
قبل أن تصبح الأخلاق عملة نادرة
رحمة بنت مبارك السلماني
نحن نعيش زمناً تغيرت فيه طريقة تفكير الإنسان ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، زمن أصبحت فيه الشاشة نافذة مفتوحة على العالم، يدخل منها إلى عقول أبنائنا القريب والبعيد، الحبيب والغريب، المليح والقبيح، الذم والمديح، الصادق والزائف، وقد تراجعت بعض القيم في هذا الزمن وأوشكت الأخلاق أن تصبح عملة نادرة، لذلك أصبحت تربية الأبناء على الأخلاق والقيم الإسلامية ضرورة حتمية؛ لحماية إنسانيتهم من الذوبان وسط هذا الضجيج الهائل، وحماية عقولهم من الضياع في عصر الذكاء الاصطناعي.
لقد أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من القيم والسلوكيات الدخيلة، التي تتعارض مع مجتمعنا العربي والإسلامي، وأعادت تعريف الكثير من المفاهيم وساهمت في صهر الكثير من المبادئ والقيم، فأصبح البعض يظن أن الشهرة إثبات ذات وقيمة بحد ذاتها، وأن كثرة المتابعين وعدد المشاهدات دليل على النجاح، وأن الجرأة تعني تجاوز حدود الأدب، وأن السخرية من الآخرين والتنمر عليهم نوع من خفة الظل، وأن مراقبة الآخرين وكشف الخصوصيات بطولة، وأن التفاخر بما يملكون واستعراض المظاهر والماديات أهم من الأخلاق.
المؤلم أن الكثير من القيم التي كانت يوماً ما من المسلّمات والأمور التي كانت بالأمس من البديهيات أصبحت اليوم بحاجة إلى شرح وتعليم وتذكير، للأسف أصبحنا بحاجة إلى تعليم أبنائنا أن الدين معاملة وأن الصدق ليس سذاجة بل نقاء، وأن الأمانة ليست ضعفاً بل وسام، وأن الوفاء ليس غباءً بل التزام، وأن الفظاظة ليست شجاعة بل قلة تهذيب، وأن الاحترام والتقدير ليس خوفاً بل واجب، وأن التواضع ليس نقصاً بل كمال، وأن الاعتذار ليس هزيمة بل قوة.
أصبح اليوم من الضروري أن نُعلّم أبناءنا أن الشهامة والمروءة أن تكون قوياً دون أن تظلم وأن تستطيع الرد دون أن تؤذي وألا تستغل ضعف الآخرين، وأن تمد يدك لمن يحتاجها دون أن تصورها وتنشرها بحثاً عن الإعجاب والتصفيق، وأن نُعلّم الذكور منهم أن الرجولة الحقيقية مسؤولية وضبط للنفس، ووفاء بالعهد واحترام للمرأة ورحمة للضعيف، وإعانة للغير على الخير، وأن نُعلّم الإناث منهن أن الأنوثة ليست نقص وليست استعراض للمفاتن والجمال، بل هي شخصية متزنة تجمع بين القوة والرقة والحياء والثقة.
إن الأخلاق والقيم تُغرس أولاً منذ الصغر من خلال القدوة والتربية والمواقف اليومية، وتُدرّس ثانياً خلال سنوات الدراسة، ثم تُمارس حتى تترسخ وتصبح سلوكاً وعادة ملازمة، وهنا تبرز أهمية جانبين ودورهما في غرس القيم والأخلاق لدى الناشئة، في ظل تعدد وسائل التواصل الاجتماعي وتطور برامج الذكاء الاصطناعي.
أولاً : دور الأسرة..
إن الأسرة هي المربي الأول للناشئ، وهي التي تغرس القيم والأخلاق في قلبه ليترجمها من خلال سلوكه في الحياة، فيجب على الوالدين تخصيص وقت للحوار مع الأبناء، بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي التي استحوذت على كل تفاصيل حياتنا، وشوهت جمالها وبساطتها، وقلبتها رأساً على عقب، فيجب تربية الأبناء على أهمية التواصل الاجتماعي الحقيقي؛ لكي يكتسبوا القيم والأخلاق التي تبني شخصياتهم، ويتعلمون تحمل المسؤولية والالتزام بالمواعيد، حتى يعتادوا الاعتماد على النفس والانضباط، وتشجيعهم على مشاركة والديهم تفاصيل وأحداث يومياتهم، وأهم المواقف أو المشكلات التي يتعرضون لها وكيفية التصرف والتعامل معها.
كما يجب تعليمهم قوانين وقواعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، ليس بالضرورة التجسس عليهم، ولكن ينبغي إخبارهم ببعض الحقائق التي قد تبدو صادمة بالنسبة لهم، كي يوقنوا أن الصور أو المقاطع التي يشاهدونها ليست دائماً حقيقية أو صحيحة، وأن من يتابعونهم من خلال وسائل التواصل المختلفة ليسوا بالضرورة جميعهم أسوياء أو أصدقاء، وأن ليس كل من يعرفونهم يضمرون الخير لهم، وأن تصوير الآخرين دون علمهم اعتداء على الخصوصية، وأن السخرية من الآخرين ليست مزحة بل تنمر، حتى لا تصبح الأجهزة المحمولة هي المعلم الأول لأبنائنا، وكي لا يصبح المؤثر المشهور صاحب (الترند)، الذي يبث التفاهات والسطحية والشعور بالدونية وتقليد الآخرين قدوة لهم، الأهم من ذلك أن يكون الوالدان قدوة حسنة لأبنائهم قبل كل شيء.
للأسرة دور كبير في تشجيع الأبناء على استخدام العقل وليس تعطيله، تلك الملكة التي ميّز الله بها الإنسان عن سائر المخلوقات، وتجنب الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد الكلي على تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ لكونها أسلحة ذات حدين، لذلك ينبغي حثهم على ممارسة المهارات الذهنية كالتفكير النقدي والتحليل والاستنتاج، والتخطيط والتنظيم والابداع في حل المشكلات، من خلال القراءة والاطلاع والبحث عن المعلومات، وحل الألغاز والمسائل الرياضية، وممارسة الألعاب التي تساعد على التعلم، واستخدام الذاكرة للحفظ والتأمل والنقاش، وقراءة القصص وتلخيصها.
منذ فترة لاحظت أن ابنتي ذات الثمانية أعوام قد توقفت عن طرح الأسئلة المتواصلة، ثم أدركت مؤخراً أنها تعتمد على (Chat GPT) في حل ما تستصعب من واجباتها المدرسية، فترقرقت في عيني دمعة ثائرة، وباغتتني همسة حائرة، وأسئلة تدور في نفس الدائرة، وعادت بي إلى الماضي القريب الذاكرة.. “يا لتعاستي بعد أن كنا نعتمد على الاطلاع على الكتب والمصادر العلمية والمعاجم والقواميس لساعات وربما لأيام أحياناً – إن لم يسعفنا (Google)-؛ من أجل فهم معنى كلمة أو مصطلح غامض، أصبح أبناؤنا اليوم يحصلون على كم هائل من المعلومات وسيل من الإجابات على طبق من ذهب بلا تعب، خلال أجزاء من الثانية وبلا أدنى جُهد ذهني يُذكر”.
ثانياً : دور المدرسة..
في الواقع إن المدرسة ليست مكاناً لتلقين الدروس وحشو العقل بالمعلومات فقط، وإن سقط مُسمى (التربية) من وزارة التعليم، لكن تبقى المدرسة هي المربي الثاني للطالب، ولن تسقط التربية من مسؤوليات المعلم؛ لأن المعلم يربي ويعلم ويوجه ويرشد ويأمر وينهي ويعزز ويحفّز، فالمعلم بحق هو شريكٌ في تعليم الطالب أمور دينه ودنياه وتعليمه الأخلاق والقيم الفاضلة وتقويم سلوكياته وصقل مهاراته وتهذيب أقواله وأفعاله وتشكيل فكره وخِصاله، وزرع فيه ما يُثريه قلباً وقالباً وما يقويه جوهراً ومظهراً، فهو يكمل ما بدأه الوالدان ويسقي غراسهما.
إن البيئة المدرسية بيئة خصبة لتربية أبنائنا الطلبة وتشكيل هوياتهم وتوجهاتهم، وممارسة وتنمية الكثير من القيم والأخلاق والسلوكيات الحميدة لديهم، فيمكن للمدرسة أن تساهم في ذلك من خلال إقامة محاضرات أو ملتقيات أو ورش عمل، أو مشاهد تمثيلية لإبراز بعض القيم كالصدق والأمانة والاحترام وغيرها، ومناقشة بعض الظواهر أو المشكلات التي تفشت في الآونة الأخيرة مثل التنمر والسرقة والغش والتحرش والابتزاز الالكتروني وغيرها الكثير.
كما أن للمدرسة دور كبير في تربية الطالب التربية الرقمية ليعرف كيف يتعامل مع العالم الرقمي، ليعرف ما الذي ينشره؟ وما الذي يصدقه؟ وما الذي يشاركه مع الآخرين؟، وكيف يتعامل مع الإساءة؟ وكيف يحمي خصوصيته؟، وكيف يحمي نفسه من التنمر والابتزاز الإلكتروني؟، وكيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة مفيدة تساعده على التفكير بشكل أعمق؟، فكل ذلك ليس ترفاً بل أصبح جزءاً من التربية والمعارف الحديثة، بالإضافة إلى ذلك أن الطالب في المدرسة يتعلم أيضاً تعزيز القيم الأصيلة والأخلاق الفاضلة والسلوكيات الحسنة، فحين تُكرّم المدرسة الطالب المتفوق دراسياً ينبغي أن تُكرّم أيضاً الطالب الأمين والمتعاون والمنضبط وصاحب المبادرة، ومن يحافظ على ممتلكات المدرسة، ومن يساعد زميله، فذلك يُربي الطلبة على التحلي بالأخلاق الحسنة.
نحن لا نستطيع أن نمنع العالم من الوصول إلى أبنائنا، ولا نستطيع أن نغلق كل الأبواب والنوافذ أمامهم، ولكننا نستطيع أن نمنحهم بوصلة أخلاقية تجعلهم قادرين على السمو بأخلاقهم وقيمهم، واستخدام عقولهم للتمييز بين الغث والسمين عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ويجب ألا نسمح للذكاء الاصطناعي بتعطيل عقولهم وقواهم، والحكيم هو من يعرف من أين تُؤكل الكتف، المطلوب هو الوعي قبل المنع والحوار قبل العقاب، والثقة مع وجود حدود واضحة، وحتى تترسخ القيم والمبادئ ينبغي ألا نربي أبناءنا على أن اقتراف المعاصي (عيب) أو مجرد خطأ، بل نعلمهم أن المعصية حرام ويترتب عليه عقاب؛ حتى يستشعروا الخوف من الله وليس الخوف من الناس، حتى يصبح الضمير رقيباً حين يغيب الوالدان والمعلم (المربي)، فالعالم لا يحتاج إلى المزيد من العاهات والمشوهين فكرياً بقدر ما يحتاج إلى المزيد من الأخلاق والقيم الإنسانية.
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.












