بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

حكام كرة القدم العرب: نقص الجاهزية وتحديات مسايرة المستوى الدولي

 المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com

 

 

يُعدّ التحكيم في كرة القدم منظومةً رقابية وقانونية أساسية تتولى إدارة المباريات وتطبيق قوانين اللعبة بعدالة ونزاهة، بما يضمن احترام القواعد وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الفرق. ويتكوّن طاقم التحكيم من حكم الساحة، والحكمين المساعدين، والحكم الرابع، إلى جانب منظومة التحكيم بتقنية الفيديو المساعد (VAR)، التي أصبحت جزءاً مهماً من منظومة التحكيم الحديثة.

طاقم التحكيم وأدواره

حكم الساحة: يمتلك السلطة الأساسية لإدارة المباراة، وتطبيق قوانين اللعبة، واتخاذ القرارات المتعلقة بالمخالفات، وإشهار البطاقات، واحتساب الأهداف وركلات الجزاء.

الحكمان المساعدان: يساهمان في احتساب حالات التسلل، وتحديد خروج الكرة من الملعب، ومساعدة حكم الساحة في بعض الحالات والمخالفات القريبة من خطوط الملعب.

الحكم الرابع: يتولى مراقبة المنطقة الفنية، وتنظيم عمليات التبديل، ومتابعة سلوك الأجهزة الفنية، والإعلان عن الوقت بدل الضائع.

التكنولوجيا والتحكيم الحديث

أصبحت التكنولوجيا عاملاً أساسياً في تطوير التحكيم، ومن أبرز تطبيقاتها:

تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR): تساعد في مراجعة بعض الحالات المؤثرة، خصوصاً الأهداف، وركلات الجزاء، والبطاقات الحمراء المباشرة، وحالات الخطأ في تحديد هوية اللاعب المخالف.

تقنية خط المرمى: تساعد على تحديد ما إذا كانت الكرة قد تجاوزت خط المرمى بالكامل، بما يمنع الأخطاء المتعلقة باحتساب الأهداف.

كما شهدت كرة القدم تطوراً متزايداً في استخدام تقنيات مثل التسلل شبه الآلي وتحليل البيانات، الأمر الذي يتطلب من الحكام مواكبة مستمرة للتطور التكنولوجي والفني.

تنظيم وتطوير التحكيم

تتولى الهيئات الكروية المحلية والقارية والدولية مسؤولية تطوير وتأهيل الحكام من خلال برامج تدريبية واختبارات فنية وبدنية ودورات متخصصة، بهدف توحيد تفسير قوانين اللعبة وتقليل الأخطاء المؤثرة في نتائج المباريات.

وقد شهد التحكيم العربي خلال السنوات الأخيرة حضوراً متزايداً على الساحة الدولية، وبرز عدد من الحكام العرب في البطولات القارية والعالمية، وهو ما يعكس وجود كفاءات تحكيمية قادرة على المنافسة، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتكوين والاستمرارية والجاهزية.

الحضور العربي في البطولات الكبرى

شهدت الساحة الدولية حضوراً لافتاً لحكام من الدول العربية في البطولات الكبرى، سواء في قارة آسيا أو إفريقيا، كما برز حكام عرب في مسابقات دولية مهمة، إلى جانب مشاركة حكام متخصصين في تقنية الفيديو المساعد (VAR).

ويؤكد هذا الحضور أن التحكيم العربي يمتلك عناصر قادرة على الوصول إلى المستوى الدولي، غير أن الحفاظ على هذا الحضور وتوسيعه يتطلب عملاً مؤسسياً مستمراً، وليس الاعتماد على بعض الأسماء المتميزة فقط.

أبرز الحكام العرب

برز عدد من الحكام العرب في المنافسات الدولية، ومن بينهم:

– القطري عبد الرحمن الجاسم.
– الجزائري مصطفى غربال.
– السعودي خالد الطريس.
– الأردني أدهم مخادمة.
– الإماراتي عمر آل علي.
– المغربي جلال جيد.
– الموريتاني دحان بيده.
– المصري أمين عمر.
– الصومالي عمر عبد القادر عرتن.

وقد ساهم هؤلاء وغيرهم في تعزيز حضور التحكيم العربي في المنافسات القارية والدولية، وأثبت بعضهم قدرة واضحة على إدارة مباريات ذات مستوى فني وضغوط جماهيرية وإعلامية مرتفعة.

عوامل الارتقاء بمستوى التحكيم العربي

يتطلب تطوير التحكيم العربي مجموعة من الإجراءات، من أهمها:

1. تكثيف البرامج التدريبية والمعسكرات الإعدادية للحكام، مع التركيز على الجوانب الفنية والبدنية والنفسية.

2. تطوير التكوين المستمر وعدم الاكتفاء بالدورات الموسمية، لأن قوانين اللعبة والتكنولوجيا المرتبطة بها تشهد تطوراً مستمراً.

3. الاستفادة من التجارب الدولية والمدارس الحديثة في إعداد الحكام وتقييم أدائهم.

4. رفع الجاهزية البدنية والنفسية للحكم، باعتبار أن سرعة المباريات الحديثة تتطلب قدرة عالية على التحرك والتركيز واتخاذ القرار.

5. التوسع في استخدام التكنولوجيا، وخاصة تقنية التسلل شبه الآلي وتحليل الأداء، بما يساعد على تقليص هامش الخطأ.

6. تعزيز استقلالية لجان التحكيم وحمايتها من التدخلات والضغوط الإدارية والجماهيرية.

7. توفير الحماية القانونية والمعنوية للحكام ضد حملات التشكيك والتجريح التي قد تؤثر في ثقتهم بأنفسهم وفي قدرتهم على اتخاذ القرارات.

أبرز تحديات التحكيم العربي

رغم التطور الملحوظ، لا يزال التحكيم العربي يواجه عدداً من التحديات، أبرزها ضعف التكوين المستمر في بعض الاتحادات، وعدم انتظام برامج التطوير، وتفاوت مستوى الجاهزية البدنية والفنية بين الحكام.

كما تمثل الضغوط الجماهيرية والإعلامية والإدارية تحدياً حقيقياً، خصوصاً عندما تتحول الأخطاء التحكيمية إلى قضية رأي عام، أو عندما يتعرض الحكم للتشكيك المستمر في نزاهته وكفاءته.

ومن المشكلات الأخرى ضعف الثقة أحياناً في الحكم المحلي، وهو ما يدفع بعض الأندية والاتحادات إلى تفضيل الاستعانة بحكام أجانب في المباريات الحساسة. وهذا الخيار قد يكون مفهوماً في بعض الحالات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن تطوير الحكم العربي.

تقنية VAR بين التطوير وسوء الاستخدام

رغم أن تقنية حكم الفيديو المساعد جاءت بهدف تقليل الأخطاء المؤثرة، فإن استخدامها يتطلب حكاماً مؤهلين وتطبيقاً دقيقاً للبروتوكولات المعتمدة.

وفي بعض المسابقات المحلية، يلاحظ وجود جدل حول طريقة استخدام التقنية، وكثرة التوقفات، وتأخر بعض القرارات، وهو ما قد يفقد التقنية جزءاً من الهدف الذي أنشئت من أجله.

لذلك، فإن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في كيفية استخدامها وفي مستوى تأهيل القائمين عليها. فالتكنولوجيا لا تلغي الخطأ البشري، وإنما تساعد على تقليله عندما تُستخدم وفق معايير واضحة وتحت إشراف حكام مؤهلين.

نحو تحكيم عربي أكثر احترافية

إن تطوير التحكيم العربي لا يتحقق فقط بإعداد مجموعة من الحكام للوصول إلى البطولات الدولية، وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة تبدأ من اكتشاف المواهب الشابة، مروراً بالتكوين الأكاديمي والبدني والنفسي، ووصولاً إلى التقييم المستمر والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.

كما أن الارتقاء بالتحكيم يتطلب منح الحكم العربي الثقة والحماية والاستقلالية، إلى جانب محاسبته مهنياً وفق معايير موضوعية بعيداً عن الضغوط والاعتبارات الشخصية.

وفي النهاية، فإن التحكيم العربي يمتلك كفاءات أثبتت حضورها على المستوى الدولي، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل النجاحات الفردية إلى منظومة تحكيمية عربية متطورة ومستدامة قادرة على مسايرة المستويات العالمية.

فالحكم ليس مجرد صاحب صافرة داخل الملعب، بل هو أحد أهم عناصر العدالة الرياضية، ونجاحه في أداء مهمته يعكس مستوى التنظيم والاحتراف الذي وصلت إليه كرة القدم في الدولة أو الاتحاد الذي ينتمي إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى