
أهمية تطوير السياحة وإبرازها توافقاً مع الرؤية المستقبلية والتنوع الاقتصادي الشامل
سالم بن حمدان السيفي
إن السياحة في جوهرها العميق ليست مجرد انتقال جغرافي بين أقاليم الأرض ولا هي استهلاك لحظي لجمال الطبيعة والمآثر التاريخية بل هي نتاج استبصار فلسفي يرى في المكان ذاكرة وفي التنوع هبة وفي الإنسان غاية ومحركاً. إن النظرة المستقبلية للقطاع السياحي تحوله من نشاط هامشي إلى مشروع لبناء الدولة الحديثة حيث يلتقي التخطيط الاستراتيجي بالاستثمار الروحي والمادي.
فعلى مستوى الدولة تشكل السياحة المستدامة شرياناً تنموياً يجدد الدماء الاقتصادية ويرسخ الاستقرار بعيداً عن تقلبات الموارد الفانية.
وعلى مستوى المجتمع تعمل كجسر حضاري يحيي الهوية ويصون الموروث ليعيد تقديمه للقيم الإنسانية الجامعة القائمة على التسامح وقبول الآخر. أما على مستوى الفرد زائراً كان أو مقيماً فإنها توفر المساحة النفسية للاستجمام والتأمل في بيئة آمنة ينسجم فيها النظام مع السكينة.
ومن هذا المنظور تتجلى تجربة سلطنة عمان كنموذج استثنائي يترجم هذه الرؤية المستقبلية عبر دمج عبق التاريخ بألق الحداثة وتناغم التضاريس متخذة من تنوعها الفريد منارة تنموية وحضارية متكاملة.
واليوم تقف سلطنة عمان كواحدة من أكثر الوجهات السياحية تميزاً ورصانة حيث تندمج الحداثة الحضرية بالموروث العريق لتصوغ لوحة نابضة بالحياة.
ففي قلب العاصمة مسقط والمراكز الحضرية الحديثة تتقاطع أصالة العمران مع معالم التطور الحضاري مثل جامع السلطان قابوس الأكبر ودار الأوبرا السلطانية إلى جانب المدن المستحدثة ومخططات الصاروج التي تلتزم بأعلى معايير جودة الحياة والبيئة الذكية.
ولا تكتمل هذه الصورة إلا بالتأمل في التراث المعماري الخالد الذي تتجسد ملامحه في قلعة صحار العريقة التي كانت امتداداً يربط بين التجارة والتنوع الثقافي والأصالة في حقبة من الحقبات بأسواقها ومعالمها، والتي لاتزال حاضرة بعراقتها وشاطئها المتلألأ الخلاب وأوديتها ومسطحاتها الخضراء.
ويمتد هذا الإرث العريق إلى نزوى بقلعتها الشامخة الحاضرة بعلمائها وتاريخها المجيد، حيث تروي قراها التراثية وحاراتها القديمة قصصاً عن مجدٍ تليد.
وينسحب هذا المجد على قلعة بهلاء المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وقلعتي الجلالي والميراني الشامختين على مدخل بحر عمان بمسقط، وحصن نخل الراسخ على صخرة صلبة وسط واحات النخيل الغناء.
تتصل هذه الشواهد المعمارية عاطفياً وواقعياً بالأسواق التقليدية النابضة بالحياة مثل سوق صحار وسوق نزوى وسوق مطرح حيث يختلط عبق اللبان والبخور والفضيات العمانية بصخب التجارة المعاصرة لتشهد على تاريخ عريق يربط الماضي بالحاضر.
يأتي هذا الثراء التراثي في إطار تنوع جغرافي ومناخي مبهر يتصدره موسم خريف ظفار الذي يحول الجنوب العماني صيفاً إلى واحة استوائية خضراء تكسوها الغيوم والضباب والرذاذ والهواء العليل، وتتدفق فيها العيون المائية الشهيرة، إلى جانب العيون الطبيعية كعين الكسفة وعين الثوارة، والأفلاج فريدة الهندسة كفلج دارس وفلج الخطمين المسجلين في اليونسكو؛ حيث تمثل هذه الأفلاج شريان حياة في عُمان.
ويقابل ذلك الهيبة الجبلية الشامخة لجبل شمس الذي يضم الأخدود العظيم لهواة المغامرات، والجبل الأخضر بمدرجاته الزراعية ومناخه المعتدل.
ولا تنفصل هذه المعالم عن الأودية العمانية الفيروزية الساحرة كوادي بني خالد، ووادي شاب، وادي ضيقة، فضلاً عن الشواطئ الممتدة والمحميات الطبيعية الغنية في محافظة جنوب الشرقية كمحمية رأس الجنز لتكاثر السلاحف البحرية، ومدينة صور بتاريخها البحري العريق، وصولاً إلى كثبان رملة آل وهيبة بصحاريها الذهبية الساحرة.
ولتأطير هذا التنوع ضمن رؤية استثمارية واعدة يبرز مفهوم تطوير المرافق السياحية والبنية التحتية كضرورة استراتيجية؛ حيث جرى ربط كافة هذه المزارات والمحافظات المترامية الأطراف بشبكة طرق حديثة ومزدوجة تخترق الجبال وتصل بين الشواطئ والصحارى بأعلى معايير السلامة، إلى جانب المطارات الداخلية المجهزة.
يعمل هذا الربط اللوجستي المتطور كجسر يحول المقومات الطبيعية والتراثية إلى منتج سياحي مكتمل يُطيل مدة إقامة السائح ويوزع التدفقات الاقتصادية على مختلف المحافظات ويعزز تنافسية السلطنة عالمياً مع إحياء الموروث الحضاري وتحفيز الصناعات الحرفية والفنون الشعبية.
أمّا على الصعيد المادي والاقتصادي فيسهم هذا الزخم في رفد الخزينة العامة، وتنويع مصادر الدخل القومي بعيداً عن الموارد الناضبة، مع توفير آلاف فرص العمل للكوادر الوطنية، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر سلاسل القيمة السياحية.
وتتكامل هذه الجهود تحت مظلة وزارة التراث والسياحة والذراع الاستثماري شركة عمران لإنفاذ غايات رؤية عمان 2040 بالوصول إلى مساهمة تصل إلى 5% في الناتج المحلي الإجمالي، واستقطاب أكثر من أحد عشر مليون سائح، وتوفير نيف وخمسمائة ألف فرصة عمل.
وتتحقق هذه الغايات من خلال فتح آفاق الاستثمار الأجنبي في المجمعات السياحية المتكاملة، وتوسيع سياحة المغامرات والتجارب البحرية والجبلية، وتأمين المنصات الرقمية للتجوال، وتبني معايير الحياد الكربوني، والاستدامة البيئية لتأمين مستقبل الأجيال القادمة.
وأخيراً؛ تتوج هذه المقومات والتخطيط المؤسسي بالميزة التنافسية الكبرى للسلطنة والمتمثلة في المنظومة الأمنية الرصينة والانضباط المروري العالي الذي يوفر بيئة آمنة يطمئن فيها كل من يتجول على أراضيها.
يتكامل هذا النظام المحكم مع شيم المجتمع العماني وقيمه الراسخة في التسامح واللطف والانفتاح، حيث يجد الزائر والمقيم بيئة تتسع للجميع وتسودها روح قبول الآخر دون أدنى مساس بالهوية الوطنية العمانية الأصيلة؛ لتظل عمان واحة تجمع بين السكينة والاستجمام، والجاذبية الاستثمارية الرصينة، وقبلة آمنة للتجوال والاستكشاف تواكب طموحات المستقبل بكل ثقة واقتدار.








