
قوة العدو .. في فسيفساء المذاهب الإسلامية
سُلطان بن خلفان اليحيائي
في خضم هذا المشهد العربي والإسلامي المضطرب تتزاحم الخصومات والاتهامات حتى أصبح بعضنا يرى في أخيه خصمًا قبل أن يرى في الخارج عدوًا.
وأصبح المذهب في أحيان كثيرة عنوانًا للحكم على الأشخاص والمواقف. وبينما تتسع دائرة الشك والعداء بين أبناء الأمّة الواحدة يتراجع السؤال الأخطر : من الذي يستفيد من هذه الفسيفساء عندما تتحول ألوانها المتعددة من لوحة تجمعنا إلى شقوق يتسلل منها من يريد إضعاف الأمة وضرب جذعها من الداخل؟!.
ليس الاختلاف المذهبي في ذاته هو المشكلة.
فقد عرف التاريخ الإسلامي مدارس واجتهادات متعددة، واختلف العلماء في مسائل كثيرة دون أن يعني ذلك سقوط رابطة الدين أو تحول الاختلاف إلى عداوة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المذهب من اجتهاد في فهم الدين إلى هوية سياسية مغلقة، ومن مساحة للتنوع إلى معيار للولاء والعداء، ومن اختلاف في الفروع إلى خصومة تهدم الأصل المشترك.
فليس المطلوب أن نهدم تعدد المذاهب، وإنما أن ندرك أين ينبغي أن يكون الاعتصام الذي يجمع الأمة. فالله سبحانه وتعالى لم يقل : واعتصموا بالمذاهب ولا تتفرقوا، وإنما قال في كتابه الحكيم : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
فالمذهب اجتهاد بشري في فهم الدين، أما حبل الله فهو الجامع الذي أمرنا أن نعتصم به جميعًا.
وتبدأ المشكلة عندما نرفع ما هو اجتهاد بشري إلى مرتبة تجعل منه معيارًا للولاء والعداء، فنختلف في الفرع حتى نتقاتل على الأصل.
والعدو لم يصنع كل خلافاتنا، لكنه عرف كيف يستثمرها. عرف كيف يحول الشقوق الصغيرة إلى فواصل، والفواصل إلى خنادق، والخنادق إلى عداوات تستنزف الأمة من داخلها.
وما كان يمكن أن يبقى اختلافًا في الرأي أو المذهب؛ أصبح في مراحل كثيرة مدخلًا للصراع السياسي، واستدعاءً للقوى الخارجية، حتى وجد الغريب من أبناء الأمة من يفتح له الباب، بقصد أو بغير قصد، ويمنحه من الداخل ما لم يكن قادرًا على انتزاعه من الخارج.
والأخطر أن يتحول بعض أبناء هذا الدين إلى مطية لمشاريع خارجية، فتغدو حماية المذهب أهم من حماية الأرض والانتصار على المخالف أهم من مواجهة المعتدي. عندها لا يعود السؤال : من احتل الأرض؟ ومن اعتدى؟ ومن انتهك الحقوق؟ بل يصبح : من أي مذهب هو؟ ومن يقف خلفه؟ وكأن المذهب أصبح معيار الحق والباطل، بينما يتراجع معيار العدوان والاحتلال والظلم.
وهنا يحق لنا أن نسأل بصراحة : أين صيحة الجهاد من هذه الفسيفساء؟ وأين الصوت الذي يرتفع في وجه الاحتلال والعدوان وانتهاك الحقوق؟ وهل سمعنا من بعض الذين يتصدرون مشهد التصنيف والتخوين الصوت نفسه في مواجهة العدو؟ أم أن الحناجر تكون أشد ارتفاعًا عندما يكون الخصم من أبناء الأمة، ثم تخفت عندما يتعلق الأمر بعدوان يقع على أرض عربية أو إسلامية؟
والجهاد ليس شعارًا يرفع لتصفية الحسابات بين المسلمين، ولا راية لتكفير المخالف أو استباحة دمه، وإنما هو مفهوم شرعي له ضوابطه ومقاصده ويرتبط بالحق والعدل والدفاع المشروع.
ولذلك فإن اختزاله في الخصومة المذهبية ليس انحرافًا عن معناه فحسب، بل خدمة مجانية لمن يريد للأمة أن تنشغل بنفسها عن قضاياها الكبرى.
ومن المفارقات المؤلمة أن نختلف مع مسلم لأنه ليس على مذهبنا، ثم نبحث عن المبررات لقوى خارجية لا يجمعنا بها دين ولا تاريخ ولا أرض. أو أن نرى من يتصدى للعدوان فنحاكمه أولًا إلى مذهبه قبل أن نحاكم الموقف إلى فعله. فلماذا نلوم من يتصدى للعدو نيابة عنا لمجرد أنه لا ينتمي إلى المذهب الذي ننتمي إليه؟!.
هذا لا يعني أن كل من يرفع راية المقاومة معصوم من الخطأ، ولا أن كل مشروع يواجه عدوًا يصبح مشروعًا مقدسًا لا يجوز نقده. فالأفعال تحاسب، والمشاريع تناقش، والحقوق لا يجوز أن تكون أدوات في صراعات سياسية. لكن العدل يقتضي ألا يكون المذهب وحده معيارًا للعداوة، وأن نحاكم المواقف إلى أفعالها ومشاريعها، لا إلى أسمائها وانتماءاتها.
لقد آن للأمة أن تعيد ترتيب أولوياتها. فالتعدد المذهبي يمكن أن يكون ثراءً إذا بقي في إطار التنوع، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى جدران تعزل المسلمين بعضهم عن بعض، ثم تتحول الجدران إلى خنادق يتقدم منها الخصم دون أن يضطر إلى اقتحامها.
إن قوة العدو لا تكمن دائمًا في قدرته على اختراق صفوفنا، بل أحيانًا في قدرته على جعلنا نخترقها بأنفسنا. وحين يصبح المسلم منشغلًا بإسقاط المسلم الآخر أكثر من انشغاله بمواجهة العدوان، يكون العدو قد حقق أخطر انتصاراته دون أن يطلق رصاصة واحدة.
فيا أمة الإسلام..
ليست قضيتنا أن تتعدد مذاهبنا وتتنوع اجتهاداتنا، وإنما قضيتنا أن يتحول هذا التنوع إلى سبب للفرقة والعداء. ولسنا مطالبين بأن نتفق في كل شيء، بل أن نعرف أين يكون الاختلاف رحمة، وأين يتحول إلى أداة لهدم المشترك. فالأمة التي تعرف عدوها لا تسمح لخلافاتها أن تتحول إلى خنادق يحتمي خلفها خصمها.
فإذا كان العدو قد عرف كيف يدخل من شقوقنا.
أفلا آن لنا أن نغلقها قبل أن نبحث عن أبوابه؟
وأفلا آن لنا أن نراجع مقاعدنا حول طاولة اجتماعاتنا الاستراتيجية؟
فليس كل من جلس معنا شريكًا في أمننا.
وليس كل من ابتسم لنا حريصًا على بقاء تعاوننا واستقرارنا.












