بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الثالث والعشرون من يوليو.. فجر الوطن المتجدد

أبو الخطّاب سُلطان بن خلفان اليحيائي

صَوْتٌ لِلنَّهْضَةِ نَادَى
هُبُّوا جَمْعًا وَفُرَادَى
قَابُوسُ لِلْمَجْدِ تَبَادَى
فَابْنُوا مَعَهُ الأَمْجَادَا
يَا أَبْنَاءَ عُمَانَ الأَجْوَادَا

هناك تواريخ تُقرأ وهناك تواريخ تُعاش.
والثالث والعشرون من يوليو ليس مجرد يومٍ في روزنامة الزمن بل هو فجر أشرق على وطن كان ينتظر موعده مع التاريخ فغيّر وجه عُمان وفتح لأبنائها أبواب المستقبل.

كما أن هناك أيامًا تُسجَّل في دفاتر التاريخ وأيامًا تُولد فيها الأوطان من جديد. ويأتي الثالث والعشرون من يوليو في وجدان كل عُماني بوصفه محطة فاصلة غيّرت مسار الوطن وأطلقت فجرًا جديدًا بعد سنوات من التحديات ليبدأ فصل مختلف من البناء والعطاء وترتفع معه آمال الإنسان العُماني نحو مستقبل أكثر إشراقًا وثقة.

في ذلك اليوم تولّى جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – مقاليد الحكم في وطن كانت تحدياته أكبر من إمكاناته وكانت الحاجة إلى التغيير تلامس تفاصيل الحياة اليومية للناس. فالبنية الأساسية كانت محدودة والطرق شحيحة والخدمات لا تصل إلى كثير من القرى والولايات فيما كان الإنسان العُماني يحمل في قلبه طموحًا واسعًا يتطلع إلى وطن يواكب تطلعات أبنائه ويمنحهم فرصة الحياة الكريمة.

ولم يكن الطريق إلى ذلك المستقبل مفروشًا باليسر بل كان مليئًا بالعقبات والتحديات التي تتطلب قيادة تمتلك الرؤية والإرادة معًا. لذلك اختار السلطان قابوس أن يبدأ من الميدان فجعل من الأرض كتابًا يقرأ صفحاته بنفسه. فكانت صورته وهو يرتدي زيه العسكري ويقود سيارته الرنج روفر الحمراء التي غطّاها غبار الطرق الوعرة تختصر فلسفة قائد أراد أن يكون قريبًا من وطنه وأبنائه.

كان يشق بها مسارات القرى البعيدة ويعبر الجبال والأودية والسهول لا بحثًا عن مشهد يُعرض بل عن واقع يُعاش. يقف بين الناس ببساطته المعهودة يستمع إلى حديثهم ويصغي إلى احتياجاتهم ويطمئنهم بأن عهدًا جديدًا قد بدأ وأن عُمان مقبلة على مرحلة من البناء والنماء وأن الإنسان العُماني سيكون في قلب هذه المسيرة وغايتها.

وكانت تلك المشاهد أبلغ من كثيرٍ من الخطب والكلمات فقد رأى المواطن قائده بينهم لا بعيدًا عنهم. يشاركهم همومهم ويستمع إلى صوتهم ويزرع في نفوسهم الثقة بأن الدولة ستصل إلى كل قرية وولاية وأن التنمية لن تكون حكرًا على مكان دون آخر.

ومن تلك الجولات التي التقت فيها القيادة بالإنسان ولامست فيها الرؤية واقع الوطن انطلقت مسيرة النهضة المباركة. وكان الإنسان العُماني غايتها الأولى ووسيلتها الأهم. فلم تكن البداية تشييد طرق أو إقامة مؤسسات فحسب بل كانت بناءً للإنسان قبل العمران وتوحيدًا للصف قبل اتساع البنيان.

وطُويت صفحات الانقسام واجتمعت الكلمة تحت رايةٍ واحدة وترسخت قيم المواطنة والانتماء ليصبح الأمن والاستقرار الأرض الصلبة التي قامت عليها مسيرة التنمية لأن الأوطان لا تزدهر إلا حين تتوحد إرادة أبنائها ويؤمنون بأن المستقبل يُصنع بالعمل والإخلاص.

ثم بدأت ثمار النهضة تتجلى على امتداد الوطن فشُقّت الطرق وأُقيمت الجسور وفُتحت المدارس وأُنشئت المستشفيات ووصلت خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات إلى مناطق كانت تعيش عزلةً طويلة. وتأسست الموانئ والمطارات الحديثة وقامت مؤسسات الدولة على أسسٍ راسخة من التنظيم والتخطيط ليغدو البناء مشروعًا متكاملًا للإنسان والعمران معًا.

ولم تكن تلك المنجزات مجرد مشروعات تنموية تُقاس بالأرقام بل كانت ملامح حياة جديدة أخذت تتشكل عامًا بعد عام. فكل طريق كان يصل بين مكانين كان يصل بين الإنسان والأمل وكل مدرسة كانت تُفتح كانت نافذةً على المستقبل وكل مستشفى كان يُشيَّد كان رسالة تؤكد أن الإنسان هو أغلى ثروات الوطن وأولى أولوياته.

وهكذا اتسعت دائرة النهضة حتى غدت مشروعًا وطنيًا شاملًا لم يقتصر أثره على مدينة أو ولاية بل امتد إلى مختلف أرجاء عُمان يحمل معه التنمية إلى حيث يوجد الإنسان. فأصبح المواطن أينما كان يشعر بأن نصيبه من الوطن محفوظ وأن التنمية تأتي إليه كما يسعى إليها وأنه شريك أصيل في مسيرة حرصت على أن تتوزع مكتسباتها بعدل واتزان.

ولأن النهضات العظيمة لا تصنعها الرؤى وحدها بل ينهض بها رجالٌ آمنوا بها وحملوا مسؤوليتها في أصعب الظروف فإن الوفاء يقتضي ألا تُنسى الوجوه التي حملت أعباء البدايات. فقد عملوا في زمن كانت فيه الإمكانات محدودة والطرق وعرة ومؤسسات الدولة لا تزال في طور التكوين. فشاركوا في بناء الأجهزة العسكرية والأمنية والإدارية ووضعوا اللبنات الأولى لدولة حديثة كانت تشق طريقها بثبات وسط تحدياتٍ كبيرة.

وهؤلاء هم رجال التأسيس الذين حملوا الأمانة يوم كانت المسؤولية أثقل من الإمكانات وآمنوا بأن خدمة الوطن شرف لا يُقاس بما يقدمه الزمن من ظروف. ومن الإنصاف أن يبقى عطاؤهم حاضرًا في الذاكرة الوطنية فهم لم يبنوا مؤسسات فحسب بل أسهموا في ترسيخ قيم الانضباط والإخلاص والعمل الصادق وغرسوا في الأجيال معنى الوفاء للوطن والإيمان برسالته.

فالأمم التي تحفظ لمؤسسيها مكانتهم لا تحفظ تاريخها وحده بل تحفظ مستقبلها أيضًا لأن البناء الذي يقوم على الوفاء هو الأبقى والأرسخ.

لقد أدركت عُمان منذ انطلاقة نهضتها المباركة أن التنمية الحقيقية لا تقوم على تشييد المباني والطرق فحسب بل على صون كرامة الإنسان وبناء مجتمع قادر على مواجهة التحديات وصناعة الفرص. وكان السلطان قابوس – طيّب الله ثراه – يرى أن الإنسان هو الغاية الأولى للتنمية وأن رحمة الدولة بمواطنيها لا تنفصل عن رسالتها.

ولذلك ارتبط نهجه بالحرص على ألا تُحمَّل حياة المواطن ما يرهقها وأن تبقى المصلحة العامة مقرونة بالعدالة والرحمة مهما واجهت الدولة تحديات اقتصادية أو اجتماعية لأن البناء الحقيقي يكتمل حين تشارك فيه الدولة والمجتمع معًا بروح المسؤولية والتكافل.

واليوم ونحن نعيش مرحلة جديدة من التحولات العالمية فإن عُمان تمضي بخطى مدروسة نحو اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة. فالموانئ والمناطق الاقتصادية والمشاريع الكبرى ليست مجرد منشآت أو مرافق جامدة بل هي أدوات لصناعة مستقبل يعتمد على المعرفة والاستثمار والابتكار ويمنح الشباب مساحة أكبر للمشاركة في رسم ملامح المرحلة القادمة.

إن أعظم ما يميز التجربة العُمانية أنها قامت على التوازن والحكمة فلم تكن التنمية فيها سباقًا نحو الأرقام فقط بل كانت محافظة على الإنسان والهوية والقيم. فالعُماني بقي متمسكًا بجذوره وثقافته في الوقت الذي انفتح فيه على العالم واستفاد من تجاربه وخبراته.

إن القادم يحتاج إلى جيل أكثر وعيًا وإنتاجًا وإيمانًا بأن عُمان تستحق منا الكثير. فالمحافظة على المنجزات لا تقل أهمية عن تحقيقها والبناء على ما تحقق يتطلب فكرًا جديدًا وطموحًا لا يعرف التوقف.

فنهضة عُمان ليست قصة ماضٍ يُروى فقط بل مشروع مستمر يتجدد مع كل مرحلة ومع كل إنجاز ومع كل مواطن يضع بصمته في مسيرة الوطن.

وسيَبقى الثالث والعشرون من يوليو علامة مضيئة في ذاكرة التاريخ العُماني ليس لأنه غيّر مسار وطن فحسب بل لأنه أعاد صياغة علاقة الإنسان بأرضه وربط الحلم بالعمل والرؤية بالإنجاز.

وهكذا تمضي عُمان بثقة نحو الغد مستندة إلى إرث راسخ ومسيرة متجددة تتواصل تحت القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم – وفّقه الله – وإلى شعب يؤمن بأن خدمة الوطن شرف لا ينقضي ورسالة لا تنتهي والمحافظة على هذا الشرف تكون بصون منجزاته وتعزيز وحدته والإسهام في مسيرة بنائه كلٌّ من موقعه ومسؤوليته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى