
الذين لا نمنحهم وقتًا لنفهمهم.. (حين يصبح الاحتواء فهمًا للإنسان .. لا شفقةً عليه)
بدر بن محفوظ القاسمي
في حياتنا أشخاص نمر بهم فنصدر أحكامنا عليهم سريعًا؛ هذا غريب الأطوار، وذاك خفيف العقل، وآخر متقلب المزاج، ورابع لا يُعرف بأي وجه سيقابلك اليوم.
فنبتعد.
وربما ننصح الآخرين بالابتعاد أيضًا.
وقد تكون أحكامنا صحيحة في وصف بعض ما نراه، لكنها ليست بالضرورة صحيحة في وصف من نراه؛ فثمة فرق كبير بين أن تصف سلوك إنسان، وبين أن تختصر إنسانًا كاملًا في سلوك صدر منه.
عرفت في حياتي أصنافًا كثيرة من البشر، وربما كان أكثرهم إثارة لفضولي أولئك الذين يتحاشاهم الآخرون. لا لأنني أجد متعة في غرابتهم، ولا لأنني أزعم امتلاك قدرة استثنائية على فهم البشر، وإنما لأن سؤالًا ظل يلاحقني دائمًا:
ماذا يوجد خلف هذه الشخصية التي قرر الجميع الابتعاد عنها؟
ومع مرور السنوات، أدركت أن بعض البشر يحتاجون إلى وقت أطول حتى يظهر معدنهم.
قد ترى إنسانًا كثير الصمت، ثم تفاجأ به في وقت آخر صاخبًا لا يخشى شيئًا. وقد تراه مهملًا في مظهره، مضطربًا في بعض تصرفاته، فتضعه سريعًا في خانة معينة، ثم تجلس معه بعيدًا عن ضجيج الآخرين، فتكتشف ذاكرة مدهشة، وشعرًا يحفظه، وأغنية يعرف تفاصيلها، وحكمة التقطها من الحياة، ومعرفةً لم تتوقع وجودها خلف تلك الصورة التي حكمت عليها من بعيد.
عندها قد تسأل نفسك :
أي الشخصيتين هي حقيقته؟
وأعتقد أن السؤال نفسه قد يكون خاطئًا.
فكلتاهما ربما تكونان جزءًا منه.
نحن اعتدنا أن نبحث عن نسخة واحدة ثابتة من الإنسان؛ نريد الهادئ هادئًا دائمًا، والعاقل متزنًا دائمًا، والقوي قويًا دائمًا، ونستغرب حين يخرج أحدهم عن الصورة التي رسمناها له.
لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك.
هناك من يخوض معركة في داخله لا نعرف عنها شيئًا، وهناك من يعيش مع مرض أو اضطراب نفسي يؤثر أحيانًا في سلوكه دون أن يمحو إنسانيته، وهناك من صنعت فيه ظروف الحياة طباعًا لا نفهمها لأننا ببساطة لم نعش حياته.
حين يتحول المرض إلى اسم.
المشكلة تبدأ عندما يتحول اختلاف الإنسان إلى هويته.
فلا يعود فلانًا الذي يعاني مرضًا نفسيًا، وإنما يصبح في أحاديث الناس : «المريض».
ولا يعود الإنسان الذي تصدر منه أحيانًا تصرفات غير مألوفة، وإنما يصبح : «المجنون».
ثم تُنسى الأشياء الأخرى كلها.
يُنسى أنه يفرح ويحزن.
يُنسى أنه يحب ويكره ويغار ويشتاق.
يُنسى أنه قد يحفظ الشعر، ويحب الموسيقى، ويفهم الرياضة، ويضحك مع الأطفال، ويقف مع الناس في أفراحهم وأحزانهم.
يُنسى الإنسان…
وتبقى الصفة.
ولعل أخطر ما قد يحدث بعد ذلك أن يبدأ هو نفسه في رؤية ذاته من خلال أعين الآخرين، فيصدق أنه ليس أكثر من الصورة التي رسموها له.
لا تشفق عليّ.. عاملني كإنسان.
تعلمت من تجربة شخصية أن بعض هؤلاء لا يحتاجون دائمًا إلى مزيد من الشفقة؛ بل ربما يحتاجون إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه :
أن نعاملهم بصورة طبيعية.
أن نقول لهم حين يخطئون : أخطأتم.
وحين يحسنون : أحسنتم.
وإذا صدر منهم ما يزعج الآخرين، نخبرهم بذلك دون فضيحة أو سخرية أو انتقاص.
حدث أن كاشفت أحدهم يومًا بأمور في سلوكه ومظهره كانت تزعجني. اخترت أن أحدثه منفردًا؛ لأن النصيحة أمام الناس قد تتحول من محاولة إصلاح إلى إهانة.
كنت أتوقع غضبه.
لكنه شكرني.
ثم تحدث طويلًا.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا ظل عالقًا في ذهني :
ربما كان يسمع الأحكام طوال حياته، لكنه نادرًا ما وجد من يحدثه باعتباره قادرًا على الفهم والتغيير.
وهناك فرق هائل بين أن تقول لإنسان :
أنت سيئ.
وبين أن تقول له :
هذا الذي تفعله يسيء إليك، وأنا أعتقد أنك قادر على أن تكون أفضل.
الأولى تحاصر الإنسان داخل صفته.
والثانية تفتح أمامه بابًا.
المشكلة ليست دائمًا في قلة محبتنا
وقد نحب هؤلاء فعلًا، لكننا لا نعرف كيف نتعامل معهم.
نريد منهم أن يستجيبوا بالطريقة التي نستجيب بها، وأن يغضبوا بالقدر الذي نغضب به، وأن يصمتوا عندما نرى أن الصمت مناسب، وأن يفهموا الأشياء بالمنطق الذي نفهمها به نحن.
وحين لا يفعلون، نقول:
حاولنا معه ولم يتغير.
لكن ماذا لو كان المطلوب أحيانًا أن نغير نحن طريقة المحاولة؟
ليس كل صمت يحتاج إلى استجواب.
ولا كل انفعال يحتاج إلى مواجهة لحظية.
ولا كل تصرف غريب يستحق أن يتحول إلى حديث مجلس، أو قصة تتناقلها الأسرة كلما ذُكر صاحبها.
أحيانًا يحتاج الإنسان إلى مساحة حتى يهدأ.
وأحيانًا يحتاج إلى مصارحة، ولكن بعيدًا عن أعين الآخرين.
وأحيانًا يحتاج إلى كلمة «لا» واضحة؛ فالاحتواء لا يعني أن نقبل كل شيء.
وأحيانًا لا يحتاج منا شيئًا سوى أن نجلس إلى جواره دون أن نشعره بأننا نراقب مرضه.
أن نتحدث معه عن مباراة، أو قصيدة، أو ذكرى، أو موقف طريف، أو أي شيء من تفاصيل الحياة العادية.
فمن يعيش مع اضطراب نفسي لا يريد أن يستيقظ كل صباح ليجد العالم يذكره بأنه مريض.
إنه يريد أحيانًا أن يكون فقط…
إنسانًا.
والاحتواء ليس قبولًا للأذى
ومع ذلك، ينبغي ألا نصنع صورة رومانسية عن المرض النفسي.
فالمرض مرض، والعلاج المتخصص ضرورة حين يحتاجه الإنسان، وقد تمر بعض الحالات بمراحل يصبح فيها السلوك صعبًا على صاحبه وعلى أسرته ومن حوله.
ولذلك فإن المحبة لا تحل محل الطب.
والصديق ليس طبيبًا.
والأم ليست مؤسسة علاجية.
والزوج أو الزوجة ليسا دواءً.
ولا ينبغي أن نحمّل علاقة إنسانية مسؤولية علاج حالة تحتاج إلى مختصين.
كما أن الاحتواء لا يعني الاستنزاف.
ليس مطلوبًا من الأسرة أن تتحمل الأذى بلا حدود، ولا من الصديق أن يقبل الإساءة، ولا من أحد أن يعرض نفسه للخطر باسم الرحمة.
يمكن أن أحبك وأضع لك حدًا.
ويمكن أن أفهم مرضك وأرفض تصرفًا صدر منك.
ويمكن أن أقف إلى جوارك، ثم أقول عندما يتجاوز الأمر قدرتي: هنا نحتاج إلى المختص.
فالرحمة التي تلغي الحدود قد تؤذي الطرفين، مثلما أن القسوة التي تلغي الإنسان قد تؤذيهما.
والأسرة أيضًا تحتاج إلى أن نفهمها
ومن الإنصاف ألا نجعل أسرة الإنسان الذي يعاني اضطرابًا نفسيًا في موضع الاتهام دائمًا.
فمن يعيش سنوات مع تقلبات شخص يحبه قد يتعب، وقد يخاف، وقد يفقد صبره، وقد يخطئ في التعامل معه.
وقد لا يعرف متى يكون أمام خلاف طبيعي، ومتى يكون أمام تغير في الحالة يستدعي التدخل.
لذلك ربما لا يكفي أن نقدم العلاج للإنسان وحده؛ بل نحتاج كذلك إلى أن يتعلم المحيطون به كيف يساعدونه دون أن يحطموه، وكيف يحمون أنفسهم دون أن ينبذوه.
فهناك خيط رفيع بين الحماية والسيطرة.
وبين النصيحة والإهانة.
وبين المتابعة والمراقبة.
وبين مساعدة الإنسان، والاستيلاء على حياته بحجة أننا نعرف مصلحته أكثر منه.
احفظوا لهم صورتهم أمام أنفسهم
وربما من أعظم الأشياء التي نستطيع تقديمها لهؤلاء شيء لا يحتاج إلى دواء ولا مال ولا مؤسسة:
أن نحفظ لهم صورتهم أمام أنفسهم.
إذا أخطأ أحدهم، فلا تجمع تاريخه كله في خطئه.
وإذا مر بفترة صعبة، فلا تذكّره بها كلما اختلفت معه.
وإذا تحسن، فلا تنتظر سقوطه القادم وكأن تحسنه مجرد استراحة مؤقتة بين أزمتين.
وإذا ائتمنك على شيء من ضعفه، فلا تحوله يومًا إلى سلاح تستخدمه ضده.
فالإنسان الذي يعرف أن من حوله سيحفظون كرامته عندما يضعف، سيكون أكثر قدرة على العودة إليهم عندما يحتاجهم.
أما الذي يعرف أن كل لحظة ضعف ستصبح لاحقًا جزءًا من ملف الاتهام ضده، فسيتعلم إخفاء ضعفه.
وقد لا نكتشف حاجته إلينا إلا بعدما يصبح الأمر أكبر من قدرتنا جميعًا على احتوائه.
ومن منا طبيعي تمامًا؟
ربما لهذا أصبحت أتردد كثيرًا قبل وصف إنسان بأنه «غريب».
غريب بالنسبة لمن؟
وبأي مقياس؟
ومن منا، لو فُتحت غرفه المغلقة، وأفكاره ومخاوفه وتناقضاته كلها أمام الآخرين، سيظل ذلك الإنسان «الطبيعي» الذي يتخيله عن نفسه؟
لعل بعض الفرق بيننا وبين من نسميهم غريبي الأطوار أن:
(غرابتنا أكثر قدرة على الاختباء).
نحن تعلمنا متى نصمت، وماذا نخفي، وكيف نرتب صورتنا أمام المجتمع.
بينما هناك أشخاص يعيشون شيئًا من دواخلهم أمامنا بلا تلك الأقنعة.
فنخاف منهم أحيانًا، ربما لأنهم يظهرون ما تعلمنا نحن إخفاءه.
أخيرًا..
لا أطلب من أحد أن يحتمل الأذى، ولا أن يقترب ممن يخشى سلوكه، ولا أن يتحول إلى طبيب لمن يحتاج إلى طبيب.
كل ما أتمناه أن نتباطأ قليلًا قبل إصدار الحكم.
فربما وراء الثياب غير المرتبة عقل يحمل معرفة لم نتوقعها.
وراء الصمت حكاية لم تجد مستمعًا.
وراء الانفعال معركة لا نراها.
وراء المرض إنسان كامل، وليس ملفًا طبيًا.
ووراء الشخص الذي قرر الجميع الابتعاد عنه، ربما يوجد إنسان جميل لم يمنحه أحد وقتًا كافيًا ليظهر.
لقد علمتني الحياة أن البشر لا يُقرأون من الصفحة الأولى.
بعضهم كتاب مرتب، واضح الفصول، سهل القراءة.
وبعضهم أوراق مبعثرة تحتاج إلى شيء من الصبر حتى تكتشف أن بينها نصًا جميلًا.
ولهذا كلما رأيت إنسانًا يصفه الآخرون بالغريب، أحاول ألا أبدأ بسؤال:
ما خطب هذا الإنسان؟
بل أسأل نفسي أولًا:
ما الذي لا أعرفه عنه بعد؟
ربما لا يحتاج المختلفون عنا إلى عالم خاص بهم، وإنما إلى مساحة عادلة داخل عالمنا؛ مساحة لا نسخر فيها من اختلافهم، ولا نحوّل معاناتهم إلى بطولة، ولا نخاف منهم لمجرد أننا لم نفهمهم.
نعالج ما يحتاج إلى علاج، ونوقف ما يحتاج إلى حد، ونسامح ما يمكن أن يُسامح، ونترك للإنسان حقه الطبيعي في أن يكون إنسانًا.
فالاحتواء الحقيقي ليس أن تحمل إنسانًا على كتفيك طوال حياته…
بل أن تمد له يدك حين يحتاجها، وتساعده ما استطعت على الوقوف على قدميه، دون أن تجعله يشعر يومًا بأنه أقل منك..










