بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

وين الشعب العربي وين؟!.. “من صلالة إلى ألمانيا”

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

 

أحيانا لا تحتاج الأمة إلى خطب طويلة حتى تدرك حجم المفارقة التي تعيشها. يكفي أن تضع مشهدا إلى جوار مشهد، ثم تصمت قليلا وتسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن يتحدث باسم أمن هذه المنطقة؟ ومن يقرر مستقبلها؟ ومن يدفع ثمن قراراتها؟

في صلالة كان يفترض أن تلتقي إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق، على أرض عُمان، لبحث مستقبل مضيق هرمز وما يتصل به من أمن الملاحة والاستقرار والتعاون الإقليمي.

وجاء ذلك في سياق مشاورات عُمانية إيرانية حول ترتيبات الملاحة في المضيق، مع التأكيد على أهمية إشراك دول المنطقة في النقاش. ثم أُعلن تأجيل الاجتماع حرصا على تحقيق التوافق.

قد يقول قائل: وما المشكلة في تأجيل اجتماع لم تتهيأ له ظروفه؟

لا مشكلة في التأجيل إذا كان الهدف الوصول إلى توافق أفضل.

لكن المشكلة تبدأ عندما نقارن بين صورتين..

صورة صلالة، حيث كان يفترض أن تجلس الدول المتشاطئة على الخليج مع بعضها، تبحث في مضيق يقع في قلب جغرافيتها، ويؤثر مباشرة في أمنها واقتصادها ومستقبلها.

وصورة ألمانيا، حيث كُشف عن اجتماع عسكري مغلق جمع قادة عسكريين من إسرائيل والولايات المتحدة وعددا من الدول العربية، بينها دول خليجية، لمناقشة الحرب مع إيران والتحديات الأمنية في المنطقة.

هنا لا بد أن نتوقف..

ليس السؤال: لماذا تجتمع الدول العربية مع الولايات المتحدة؟ فهذا معروف في العلاقات الدولية.

وليس السؤال: هل لإيران سياسات تختلف معها دول الخليج؟ فهذا أيضا أمر معلن لا يحتاج إلى شرح.

ما يحيّر المواطن الخليجي أن أمن المنطقة الذي يمس حياته ومستقبل أبنائه يمكن أن يكون موضوعا لاجتماعات عسكرية مع إسرائيل والولايات المتحدة في ألمانيا، بينما يتعثر الحوار بين دول الخليج وإيران والعراق حول قضية تمس أمن الجميع في اجتماع صلالة.

فلماذا لا تكون دول المنطقة هي صاحبة الطاولة الأولى في بحث أمنها؟ وهل فقدنا القدرة على صناعة أمننا بقرارنا، أم أننا فقدنا الإرادة لذلك، حتى غدت حسابات المصالح والتحالفات أسبق من إرادة المنطقة في صناعة أمنها؟

أي مفارقة هذه ؟!..

وأي مستقبل نصنعه لأبنائنا عندما يصبح الخارج طرفا أصيلا في رسم أمن منطقتنا، بينما يبقى الجار مع جاره أسير الحسابات والشكوك والاصطفافات؟

لقد قيل لنا كثيرا إن التحالفات الخارجية ضرورة لحماية أمن الخليج، وإن الوجود العسكري الأجنبي جزء من معادلة الاستقرار، وإن هذه الترتيبات إنما وجدت من أجل الأوطان ومواطنيها.

إذا كانت الأوطان ومواطنيها هي الغاية، فمن حقهم أن يسألوا.

وإذا كان الأمن هو الهدف، فمن حقهم أن يعرفوا:
أمن من؟
وضد من، طالما أن التطبيع جارٍ مع العدو؟
وإلى أين تسير الحكومات بالأجيال القادمة؟

شعوب اليوم ليست كشعوب الأمس. فقد تطور وعيها واتسعت قدرتها على المعرفة والمتابعة، وصارت المعلومة تصل إليها في لحظتها، بفضل ما أحدثته التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة من تغيير في طريقة فهم الأحداث ومتابعتها. وصارت الشعوب أكثر حضورا في متابعة ما يدور حولها وفهم أبعاده. فالشعوب ليست خزائن تمول الحروب، ولا أسواقا لشراء السلاح، ولا جماهير مطالبة بالتصفيق عندما تبدأ المواجهات ثم الصمت عندما تصل الفاتورة.

ليت شعري، ما هذه المأساة ونحن نرى أمتنا تتكسّر هيبتها عاما بعد عام أمام أعيننا؟ وما قيمة الأمن والاستقرار إذا كنا نعيش في إقليم تتوالى عليه الأزمات، ويكبر أبناؤنا وهم يرون الحروب تشتعل من حولهم والدماء تسيل، والقرار يتنقل بين العواصم، فيما تتجلى حالة العجز في جسد الأمة العربية، حتى أصبح المشهد أثقل من أن تحتمله ذاكرة الشعوب.

وفي قلب هذا المشهد، لا تزال فلسطين تنزف، والقدس تنتظر، وغزة تواجه القتل والتهجير والحصار، فيما تتسع دوائر التنسيق العسكري في المنطقة، وتظهر إسرائيل في بعض هذه الترتيبات طرفا حاضرا في نقاش أمن المنطقة. إنها صرخة شعب يواجه الموت والتهجير ويتمسك بحقه في الحياة والأرض والكرامة. فهل نسمع هذه الصرخة؟ أم أن كثرة الاجتماعات والقمم والتحالفات جعلتنا نعتاد الألم حتى غدا مألوفا، لا يهز فينا شيئا؟

فأي زمن هذا الذي نعيشه ؟!..

وأي ذاكرة يُطلب من الشعوب أن تحتفظ بها ؟!..

لقد تعبت هذه الأمة من أن ترى أمنها مرهونا بالآخر، وقرارها موزعا بين العواصم، وثرواتها تنفق في سباقات التسلح، بينما المواطن يسأل عن مستقبله وعن أبنائه وعن ثمن الحياة.

والأصل أن يكون أمن الخليج شأنا تصوغه أولا الدول المتشاطئة على الخليج، وأن يكون أمن المنطقة شأنا يصوغه أهلها، قبل أن يتحول إلى ملف تتداوله العواصم البعيدة.

فنحن اليوم بحاجة ماسة إلى عقل سياسي يستعيد للمنطقة قدرتها على الحوار، ويضع مصالح شعوبها فوق المصالح الزائلة، ويجعل السيادة فعلا لا شعارا.

في خضم الأحداث الجارية، لا تطالب الشعوب حكوماتها بالمستحيل، وإنما تطالب بأن يكون لها صوت مسموع في القرارات التي تمس أمنها ومستقبلها، وأن تصنع دولها أمنها بقرارها، وأن تعود المنطقة إلى قاعدة بسيطة غابت وسط كثرة التحالفات: أن اختلاف الجيران لا يعني تسليم البيت للغريب.

ومن صلالة إلى ألمانيا تبقى الصورة معلقة أمام أعيننا.

طاولة كانت تنتظر أبناء المنطقة.

وطاولة أخرى جمعت بعضهم مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وبين الطاولتين يقف المواطن العربي، ينظر، ويسأل :

إذا كان الجميع يتحدثون عن أمننا، فمن يتحدث عنا؟

ألم يأن لنا كشعوب عربية أن نجيب عن صرخة الشعب الفلسطيني التي تتردد في وجدان الأمة : “وين الشعب العربي وين ؟!”..

فنقول : لبيك، نحن هنا. هنا شعوب لا تنسى فلسطين، ولا تتخلى عن قضايا أمتها، وتلتقي إرادتها مع حكمة قيادتها، فتكون الكلمة أصدق، والموقف أقوى، والطريق أوضح.

ولعلها لحظة وفاء لدماء الأحرار والمناضلين الذين بذلوا أرواحهم من أجل البقاء على أرض فلسطين، وأن نجعل من هذه الصرخة بداية جواب، لا أن تبقى مجرد سؤال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى