
هادفية المسرح .. فوارق قرقوزية ارتجال وفلسفة دولة!
حسين الذكر
الضحك في الفن بمختلف اجناسه ليس هدفا اساس مع ان الكوميديا مرافقة لترويح الانسان والتخفيف عن اعباءه الحياتية منذ اقدم العصور الا ان التطورات الهائلة في العلوم الحياتية وتقنياتها ورقي العقل المؤسساتي في التوظيف والافادة القصوى من جميع الادوات لتعزيز قوى الدولة وان كانت ناعمة .. جعل من الضحك وسيلة اخرى لاهداف ابعد غورا مما تنتفخ به كروش المتقهقهين .
المسرح من اكثر اجناس الفن في العصور القديمة والحديثة والمعاصرة التي ساهمت في تطور ورقي المجتمعات فيما يعد الضحك من أكثر المفردات تعقيدًا ما كان منه تعبيرا عن الحرية او وسيلة دفاع او مخرج للتنفيس المجتمعي مع اختلاف الاساليب المتبعة بين دولة واخرى .
ميزتان تفوق بهما المسرح : اسهم بفهم الانسان والراي العام اكثر من النظريات المكتوبة فضلا عن زخم الاحساس المباشر ما بين المرسل والمتلقي الذي يعيش الحالة التمثيلية بروح واقعية مهما اكتنزها الخيال النصي .
الثانية : كمية التساؤلات المطروحة والمسوقة لقادة الفكر والنخب وهي تتجاذب اطراف الحوار المتمثل باداء الممثل ومنلوج المستقبلين ..كلاهما يحاولان الاجابة عن اسباب ومبررات الحاجة للضحك الممنهج والمؤدلج وكيفية ظهوره بين تراكمات لا يمكن ان تبقى صامتة عدا ذلك يتحول من فن كوميدي رسالي الى تطبيل سوقي متدني .
هناك فروق بين الثقافات المجتمعية ونظرتها الى الانسان وبيئته فلطالما شاهدنا مسارح يخفق الممثل – مع انه متوج كفنان – عن اضحاك المشاهدين بشكل بنائي مستتر او غير مباشر مما يجعله يتكلف الهز والوز والهج والمج .. بقرقوزيات تستجدي اضحاك العامة دون وعيهم بفرق كبير بين هادفية مسرحين .. فالغرب منذ قرون ولد من رحم المعبد وترعرع بكنف الفلسفة متخذا من الكوميديا وظيفة اجتماعية وعلاقة راسخة مستندة الى نص هادف مستخلص من واقع يحمل بين احشائه مولود واضح المعالم بلغة حية وايقاع مسرحي جاد بلا عبثية ساطع بنور الواقع .
فيما ظلت اساليب المسرح العربي شبيهة بما يتداول في المقاهي والشارع يطرح على شكل طرفة ممسرحة او رقصة شعبية مرحة تتخذ من السخرية الاجتماعية والنقد السياسي المباشر او تلاعب لفظي ممزوج بالنكتة العامية مع مبالغات في الشخصنة والارتجال بعيدا عن النص المدروس ليحيل تاج المسرح الى فرصة لتحقيق شهرة شخصية بدوافع ساذجة بعيدا عن أي منهجية فلسفية مؤسساتية .
لو عدنا الى اسس المسرح العربي سنجده متاثر ووليد الحكواتي وخيال الظل والمقامات الغنائية والفرجة الشعبية وبعض الطقوس الدينية الممزوجة بحاجة وتنفيس شعبي .. لا ننكر تطور جزئي تاثرا بالمسرح الغربي وظهر على شكل فلك ديكوري لكنه ظل على حساب الفكر والفن البناء .
المسرح العربي اغلبه يعتمد على قدرة ممثل كوميدي متميز – على سبيل المثال – بصناعة الجذب عبر سرعة بديهة وقدرة ارتجال تفاعلي مستساغ وان كان مصنع لكن سوقه ما زال رائج في ظل اشاعة ثقافات تشجع على سطحية التفكير فظلا عن ضحالة التنظير ! فيما نقرا عبر تاريخ المسرح الغربي تحديدا تصاعد درامي محسوب وفقا لحبكة منظمة دقيقة صارمة السير وسرية السرد بحيث لا تكون ملكا لكل من هب ودب ممتزجة بمفارقات نفسية وفكرية تعد مخرج فلسفي طبيعي للنبوغ المهني والمهارة الفنية والوعي المجتمعي كاسهام متفرد للمسرح.
في الغرب يكون الممثل وليد الثقافة وحبيس الهدفية لا يخرج منها تحت اطار وعنوان تسويقي الا للضرورة الاحترافية المشروطة بالخضوع التام لما نسميه بالمواطنة الصالحة .. فيما تصاعد اداء المسرحي العربي حتى بنجومه الكبار وفقا للتفاعل مع الجمهور الذي يبدو انه لا يستسيغ الا الخطاب المباشر المرتجل صنيع مزاج القاعة واستجابة خشبة المسرح.










