بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

العالم يموت اختناقاً

هيام سلوم 

 

يقول المثل الإنجليزي:
«لا تصارع خنزيرًا في الوحل، فهو سيستمتع، وأنت ستتسخ.»

ليست الحكمة في الخنزير، بل في الوحل.
فالوحل هنا هو كل مساحةٍ يهبط إليها الإنسان حين ينسى قيمة الكلمة، فيستبدل الحوار بالشتيمة، والحجة بالسخرية، والاختلاف بالتجريح.
هناك أناسٌ حين تحاورهم يرتفع بك الحوار، لأنهم يعرفون أن الاختلاف لا يفسد الاحترام.

العاقل لا يدخل كل معركة تُفتح أمامه.
يعرف أن بعض المعارك خسارتها انتصار.
كثير من النقاشات لا تحتاج إلى جواب، بل إلى انسحاب هادئ لأنك حين تجادل شخصًا لا يريد أن يفهم، تمنحه فرصةً لأن يسحبك إلى مستواه.

والنفوس الراقية تشبه الماء الصافي ، لا تحتاج إلى أن تصرخ كي تثبت أنها عميقة.
أما النفس المضطربة، فقد تثير الغبار كلما اقتربت منها.

لذلك ليس كل صمتٍ عجزًا، ولا كل انسحابٍ هزيمة
فاختر معاركك كما تختار كلماتك، واحفظ نقاءك .

العالم لا يموت دائمًا بسبب الحروب الكبرى، ولا بسبب الكوارث التي تهزّ الأرض.
العالم يموت اختناقًا بالكراهية، والصراعات الصغيرة والاستنزاف.
العالم اليوم مزدحم بالمعلومات، لكنه فقير بالمعنى.
مزدحم بالاتصالات، لكنه أكثر وحدة.
الجميع يتحدث،وقلّة يصغون.
صرنا نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يعرف ما يحدث في أقصى الأرض خلال ثوانٍ،
لكنه قد لا يعرف ماذا يحدث في قلب أخيه وجاره الجالس إلى جانبه.
العالم يحتاج اليوم إلى مساحة أكبر من الوعي،
يحتاج إلى إنسان يعرف أن الرحمة ليست ضعفًا،
وأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا بدل أن تكون سكينًا.

يحتاج إلى قلوب تتعلم أن الحياة أقصر من أن نملأها بالخصومات،
وأن أعمارنا أثمن من أن نهدرها في مراقبة من أساء إلينا.
العالم يموت اختناقاً، لا لأن الهواء قليل، بل لأن النفوس أصبحت تحمل فوق طاقتها من الحمولات
ولذلك ربما تكون الحكمة اليوم ليست في أن ننتصر على الجميع، بل في ألا نخسر أنفسنا ونحن نحاول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى