بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

قراءة في تداعيات الإحصاءات الرسمية لمتوسط دخل الأسرة العمانية وفلسفة الأرقام حين تنفصل عن وجع الميدان وأنين المعيشة اليومية

سالم بن حمدان السيفي

 

 

في البدء، لم تكن الأرقام سوى محاولات بشرية قاصرة لترويض الفوضى المحيطة بنا، وفهم تفاصيل الوجود عبر لغة القياس والحساب. غير أن الفلسفة الإنسانية لطالما حذرت من صنمية الأرقام؛ فعندما تنفصل الجداول النظرية عن وجع الإنسان الحقيقي، تتحول الإحصاءات من أدوات لخدمة المجتمع وبناء رفاهه إلى جدران صماء تعزل صانع القرار عن نبض الواقع. وحين تتسع الهوة بين تجريد الماديات وصرخة الميدان، يفقد الحساب معناه، ويغدو البحث عن الحقيقة المعيشية التزاماً أخلاقياً وضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل.

​وحين تصدم الأرقام بالواقع، وتتحول الإحصاءات الرسمية من أدوات للتخطيط والتنمية إلى فواصل عازلة بين ما تنطقه التقارير وما تعيشه الأسر العمانية في تفاصيل أيامها، يصبح لزاماً الوقوف بحياد وموضوعية أمام الفجوة الهائلة بين الظاهر الضبابي والجوهر المنهك. إن الرقم المتداول لمتوسط دخل الأسرة العمانية في العام الماضي والذي بلغ 1839 ريالاً عمانياً لم يكن مجرد رقم عابر، بل أحدث هزة شعورية وذهنية لدى الغالبية العظمى من المواطنين، متسائلين عن المنهجية التي أُجري بها هذا المسح، ومدى تمثيله الحقيقي لخارطة جغرافية تتباين فيها مستويات المعيشة بشكل صارخ.

​وأمام عتبة الأرقام الصماء، يتوقف المواطن كثيراً متأملاً، لا تكذيباً للجهود المبذولة، بل بحثاً عن تلك الحقيقة المعيشية التي تضيع أحياناً بين طيات النماذج النظرية؛ فبين لغة الإحصاء البحتة وواقع اليوم المرهق، مسافة واسعة تملؤها التساؤلات المشروعة عن مدى تطابق النظريات مع قسوة الميدان، وكيف يمكن إقناع النفس، وسط هذه المفارقات بأن في كل أسرة لا يوجد باحثون عن عمل أو مسرحون، بينما تفرض التباينات الهيكلية واقعاً يختلف جذرياً عن عموميات الجداول.

​وأنا كمواطن يحق لي بعد قراءة هذا الخبر وضع بعض التساؤلات مع تقديري البالغ للجهة التي قامت بعملية الإحصاء، وسأبدأ تساؤلاتي من هنا: أين يختفي هذا المتوسط المزعوم؟
​إذا كان متوسط دخل الأسرة يقترب من الرقم المعلن، فلماذا تعيش نسبة واسعة من الأسر تحت وطأة ضغوط مالية خانقة وديون استهلاكية متراكمة تمتص الجزء الأكبر من الأجور قبل منتصف الشهر؟
​إن استخدام لغة المتوسطات العامة هو فخ إحصائي؛ فالأجور المتدنية لقطاع عريض من القوى العاملة، لا سيما في القطاع الخاص حيث تعاني الفئات الدنيا والعقود المؤقتة من فجوة سحيقة وهوة كبيرة مقارنة بنظيراتها في القطاع الحكومي، تذوب تماماً أمام الفئات ذات المداخيل العليا، ليخرج لنا رقم غير معبر عن واقع الغالبية. والحل يكمن في اعتماد مؤشر الوسيط الحسابي ليعكس الرقم الحقيقي بعيداً عن تأثير القيم المتطرفة.

​ولا تزال التساؤلات مستمرة: ما حقيقة القدرة الشرائية في ظل التضخم؟
​هل يتناسب هذا الدخل الافتراضي مع الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة، وأسعار الإسكان، وفواتير الطاقة؟

إن الرقم الأسمى للدخل لا قيمة له إن لم يُقاس بالقوة الشرائية الفعلية وربطه بمؤشر أسعار المستهلك. وما زلت أسأل أيضاً: أين تذهب التزامات الأسرة الفعلية؟
لو افترضنا جدلاً وجود هذا الدخل، فكم يبقى منه بعد اقتطاعات البنوك لأقساط الإسكان والمعيشة وهنا يبرز التساؤل الملحّ حول دور البنك المركزي والقطاع المصرفي في ضبط السياسات الائتمانية ومنع التغول الاستهلاكي الذي أرهق الكاهل، وبعد توفير الحد الأدنى من الأمان الصحي والتعليمي الذي يبتلع النصيب الأكبر من أجور المواطنين؟

​أما عن برامج الحماية الاجتماعية والدعم الحكومي، فرغم وجودها، إلا أن التساؤل يفرض نفسه بقوة حول مدى كفايتها مثل منفعة الأسرة أو الدعم الموجه للسلع والخدمات في امتصاص صدمات الغلاء المتتالي، وكيف أن تآكل القوة الشرائية يجعل هذا الدعم كمن يحرث في البحر ما لم يتم ربطه تصاعدياً بمعدلات التضخم الحقيقية.

​وإن الطامة الكبرى تكمن حين يُستعان بالذكاء الاصطناعي لتتولى الخوارزميات صياغة واقعنا المعيشي، ليُضفى على الأرقام غطاء مزيف من العصمة التكنولوجية والحياد المطلق. إن تقنيات العصر الحديث، بقدر ما تُبشر بالكفاءة، تتحول في يد الإدارة التقليدية إلى حجاب كثيف يُخفي عورات السياسات الاقتصادية؛ فالمغزى الخطير هنا يكمن في أن الذكاء الاصطناعي ليس سوى انعكاس أمين للبيانات التي تُغذى بها، فإذا كانت المدخلات العشوائية أو القاصرة تعاني من تشوهات هيكلية وتهمش أصوات الغالبية، فإن الخوارزميات لن تفعل سوى تلميع هذا القصور وتغليفه بقوالب رقمية مبهرة تُعفي صانع القرار من حرج الاعتراف بالواقع الميداني.

​وحين يتحول الاقتصاد والعدالة الاجتماعية إلى مجرد مدخلات ومخرجات في صندوق أسود خوارزمي، يفقد الإنسان خصوصيته ووجعه اليومي ليصبح مجرد رقم عابر في معادلة رياضية صماء. إن خطورة الاعتماد المطلق على التحليلات الذكية تكمن في نزع البعد الإنساني عن اتخاذ القرار، فالبرمجيات لا تملك أن تشعر بارتعاشة اليد وهي توقع على أقساط الديون، ولا تدرك حرارة الصيف وقسوة الفواتير، ولا تستوعب قلق أب يتأمل حقيبة ابنه المدرسية بعجز مطبق. وحين تُدار معيشة البشر بمنطق البرمجيات البحتة، فإننا لا نؤسس لتنمية مستدامة، بل نكرس لتقنوقراطية منعزلة تعبد الأرقام وتغفل البشر.

​وهنا تأتي الدهشة لتجعلنا نتساءل أكثر، هل تتقاطع لغة الأرقام الرسمية مع واقع الميدان عبر فجوة عريضة تعجز أعتى المعادلات عن ردمها، فالأسواق تعاني من جمود ملحوظ، والقدرة الشرائية تتراجع باطراد، وصرخات الغلاء تملأ كل بيت. وحين يُعلن عن هكذا إحصاءات في توقيت بالغة حساسيته يسبق موسم العودة للمدرسة، حين تثقل كواهل الأسر أعباء تأمين المستلزمات الدراسية لأبنائهم، فإن الهوة تتسع بين الأرقام الصماء والاحتياجات الإنسانية الملحة.

​ومن هنا يبرز التساؤل المؤرق :
هل ستتحول هذه الإحصاءات إلى ذريعة أو نافذة مغلقة تسد الطريق أمام مطالبات تحسين الأجور، وتعديل وضع المتقاعدين، وإنصاف أولئك المرابطين في العتبات السفلى من سلم الرواتب، حيث يُصارع الكادحون غلاء المعيشة بصمت نبيل ووجع مقيم؟
​وهذا يقودنا حتماً إلى المساءلة الأبرز حول دور المؤسسة التشريعية؛ أين يقف مجلس الشورى بلجانه الرقابية والتشريعية من المشاركة المجتمعية والمؤسسية في تفكيك أبعاد هذه الإحصائية وتوضيح خلفياتها؟

إن الصمت أو الاكتفاء بالمتابعة الهامشية يفقد المؤسسة قيمتها التمثيلية، فالشارع العماني ينتظر من نوابه وقفة جادة ومساءلة حقيقية للجهات المختصة حول المنهجيات المتبعة، وهل اعتمدت حقاً على تقنيات حديثة بمعزل عن الواقع الميداني؟
فالرقابة البرلمانية الحقة لا تتوارى خلف البيانات الرسمية، بل تنزل إلى ميدان الحقيقة لتكون صوتاً لمن لا صوت له.

​إن التعامل مع المتوسطات الحسابية المجردة دون دراسة الوسيط الحقيقي وتوزيع الدخول يعطي صورة باهتة ومضللة، وينعكس سلباً على رسم السياسات العامة والأمن الاجتماعي. فالمستقبل المعيشي للأبناء ومستويات الاستقرار الأسري ترتبط طردياً بالعدالة الحقيقية في توزيع الثروة لا بمتوسطاتها الحسابية الوهمية.

إن المواطن اليوم لا يعاني فقط من ضغوط مادية خانقة، بل يواجه ضغطاً نفسياً أشد قسوة يتمثل في الشعور بأن معاناته اليومية تُقابل بلغة أرقام لا تشبه واقعه في شيء.

​وفي خاتمة المطاف، إن الشفافية الحقة لا تكمن في سرد معدلات صماء تعزل الخبر عن نبض الشارع، بل في جعل الحقيقة المعيشية جسراً أميناً تتقارب عبره لغة البيانات مع شعور المواطن بالأمان والاستقرار، ليكون المعيار الحقيقي مستنداً إلى ما تلمسه اليد لا إلى ما تخطه الأقلام في التقارير. وإن الجهات المختصة مطالبة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بشفافية مطلقة تلامس الجرح العماني الغائر، عبر وضع حلول عملية وبديلة تتضمن: إعادة هيكلة شاملة للأجور وتقليص الفجوة بين القطاعين، و وضع سقف واقٍ لأسعار السلع الأساسية لحماية القدرة الشرائية، وتفعيل مؤشرات دقيقة لقياس خط الرفاه الحقيقي بعيداً عن وهم المتوسطات. إن هذه الخطوات هي الكفيلة بإعادة الاعتبار للمواطن البسيط، وفتح الأبواب المغلقة أمام تحسين أجور المتقاعدين وذوي الدخل المحدود، لتبقى مسيرة التنمية منسجمة مع إنسان هذا الوطن لا منفصلة عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى