بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

تراجيديا الألم وطوابير التأمل

​سالم بن حمدان السيفي

 

​عجبا لمن يقول إن الفلسفة تحتاج بالضرورة إلى أبراج عاجية، أو أن التأمل الوجودي يستوجب قاعات درس مكيفة وعقولاً خلت من هموم الفواتير

​بل إن الحقيقة المرة التي لا يجرؤ عليها كتبة التقارير هي تلك الفلسفة الحقيقية التي وُلدت عارية، حافية القدمين، جالسة طوال اليوم على رصيف الانتظار بانتظار ختم رسمي من موظف ينظر إلى شاشته بملل قاتل، بينما ينعكس ضوء النيون الأزرق البارد على عدسة نظارته، متجمعاً بحركة روتينية لا شعورية بقلمه الخشبي على طاولة بيضاء باهتة ليخبرك بصوت أليف وميت: المعاملة لم تصل بعد، عُد الأسبوع القادم

​وبما أننا نحن الآن لسنا حيال تأملات كلاسيكية في كنه الوجود ومطلق الأشياء، بل نحن أمام ميتافيزيقيا الشباك الرابع، حيث يكتشف الإنسان بكل بساطة وسذاجة مفرطة في آن واحد، أن هبوطه إلى هذا العالم لم يكن سوى خطأ مطبعي في سجلات الإحصاء البشري. فمنذ اللحظة التي يغادر فيها المرء رحم العدم إلى أتون الوطن، يبدأ استصدار هويته كعنصر استهلاكي قابل للخصم والإضافة. وكأنما العبث الحق لا يكمن في سديم الكون أو في غموض الموت، بل يكمن في تلك الهندسة الإدارية البديعة التي تحول الروح البشرية إلى رقم مدني مؤقت، له تاريخ صلاحية تماماً مثل علبة حليب أوشكت على النفاد من رفوف الجمعية التعاونية

​ولأجل هذا سأخذكم معي لرحلة في جمهورية الأوهام المكتوبة بخط طولي مائل، حيث يُطلب منكم أن تصفقوا لجلادكم بإعجاب، وأن تؤدوا رقصة البقاء على حافة القبر بخفة دم لا تليق إلا بموظف يتلقى تعازيكم في كرامتكم ببرود تام. إنها تراجيديا الكائن حين يتحول إلى مجرد فاصل إعلاني بين استمارة طلب وظيفة وإشعار تقاعد، وحيث تصبح سيمفونية الألم عزفاً منفرداً على وتر لا يطربه سوى صدى الأسئلة المحرمة، فالتستعدوا إذن لجولة قصيرة في أروقة مدافن الأحياء، حيث الوهم هو القانون والرضا القسري هو شهادة حسن سير وسلوك وتبرهن أنكم أشخاص تنعمون بآلاء الوطنية

​ومن بين كل هذا التناقض والتراكم المعرفي، ألا يحق لعقل المرء أن يتساءل بتهكم مرير مثلما يحق له أن يتأمل مهزلة الوجود من برج عاجي تحيط به كتل إسمنتية، ويسأل: هل نحن حقاً نعيش واقعاً أم أننا نكتفي بأداء أدوارنا في مسرحية هزلية كُتب نصها في دهاليز أرشيف لا يقرؤه أحد؟

​وهل يحق لنا أن نتساءل أيضاً: ما هو شعورنا وحالنا حينما يخرج علينا الخطاب الرسمي مبشراً بأننا نرفل في نعيم الكرامة المصانة؟ ياله هو موقف قاسٍ يدرك المرء من خلاله فوراً أننا أمام مسكن إداري فاخر، بل مسكنات توزع مجاناً لمن أهلكه ألم البطالة والتهميش لكي يخدر وعيه دون أن يجرؤ أحد على مس العلة الحقيقية. ولكن حينما يمعن النظر في ملامح أيامه فيكتشف أنه تحول إلى كود برمجي؛ مجرد رقم مدني، ورقم جواز سفر، ورقم في طابور طال أمده

​تقف عليه أقدام متعبة تتثاقل على بلاط حكومي أملس، وأصابع ترتجف وهي تعبئ استمارة للمرة الرابعة، بينما في عمق المعنى يوجد الحبر الذي لم يكن باللون الأسود المحدد قانوناً، ولكن الذي لا يستطيع استيعابه انه سيكون، رقم صلاحية منتهية فور خروجه من الخدمة. وهنا يكمن جوهر السؤال كيف يمكن للمرء أن يبحث، عن حياة أفضل في وطنه فيجد نفسه في رحلة شيقة يبحث فيها عن النهاية التي يحفها غموض البداية، وكأنه ضيف غير مرغوب فيه على هواء هذا الوطن

​ومن هنا تكبر المأساة ويبدأ الوجع؛ فحين ينفصل الشعار عن الممارسة وتتحول الوعود الكبرى إلى أقراص مهدئة بلا أثر. في هذا الواقع المفروض بقوة اللائحة التنفيذية، يُجبر الإنسان على اختزال أوجاعه بكل تعقيد واجهاض لمشاعره، وأحلامه التي تآكلت، وآهاته التي لا تقرؤها الجداول، بل تحولها الى سلسلة من الأرقام الصماء التي تديرها منظومة بيروقراطية باردة تدار بعقول ابصم وغادر

​فمابين المقعد الدراسي، وكرسي التقاعد، وعجز الجسد؛ كلها أدوات لرحلة تفقد معانيها الإنسانية تماماً لتصبح مجرد خانات فارغة في دفاتر حسابات لا ترحم. وهنا تكمن النكتة السوداء الكبرى: ليس الاغتراب مجرد غياب مكاني، بل هو أن تعيش منفيا في وطنك، وتقف كرجل تقاعد للتو، يحمل ورقة إخلاء طرف صفراء اللون، والأصعب من ذلك حين تقف بذهول تام أمام مرآة ممر المؤسسة تلمس تجاعيد وجهك كأنك تقرأ تاريخ إنتاج وانتهاء قبل أوانه متسائلاً إن كان القانون سيعيد تغليفه ليناسب الرفوف الخلفية

​ولا تجد سوى جدران إسمنتية من القوانين والأنظمة التي لا ترى في الكائن البشري سوى مادة قابلة للاستهلاك والتصنيف، أو بنداً عابراً في ميزانية سنوية لا تغني ولا تسمن من جوع

​فهل هذا الواقع قدراً كونياً هبط من السماء، أم هندسة متقنة لسلطة التوجيه والهيمنة المؤسسية التي تنظر إلى الضعيف، والمتقاعد، والمقعد، والمعسر، وذوي الاحتياجات الخاصة، مجرد أدوات مساعدة تكمل هندسة رقم قابل للانصهار عند أول تقشف. أما الرأفة التي تمنننا بها السلطة فماهي سوى مسرحية إدارية فاشلة لشرعنة البقاء وتهدئة ضمير المؤسسة عبر إبقاء المستضعفين في دوامة أبدية من التبعية والمراجعات والأمنيات العقيمة

​وحين تفقد الروح قدرتها على الإنتاج المادي وفق شروط تلك السلطة البيروقراطية تصبح أرقاماً فائضة عن الحاجة، أرقاماً جاهزة للذوبان بصمت في الميزانيات والإحصاءات العابرة. والفكاهة السوداء تبلغ ذروتها حين تتساوى المساحة بين الهواء والقبور ليطالب الضحية فوق ذلك كله بارتداء ثوب الاعتراف بالحقيقة المطلقة، وتقديم آيات الثناء لجلاده! والأدهى والأمر من ذلك؛ لا يُحَرَّك هذا الرقم إلا حينما يتعطش صندوق الضرائب لجمعه كرقم ملزم إقحامه في الحسبة العددية لملء نهم الصندوق؛ إنها لعمري تراجيديا الألم المر

​ولا غرابة إن نبشت في قبور الأمثلة واستحضرت ما يقولونه في الأمثال: إكرام الميت دفنه، ولكن المفارقة المرعبة التي تقف عاجزة أمامها كل فنون السخرية هي: كيف يمكن لأحياء يعيشون في مدافن جغرافية بينما الحقيقة تقول إنهم يخرجون منها وهم لا يملكون حتى خيار الهروب؟

​ليتحول التعايش هنا إلى شكل من أشكال البقاء تحت خط الطرد؛ فتجبر الإنسان بأن يرتدي ثوب الوهم ويؤدي الدور المرسوم له في مسرحية بيروقراطية قاسية، تماماً كما يقبل المريض المسكن لأن الألم أكبر من طاقة الاحتمال. وحين ينتفي الخيار يُفرض الرضا القسري؛ رضا لا ينبع من قناعة بل من إنهاك طويل أمام منظومة لا تعرف سوى لغة العصا والمقصلة، وتغلف قسوتها المفرطة بشعارات براقة من العرف والقانون التي تحولت إلى أدوات تدجين تستخدم الخوف والتلويح بالعقوبة لنزع صواعق الرفض من صدور الأحياء

​ومما لا يخفى على كل ذي لب، أن السيطرة على العواصم الفكرية للشعوب أصبحت تُدار عبر هندسة محكمة تبدأ بتدجين الإرادة وتسطيح الوعي بإعلام غاشم واستهلاك مدروس، لتتحول الجماهير إلى أرقام وظيفية تدور في فلك عبودية ناعمة تقودها آلة التفريخ وجوقات التبرير؛ وحين يدرك العقل الواعي عبثية الاصطدام بهذه الجدران الصماء، ينكفئ إلى صمت تكتيكي لا يعبر عن استسلام، بل هو كمون استراتيجي لحفظ الجذوة الروحية وإعداد البذور في خفاء صامت، مترقباً لحظة تهاوي الأوهام وانكشاف زيف الهياكل المهيمنة

​ولكن أين تكمن النكتة الأكثر دموية في مسرحية الأرقام هذه؟ إنها تظهر جليّة حين تكتشف أن معادلة العدالة قد أُصيبت بعمى مطبق؛ فالمسؤول المستفز، المختبئ خلف ناصع الحصانة وبرود الكراسي، يحق له أن يوزّع خيبات الأمل على الرعية في تصريحات فضفاضة لا يُحاسب على لظاها، بينما يرتجف الفقير المسحوق إن تجرأ وأطلق أنّة وجع تخدش هدوء الأمكنة! هكذا تماماً، يُطالب الضحية بأن يدفع ثمن السوط من كرامته، وبأن يبتسم بامتنان للجلاد وهو يغرس أصابعه في جيبه. إنه زمن تتساوى فيه الجريمة مع القانون، وتُسنّ فيه التشريعات لتعاقب المريض على سعاره، وتكافئ الطبيب على روتينه القاتل؛ لتدرك حينها أن أشنع أنواع العبث ليس في جور الطبيعة، بل في هندسة بشرية تجعل الصراخ خيانة، والتصريح المستفز إنجازاً وطنياً مقدساً

​ولكن في قلب هذا العبث كله، حين يعود الإنسان ليواجه مرآة مصيره وسط هذه المهزلة المكتوبة على مقاس الأوجاع، متسائلاً بتهكم مرير: إلى متى سنظل نرتدي ثوب الصمت الخانق لتقارير ومقررات مباغتة تفصل المقصلة على مهل؟

​وإلى متى ستستمر هذه الأرقام المتضخمة في التهام أطفالنا لتنتزع منهم براءاتهم وتحولهم باعةً على شوارع الألم؟ وإلى متى يستمر تهميش الكهول؟ وبإيلاء القوانين الإدارية يٌقطع التيار الكهربائي عن البيوت التي لا يعلم بحال من فيها من القابعين خلف كراسي التنمية الاجتماعية ولا صندوق الحماية الاجتماعية؟

​إلى متى وإلى متى سيلتهم وحش الغلاء المعيشي أواصر الحياة، ويزيد من عجز تدني الرواتب والأجور وضمور الإنفاق؟ ومتى ستخرج المتاهة التعليمية من طوابير الانتظار الطويلة لمخرجاتها؟ وكيف سيتم جدولة مواعيد العلاج المؤجلة التي تصطدم بنعش الفاجعة؟ ومتى سيتوقف المسؤول الذي يتحصن بحصانة الوظيفة والكرسي عن التصريحات الاستفزازية؟

​ومع كل هذا، كيف لا يحق لنا أن لا نتساءل: أو كيف لنا أن لا نتألم؟ فطالما أنك تتألم، وطالما أنك تسأل وتتلذذ بسخرية هذا الواقع، فهذا دليل قاطع على أن القيود الباردة عجزت تماماً عن ابتلاع روحك، وأن الكلمة الصادقة تظل الشاهد الأخير على أن أقاليم الوهم، مهما تتطاول في البنيان، تعجز دائماً عن ابتلاع الحقيقة جذرياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى