
حين يصبح الفناء احتمالاً.. من يحرس ما تبقّى من العقل البشري؟
هيام سلوم
يُحكى أن رجلاً سأل فيلسوفاً ذات يوم: ماذا ستفعل لو عرفت أن العالم سينتهي غداً؟ فأجابه: سأزرع شجرة. استغرب الرجل وسأله: ولماذا تزرعها إذا كان العالم سينتهي؟ فقال الفيلسوف: لأنني لا أريد أن أكون شريكاً في نهايته، حتى لو لم أشهد بدايتها!
لعل هذه الحكاية الصغيرة تختصر شيئاً كثيراً من المأزق الذي تعيشه البشرية اليوم؛ ففي الوقت الذي ينشغل فيه الإنسان بزراعة الخوف، ما زال هناك من يحاول زراعة الأمل، وفي الوقت الذي تتسابق فيه القوى الكبرى على امتلاك أدوات الردع والفناء، يقف ملايين البشر أمام شاشات الأخبار، يراقبون التصريحات العسكرية والتهديدات النووية، وكأنهم ينتظرون خبراً لا يعرفون إن كان سيأتي حاملاً الطمأنينة أم فاتحةً لأبواب المجهول.
لم يعد التهديد النووي مجرد ملف عسكري تتناقشه غرف العمليات المغلقة، أو ورقة ضغط تتبادلها الدول في مفاوضاتها السياسية، بل أصبح ظلاً ثقيلاً يمتد إلى الحياة اليومية للإنسان. هناك أمّ تتابع الأخبار وهي تفكر بأطفالها، وأبٌ يحسب المسافات بين بيته ومناطق التوتر، وشابّ يحاول أن يرسم مستقبله في عالم لا يعرف إن كان الغد سيشبه الأمس، وملايين البشر الذين لا يملكون صاروخاً ولا قراراً سياسياً، لكنهم قد يدفعون الثمن الأكبر إذا قرر أصحاب القوة اختبار حدود الجنون.
إن أخطر ما في السلاح النووي ليس قدرته على تدمير المدن وحدها، بل قدرته على تحويل المستقبل إلى مساحة من القلق الجماعي. فالإنسان الذي كان يخشى المرض والفقر والشيخوخة، أصبح مطالباً اليوم بأن يضيف إلى قائمة مخاوفه احتمال أن يتحول العالم الذي يعرفه إلى رماد في لحظة.
وهنا تبرز المفارقة الأخلاقية الكبرى: كيف استطاع العقل البشري أن يبلغ هذا القدر من التقدم العلمي، ثم يعجز عن بلوغ الحد الأدنى من النضج السياسي والإنساني الذي يحمي به إنجازاته؟
لقد اخترع الإنسان الطب ليؤجل الموت، والهندسة ليبني المدن، والفلسفة ليسأل عن معنى الوجود، والفنون ليمنح الحياة جمالاً يتجاوز قسوتها؛ ثم عاد فاخترع سلاحاً يستطيع أن يمحو في دقائق ما احتاجت الحضارة إلى آلاف السنين لتشييده.
ليست المشكلة في العلم، فالعلم في جوهره محاولة لفهم العالم وتخفيف معاناة الإنسان، وإنما المشكلة في العقل حين يفقد بوصلته الأخلاقية، وحين تتحول المعرفة إلى وسيلة للهيمنة بدلاً من أن تكون جسراً نحو الحياة.
لكن هل يكفي أن نحمّل السياسيين والعسكريين وحدهم مسؤولية هذا المشهد؟
بالتأكيد لا… فثمة أدوار متعددة لا بد أن تتكامل حتى لا يصبح العالم رهينة قرارات متسرعة.
على السياسي أن يدرك أن الزعامة ليست استعراضاً للقوة، وأن قيمة الدولة لا تُقاس بعدد الرؤوس النووية التي تمتلكها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وصناعة الاستقرار. وعلى الدبلوماسي أن يتذكر أن طاولة المفاوضات ليست علامة ضعف، بل ربما تكون آخر مساحة عاقلة تفصل العالم عن كارثة لا يمكن التراجع عنها.
أما العلماء، فعليهم أن يظلوا حراساً للضمير العلمي، وأن يضعوا الإنسان في مركز المعرفة، لا أن يسمحوا بتحويل اختراعاتهم إلى أدوات تهدد وجوده. وللمثقفين والفلاسفة والإعلاميين دور لا يقل أهمية؛ إذ عليهم مقاومة ثقافة التهويل، ومواجهة التضليل، وتحرير الوعي من أسر الشائعات والخطابات التي تجعل الخوف مادة للاستهلاك اليومي.
أما المواطن العادي، فليس مطلوباً منه أن يحمل مسؤولية إنقاذ العالم فوق كتفيه، لكنه يستطيع أن يحمي عقله من الانهيار، وألا يكون ناقلاً لكل خبر مرعب، وألا يسمح للشائعات بأن تتحول إلى حقائق في ذاكرته. فالوعي في زمن الأزمات شكل من أشكال المقاومة، والهدوء ليس إنكاراً للخطر، بل رفضٌ لأن يصبح الخوف سيداً على التفكير.
ولعلنا نحتاج اليوم إلى استعادة معنى الحكمة، تلك التي لا ترى في الانتصار سحق الآخر، ولا في امتلاك القوة مبرراً لاستخدامها، ولا في إخضاع العالم دليلاً على عظمة صاحبه.
إن الردع قد يمنع الحرب، لكنه لا يصنع السلام وحده، والتوازن العسكري قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يعالج جذور العداء. وحده الحوار الصادق، والاتفاقات الدولية الجادة، واحترام حياة الشعوب، قادرة على بناء أرضية أكثر أمناً للبشرية.
وما يزيد المشهد إيلاماً أن الإنسان الذي لا يستطيع أحياناً تأمين دواء لمريض، أو رغيف خبز لطفل، يجد نفسه أمام ميزانيات هائلة تُنفق على صناعة الموت. وكأن العالم يعاني من فائض في أدوات الإبادة وعجزٍ في أدوات الرحمة!
خاتمة:
ربما آن للبشرية أن تتوقف قليلاً أمام مرآتها وتسأل نفسها: ما جدوى أن نمتلك مفاتيح العالم إذا كنا لا نحسن العيش فيه؟ وما قيمة أن ننتصر في حروب لا يبقى بعدها أحد ليحتفل بالنصر؟
إن الأرض ليست ملكاً لجيل من السياسيين، ولا إرثاً عسكرياً تتوارثه الإمبراطوريات، إنها بيت مؤقت لمليارات البشر، ولأطفال لم يولدوا بعد، ولأحلام لم تجد طريقها إلى الحياة.
وليس من الحكمة أن ننتظر سقوط أول قنبلة كي نكتشف أن الحياة كانت تستحق كل تلك التنازلات التي رفضنا تقديمها من أجل السلام.
فالعظمة الحقيقية ليست أن تمتلك القدرة على إنهاء العالم، بل أن تمتلك الحكمة التي تمنعك من ذلك.
ولعل أعظم انتصار يمكن أن تحققه البشرية في هذا القرن، ليس أن تصل إلى سلاح لا يستطيع أحد هزيمته، بل أن تصل إلى وعيٍ يجعلها لا تحتاج إلى استخدامه.
دمتم سالمين.







