقيمته، ويحصل مقابل ذلك على حافز أو نقاط أو منفعة؟
ولماذا لا يرتبط الفرز من المصدر مستقبلًا بمنظومة حوافز تجعل المواطن والمؤسسة جزءًا من سلسلة القيمة، بدل أن يبقيا في بدايتها مجرد منتجين للمخلفات؟
إن الاقتصاد الدائري لن يكتمل بالمصنع وحده؛ فهو يبدأ قبل المصنع بكثير، من الطريقة التي ننظر بها إلى المادة بعد انتهاء استخدامها الأول.
المؤشر الذي ينقصنا
وهنا أصل إلى ما أراه جوهر القضية.

لدينا أرقام عن النفايات، ونسب للتدوير، وأعداد للمصانع، وبيانات عن أنواع المواد المعاد تدويرها، وهي بيانات مهمة وتنشر هيئة البيئة مجموعات خاصة بإحصاءات المصانع وكميات النفايات المعاد تدويرها.
لكن لماذا لا نضيف إلى هذه المنظومة مؤشرًا آخر:
القيمة الاقتصادية المستردة من النفايات في سلطنة عُمان؟
مؤشر لا يكتفي بإخبارنا عن عدد الأطنان التي أعدنا تدويرها، وإنما يحاول الإجابة عن أسئلة أكثر اتصالًا بالاقتصاد:
كم ريالًا من القيمة أُعيد إلى الدورة الاقتصادية؟
وكم مادة خام جرى الاستغناء عن استيرادها أو استخراج بديل جديد لها؟
وكم منتجًا محليًا خرج من مواد كان مصيرها سابقًا المكب؟
وكم مؤسسة صغيرة ومتوسطة نشأت حول هذه السلسلة؟
وكم فرصة عمل ولّدها الاقتصاد الدائري؟
فالنسبة تخبرنا كم أنقذنا من المكب،
أما القيمة فتخبرنا كم صنعنا من الاقتصاد.
وهنا، في رأيي، تكمن الخطوة التالية.
لا نريد أن نقيس نجاحنا بعدد الأطنان التي لم ندفنها فقط، وإنما بما استطعنا أن نسترده منها من مواد وطاقة وفرص ومشروعات وقيمة محلية.
وعندها تصبح المعادلة:
مخلفات أقل إلى المرادم ← مواد أكثر إلى المصانع ← واردات أقل حيثما أمكن ← قيمة محلية أعلى ← فرص جديدة للاقتصاد.

من سؤال الأمس إلى سؤال الغد..

قبل سنوات كنت أسأل في مقالي السابق: هل تستطيع السلطنة الاستفادة من التجربة الألمانية وغيرها من التجارب المتقدمة في إدارة النفايات، بما يتناسب مع ظروف عُمان وخصوصيتها؟
كان ذلك سؤال مرحلة.
أما اليوم، ومع وجود عشرات المصانع، ومنصة لتداول النفايات القابلة لإعادة التدوير، ومشروعات تتجه إلى استرداد المواد والطاقة، فإن السؤال الذي يليق بالمرحلة المقبلة أصبح مختلفًا:
هل تستطيع عُمان أن تصنع تجربتها الخاصة، بحيث لا تصبح النفايات ملفًا بيئيًا نديره جيدًا فحسب، بل موردًا اقتصاديًا نصنع منه قيمة؟
فالاقتصادات الذكية لا تبحث عن الثروة في باطن الأرض وحده.
أحيانًا تكون الثروة أمام أعيننا…
تمر كل صباح أمام بيوتنا في شاحنة، ونحن نظن أنها ذاهبة للتخلص من شيء انتهى.

بينما قد تكون تحمل مادةً لاقتصاد لم يبدأ بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى