
كرامة الإنسان العماني ببن التنمية واختبار الاستجابة السريعة
سالم بن حمدان السيفي
في خضم الإرهاصات والتداعيات التي أصبحت تتفاقم والحالات التي تزيد، بات من الضرورة بمكان تفعيل أمانة المسؤولية الوطنية، والتي تتطلب منا جميعاً وقفة تدبر واعية أمام المشاهد الإنسانية المتكررة التي تطالعنا بين الفينة والأخرى في مختلف الولايات والمحافظات. وبما أن الإنسان هو غاية التنمية ومحورها الأساسي، وصون كرامته المعيشية يمثل الركيزة الأولى لأي بناء مؤسسي، وتراكم الخبرات، والسعي نحو الحوكمة والعدالة. وحين يلجأ المواطن إلى الفضاء الرقمي لبث معاناته، فإن ذلك يقرع ناقوس الخطر ليشير إلى وجود حلقة مفقودة بين الحاجة الماسة والاستجابة الإدارية المرجوة.
من هذا المنطلق، تتجلى الأهمية المحورية لتفعيل أدوار الأجهزة الرقابية، وفي مقدمتها جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، ليؤدي دوره الحيوي الناجز ليس فقط في تتبع المعاملات المالية، بل في قياس كفاءة الأداء الخدمي، ومحاسبة كل تقصير أو تراخٍ يمس حياة الناس ويتسبب في إبطاء وصول الدعم إلى مستحقيه. وعليه سنسلط الضوء على أسباب هذه الظاهرة وتداعياتها عبر قراءة نقدية وإنسانية تشخص مسببات الخلل في المنظومة الخدمية والاجتماعية، ونضع بين يدي صناع القرار حلولاً عملية نابعة من الحرص الصادق على رفعة الوطن وحفظ كرامة أبنائه.
وحين تطالعنا بين الحين والآخر مشاهد مؤلمة وحالات إنسانية ومعيشية قاسية تطفو على السطح في مختلف ولايات ومحافظات سلطنة عمان، وغالباً ما تتكشف تفاصيلها عبر مقاطع مصورة أو نداءات استغاثة يبثها المتضررون عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فإن هذه الظواهر المتكررة لا يمكن التعامل معها باعتبارها حالات فردية عابرة أو استثناءات شاذة، بل هي مؤشرات واضحة على وجود خلل بنيوي في قنوات التواصل المؤسسي وآليات الاستجابة السريعة للظروف الطارئة التي تواجه شرائح واسعة من المواطنين.
ولجوء المواطن إلى الفضاء الرقمي وعرض تفاصيل معاناته على الملأ لا يأتي من فراغ، ولا يعبر عن رغبة في الاستعراض أو إثارة الرأي العام، بل يمثل في الغالب الملاذ الأخير لمن أوصدت الأبواب في وجهه وتقطعت به السبل أمام تعنت البيروقراطية وبطء الإجراءات. وحين تغيب قنوات الإنصات الحقيقي وتتأخر الاستجابة الإدارية، يجد المكتوي بنار الحاجة أو الظلم نفسه مضطراً لكسر حاجز الصمت، مستخدماً أدوات العصر الحديث للوصول بصوته إلى أصحاب القرار بعد أن عجزت المكاتب المغلقة عن إنصافه.
وإذا ما تعددت المسببات التي تؤدي إلى تفاقم هذه الحالات، يأتي في مقدمتها قصور التنسيق البيني بين الجهات الحكومية والخدمية المعنية مثل وزارة التنمية الاجتماعية وصندوق الحماية الاجتماعية والجهات ذات الصلة بالتشغيل والإسكان. فكثيراً ما تعاني هذه المنظومة من جزر منغلقة وتداخل في الاختصاصات يضيع فيه الملف الإنساني بين ردهات المراجعات والاشتراطات البيروقراطية المعقدة، مما يفقد العمل المؤسسي روحه الإنسانية ويحيله إلى نصوص جامدة تعطل مصالح الناس بدلاً من تيسيرها.
وإذا ما توقفنا عند دور الحماية الاجتماعية، إذ يلعب صندوق الحماية الاجتماعية دوراً محورياً وشبكة أمن معيشي استراتيجية، غير أن التحدي الأكبر يكمن في مدى مرونة معايير الاستحقاق وقدرتها على استيعاب الحالات الطارئة التي تقع في المنطقة الفاصلة بين التشريعات العامة والوقائع الحياتية القاسية. وتبرز المعالجة البيروقراطية البحتة التي تعتمد على الأرقام والمعايير الجامدة وحدها دون دراسة ميدانية عميقة للواقع المعيشي، والتي غالباً ما تفشل في التقاط الفئات الأكثر هشاشة، مما يخلق فجوة واسعة بين الغايات السامية للتشريعات والواقع الفعلي للمواطن.
كما تتحمل وزارة التنمية الاجتماعية مسؤولية مضاعفة باعتبارها خط الدفاع الأول في حماية النسيج الاجتماعي وضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لكل مواطن. وحين تتأخر التدخلات الإنسانية لهذه الوزارة أو تتقاعس عن تقصي الحالات المتضررة قبل تفاقمها، فإنها تفرغ دورها الاجتماعي من مضمونه الحقيقي وتتحول إلى جهة تلقي بالتقارير دون حلول جذرية تقتلع المأساة من جذورها وتوفر حياة كريمة ومستقرة للأسر المتعففة.
ولا يمكن إعفاء القيادات الإدارية والمسؤولين التنفيذيين في مختلف المؤسسات من المسؤولية الأخلاقية والمهنية تجاه هذه الظواهر، فالمسؤولية تكليف لا تشريف وكرامة المواطن خط أحمر لا يمكن التهاون فيه. وحين يتقاعس أي مسؤول عن أداء واجبه أو يتعالى على مراجعي دائرته ويغلق بابه أمام أصحاب الحاجات، فإنما يسيء إلى الأمانة التي حمل إياها ويقوض جهود الدولة في ترسيخ العدالة الاجتماعية وبناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
من هنا تبرز الحاجة الملحة والماسّة لتفعيل دور جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة ليس فقط في جانب رصد المخالفات المالية البحتة، بل ليطال الرقابة على كفاءة الأداء الخدمي والاجتماعي ومحاسبة كل مسؤول مقصر أو متراخٍ في خدمة المواطنين. فغياب المساءلة الصارمة والواضحة للمقصرين يكرس ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع على استمرار التعالي الإداري، بينما يشكل تفعيل المحاسبة رادعاً حقيقياً يضمن استيقاظ الضمير المهني لدى كل من تسول له نفسه تعطيل مصالح الناس.
وتتطلب معالجة هذه الإرهاصات الهيكلية صياغة استراتيجية وطنية متكاملة ترتكز على تأسيس فرق استجابة ميدانية سريعة ترتبط مباشرة بالجهات العليا وتملك صلاحيات استثنائية للتدخل الفوري وحل الحالات الإنسانية الطارئة دون انتظار الدورة المستندية الطويلة. وهذه الفرق يجب أن تكون استباقية تبحث عن المحتاج والمتضرر في قراه وولاياته قبل أن يضطر للنزول إلى الشارع أو نشر مظلمته عبر الفضاء الرقمي.
كما ينبغي إعادة هندسة العمليات الإدارية في المؤسسات الخدمية والاجتماعية عبر تبسيط الإجراءات وإلغاء التعقيدات غير الضرورية التي تتخذ أحياناً كأعذار لتعطيل المعاملات. إن التحول الرقمي الحقيقي يجب ألا يكون مجرد شعارات تقنية شكلية، بل أداة فاعلة لشفافية الإجراءات وتتبع مسار كل طلب مقدم، بما يضمن عدم ضياع حقوق المواطنين بين الأقسام والمكاتب ويحدد بدقة جهة المسؤولية عند التأخير.
إلى جانب ذلك، تبرز الأهمية القصوى لتأهيل وتدريب الكوادر الوظيفية الأمامية في مختلف الوزارات والجهات الحكومية على مهارات التواصل الإنساني وحل المشكلات وإدارة الأزمات. إن الموظف الذي يتعامل مع مآسي المواطنين ببرود إداري أو استعلاء لا يصلح للجلوس على مقاعد خدمة العملاء؛ فالحس الإنساني والتعاطف الواعي هما ركيزتان أساسيتان يجب أن تتوفرا في كل من يتولى شؤون الناس وقضاء حاجاتهم.
إن تكرار هذه الظواهر يمثل ناقوس خطر حقيقي يدعو كافة المؤسسات المعنية إلى مغادرة أبراجها العاجية والنزول إلى الميدان لملامسة النبض الحقيقي للمجتمع العماني الأصيل الذي جبل على التكافل والتستر، ولكن الظروف المعيشية الضاغطة قد تكسر هذا التستر أحياناً. إن حماية كسوة المواطن وصون كرامته الإنسانية هو المعيار الحقيقي لنجاح أي خطة تنموية، وهو ترجمة عملية للرؤى الوطنية السامية التي تضع الإنسان العماني في قمة أولوياتها.
ختاماً، إن الوطن بأسره يتطلع إلى مرحلة جديدة عنوانها الحزم الإداري والعدالة الاجتماعية الناجزة، حيث لا مكان لمسؤول متراخٍ ولا مجال لتجاهل صرخة محتاج. إن تكاتف الجهود بين المؤسسات الرقابية والتنفيذية والمجتمع المدني كفيل بطي هذه الصفحة المؤلمة، وإعادة الثقة الكاملة بين المواطن وأجهزته الحكومية، بحيث ينام كل مواطن وهو يثق بأن دولته قريبة منه ترعى شؤونه وتحفظ كرامته قبل أن يضطر للبوح بأوجاعه على الملأ.








