بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الرياضة العُمانية بين الاستقلالية والحوكمة.. نحو مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة

د. منصور بن سلطان الطوقي
مستشار التنمية الرياضية

 

لم تعد الرياضة في عالم اليوم مجرد منافسات ونتائج وبطولات، بل أصبحت قطاعًا له أبعاد اقتصادية واجتماعية وتنموية واسعة. فهي تستقطب الاستثمارات والرعاية، وتوفر فرصًا للشباب، وتسهم في تعزيز الصحة وجودة الحياة، كما أصبحت وسيلة مهمة للترويج للدول وبناء صورتها على المستوى الدولي.

وفي سلطنة عُمان، يتزايد الاهتمام بتطوير القطاع الرياضي باعتباره أحد مكونات التنمية الوطنية، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 التي تضع الإنسان والمجتمع والاقتصاد والحوكمة والأداء المؤسسي ضمن محاورها الرئيسية. وتؤكد الرؤية على أهمية وجود مؤسسات تتمتع بحوكمة شاملة ورقابة فاعلة وأداء كفؤة. ومن هنا تبرز قضية مهمة تستحق النقاش: كيف يمكن تحقيق التوازن بين استقلالية المؤسسات الرياضية وبين حاجتها إلى الرقابة والمساءلة والحوكمة؟

الاستقلالية حق… ولكنها مسؤولية

تُعد استقلالية المؤسسات الرياضية مبدأً مهمًا لضمان اتخاذ القرارات الرياضية بعيدًا عن التدخلات غير المبررة، خصوصًا في الجوانب الفنية والرياضية. لكن الاستقلالية لا تعني غياب المساءلة، ولا تعني أن تكون المؤسسة الرياضية هي الجهة الوحيدة التي تقرر مدى نجاحها في تطبيق مبادئ الحوكمة. فكلما زادت الصلاحيات والمسؤوليات والموارد التي تديرها المؤسسة، زادت الحاجة إلى أن تكون لديها أنظمة واضحة للرقابة والتقييم والشفافية. وهنا لا ينبغي النظر إلى الحوكمة باعتبارها قيدًا على العمل الرياضي، وإنما باعتبارها أداة لحماية المؤسسة الرياضية وتعزيز استقلاليتها واستدامتها.

تجربة عُمانية تستحق البناء عليها

في هذا السياق، شهد القطاع الرياضي العُماني خطوة مهمة عندما وقعت وزارة الثقافة والرياضة والشباب في عام 2024 اتفاقية مع مركز عُمان للحوكمة والاستدامة لتأطير وتنظيم عمل اللجنة الأولمبية العُمانية والاتحادات الرياضية. وشملت المبادرة عددًا من الجوانب المهمة، من بينها حوكمة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات والمهام، وتنظيم العلاقة بين مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية، إضافة إلى وضع أدوات للرقابة الداخلية والخارجية، وتحديد آليات التقييم ومؤشرات الأداء. وهذه الخطوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن تطوير الرياضة لا يرتبط فقط بتطوير المنشآت أو زيادة عدد البطولات، وإنما يبدأ أيضًا من تطوير المؤسسة الرياضية نفسها. فالرياضة القوية تحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية تحتاج إلى أنظمة واضحة للحوكمة والمساءلة.

رؤية عُمان 2040… والرياضة جزء من منظومة التنمية

عند الحديث عن الحوكمة الرياضية في سلطنة عُمان، من المهم ألا ننظر إليها بمعزل عن رؤية عُمان 2040.فالرؤية تؤكد أن الدولة المستقبلية تقوم على الحوكمة الشاملة والرقابة الفاعلة وكفاءة الأداء، كما تسعى إلى اقتصاد منتج ومتنوع يقوم على الابتكار وتكامل الأدوار وتكافؤ الفرص، إلى جانب مجتمع يتمتع بالرفاه والتنمية المستدامة. والرياضة يمكن أن تسهم في هذه المستهدفات من أكثر من جانب. فهي ترتبط بصحة المجتمع وجودة الحياة، وتمكين الشباب، وتنمية المواهب، وتشجيع الاستثمار، وتنشيط السياحة والفعاليات، وخلق فرص اقتصادية جديدة. كما أن رؤية عُمان 2040 تشير بالجهود المرتبطة بأولوية المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية إلى مبادرات لتشجيع الاستثمار في قطاعات الرياضة والشباب والفن. (وهذا يعني أن الرياضة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت جزءًا من منظومة التنمية التي تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة هذا الدور بكفاءة.

من إدارة البطولات إلى إدارة القطاع

ربما يكون التحدي الأكبر أمام الرياضة العُمانية في المرحلة المقبلة هو الانتقال تدريجيًا من التركيز على إدارة النشاط الرياضي إلى مفهوم أوسع يتمثل في إدارة وتطوير القطاع الرياضي. وهناك فرق كبير بين الاثنين. إدارة البطولة تعني تنظيم المنافسات وتحقيق أهدافها، أما إدارة القطاع فتشمل التخطيط طويل المدى، وتطوير الموارد البشرية، والاستثمار، والتسويق، وإدارة المخاطر، وقياس الأداء، وتنويع مصادر التمويل، وحماية الرياضيين، وتطوير الفئات السنية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص. وهنا تصبح الحوكمة ضرورة وليست خيارًا.

هل نحتاج إلى رقابة أكثر؟

قد يعتقد البعض أن الحديث عن الرقابة والتدقيق المستقل يعني زيادة التدخل في عمل المؤسسات الرياضية. لكن التجارب المؤسسية الحديثة تؤكد أن الرقابة الجيدة لا تهدف إلى إدارة المؤسسة بدلًا عنها، وإنما إلى التأكد من أن المؤسسة تعمل وفق قواعد واضحة وأن الصلاحيات تُمارس بصورة مسؤولة. ولهذا فإن المطلوب ليس المزيد من البيروقراطية، وإنما المزيد من الوضوح. وضوح في الصلاحيات، ووضوح في المسؤوليات، ووضوح في معايير التقييم، ووضوح في إدارة الموارد، ووضوح في النتائج التي يُفترض أن تحققها المؤسسة.

المؤشرات أهم من الانطباعات

من أهم جوانب الحوكمة الحديثة الانتقال من تقييم المؤسسات بناءً على الانطباعات إلى تقييمها بناءً على مؤشرات أداء قابلة للقياس. فليس المهم فقط أن نقول إن اتحادًا رياضيًا ناجح، بل يجب أن تكون هناك مؤشرات يمكن من خلالها قياس هذا النجاح. ويمكن طرح الأسئلة التالية : كم عدد الرياضيين الذين تم تطويرهم؟ ما حجم المشاركة المجتمعية؟ ما مستوى الإنجاز الرياضي؟ هل هناك نمو في الفئات السنية؟ ما حجم الإيرادات الذاتية؟ كيف يتم استثمار الموارد؟ ما مستوى رضا الرياضيين والأندية؟ وهل تحقق المؤسسة أهدافها الاستراتيجية؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من مكانة المؤسسات الرياضية، بل تساعدها على معرفة نقاط القوة والضعف واتخاذ قرارات أكثر دقة.

الرقمنة فرصة جديدة للحوكمة

وتتجه الرياضة العُمانية كذلك نحو الاستفادة من الأدوات الرقمية في إدارة الأداء والبيانات. ومن الأمثلة على ذلك منصة متابعة الأداء الرياضي الوطنية التي تعمل بإشراف وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وتهدف إلى إدارة البيانات ومتابعة الأداء ودعم اتخاذ القرار ضمن منظومة مؤسسية متكاملة. وهذا الاتجاه مهم جدًا؛ لأن الحوكمة الحديثة تحتاج إلى بيانات دقيقة تساعد المسؤولين على اتخاذ القرارات، كما تمكن من متابعة الأداء بصورة أكثر موضوعية. فالقرار الرياضي في المستقبل لن يعتمد فقط على الخبرة والانطباع، وإنما بدرجة أكبر على البيانات والتحليل ومؤشرات الأداء.

القطاع الخاص شريك في الحوكمة أيضًا

ومع توجه سلطنة عُمان نحو تنويع الاقتصاد وتشجيع الاستثمار، يمكن للرياضة أن تصبح مجالًا أكثر جاذبية للقطاع الخاص. لكن المستثمر يحتاج إلى بيئة واضحة ومستقرة وشفافة. فالشركات لا تبحث فقط عن فرصة لوضع شعارها على قميص أو رعاية بطولة، وإنما تبحث عن مؤسسة لديها رؤية واضحة، وخطط قابلة للقياس، وقدرة على إدارة الشراكات، وشفافية في التعامل. ومن هنا فإن الحوكمة ليست فقط مطلبًا إداريًا، بل يمكن أن تكون أداة لجذب الاستثمار الرياضي.

الرياضة للجميع… والحوكمة للجميع

لا ينبغي أن تقتصر الحوكمة على المؤسسات الرياضية الكبيرة. فاللجنة الأولمبية والاتحادات والأندية والروابط والجهات العاملة في المجال الرياضي، جميعها جزء من منظومة واحدة، وإن اختلف حجم المسؤوليات والموارد. كما أن الحوكمة ينبغي أن تشمل مختلف مجالات الرياضة، بما فيها الرياضة المدرسية، والرياضة النسائية، والرياضة المجتمعية، والرياضة للأشخاص ذوي الإعاقة، والرياضات الفردية والجماعية. فنجاح الرياضة لا يقاس فقط بعدد الميداليات، وإنما أيضًا بقدرتها على إتاحة الفرص، واكتشاف المواهب، وتعزيز المشاركة، وبناء مجتمع أكثر نشاطًا وصحة.

الاستقلالية التي تستحق الدفاع عنها

إن الاستقلالية الرياضية ستظل مبدأً مهمًا، ولكنها تصبح أقوى عندما تكون مدعومة بحوكمة واضحة ومساءلة موضوعية. المؤسسة التي تستطيع أن تقول: هذه أهدافنا، وهذه مواردنا، وهذه مؤشرات أدائنا، وهذه نتائجنا، وهذه آليات الرقابة لدينا؛ هي مؤسسة أكثر قدرة على الدفاع عن استقلاليتها وكسب ثقة المجتمع. ولذلك فإن المرحلة المقبلة من تطور الرياضة العُمانية لا ينبغي أن تركز فقط على بناء المنشآت وتنظيم البطولات، بل يجب أن تركز بالقدر نفسه على بناء المؤسسات. فالمؤسسة الرياضية الحديثة تحتاج إلى إدارة مقتدرة، وحوكمة فعالة، وشفافية، ومؤشرات أداء، وتقييم مستمر، واستثمار في الكوادر الوطنية. وفي ضوء مستهدفات رؤية عُمان 2040، يمكن أن تصبح الرياضة نموذجًا عمليًا لتطبيق مبادئ الحوكمة والأداء المؤسسي، وليس مجرد قطاع يتلقى هذه المبادئ من قطاعات أخرى. فالاستقلالية ليست أن تعمل المؤسسة بعيدًا عن الرقابة، وإنما أن تكون قادرة على العمل باستقلالية لأنها تملك نظامًا مؤسسيًا يجعلها جديرة بالثقة.

وفي النهاية، فإن مستقبل الرياضة العُمانية لن تحدده فقط نتائج المنتخبات وعدد البطولات والميداليات، وإنما ستحدده أيضًا قدرة مؤسساتها على التطور، والشفافية، والمساءلة، وقياس الأداء، وصناعة القيمة المستدامة للمجتمع والاقتصاد. وهنا تكمن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة: استقلالية مسؤولة، حوكمة فاعلة، أداء قابل للقياس، وثقة تُبنى بالإنجاز والشفافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى