بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

تشييع جثمان الأسرة.. تمخضت الحداثة فولدت طلاقا متوجاً!

نرجس البزال

 

 

في زمنٍ كان الطلاق فيه وجعا يُخفى، صار اليوم مشهدا يُعلن، وتفاصيله مادةً للفرجة، كلما ارتفع منسوب الضجيج حوله، ارتفعت قيمته في سوق الشهرة.

المشكلة ليست في أن ينفصل اثنان. فالانفصال، مهما كان مؤلما، قد يكون أحيانا أرحم من استمرار علاقة ماتت فيها المودة. المشكلة حين يتحول الانفصال من قرار شخصي إلى منتج جماهيري، له جمهور، كاميرات، تسويق، توقيت، رسائل مبطنة، وملايين العيون التي تنتظر الحلقة التالية.

نحن أمام زمن غريب فعلا. زمن لم تعد فيه الخصوصية فضيلة، ولا الستر قيمة رائجة، ولا الصمت موقفا مفهوما. كل شيء قابل للتصوير، وكل جرح قابل للنشر، وكل خلاف يمكن تحويله إلى محتوى، وكل فضيحة يمكن أن تصبح بابا للشهرة.

والأخطر من ذلك أن الجمهور نفسه صار جزءا من اللعبة.

لم نعد نشاهد فقط، صرنا نمنح القيمة. نعلق، نحلل، نتهم، ننحاز، ونبحث عن تفاصيل أكثر. ثم نتساءل في النهاية: لماذا يستمرون في كشف المزيد؟ لأننا نطلب المزيد.

أصبح كل شيء قابلا للشك. هل ما نشاهده نهاية علاقة، أم بداية مرحلة جديدة من صناعة الشهرة؟ هل نحن أمام قرار عاطفي، أم أمام شراكة صامتة مع جمهور لا يعيش إلا على التفاصيل؟ وهل كل ما يصلنا من الشاشة حقيقة كاملة، أم نسخة منتقاة بعناية من الحقيقة؟
لا أحد يملك الإجابة.
وربما هذه هي اللعبة الأخطر.
فالحقيقة حين تدخل سوق المحتوى، تصبح عن المشاهدات.

أما الأطفال، فهم الطرف الوحيد الذي لا يملك كاميرا ولا منصة ولا القدرة على اختيار الرواية التي ستروى عنه. يكبرون وسط قصص صنعها الكبار، وقد يكتشفون يوما أن طفولتهم كانت مادة منشورة أمام ملايين الغرباء. وهنا يجب أن نتوقف قليلا.

لسنا مطالبين بأن نحزن على كل مشهور، ولا بأن نختار طرفا في كل معركة، ولا بأن نصدق كل رواية تصلنا عبر الشاشة. لكننا مطالبون بأن نسأل: إلى أين يأخذنا هذا التطبيع مع تحويل الحياة الخاصة إلى مسرح عام؟ الخطر الحقيقي ليس في قصة شخصين.

الخطر أن تصبح قصتهما نموذجا. أن يتعلم جيل كامل أن الخلاف لا يكتمل إلا أمام الجمهور، وأن الانفصال يحتاج إلى إعلان، وأن الألم يحتاج إلى كاميرا، وأن الانتقام يحتاج إلى متابعين، وأن الخصوصية خسارة في معركة الشهرة.
متى صار خراب البيوت مادة ترفيه، ومتى صار الجمهور شريكا في صناعة الخراب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى