بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الأمن الصحي يبدأ من بوابة المطار

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

عندما يصل المسافر إلى المطار تبدأ الدولة في سؤاله عن هويته ووجهته ووثائقه وما يحمله معه. تُراجع التأشيرة ويُفتح جواز السفر وتُفتش الأمتعة وتُطبق الإجراءات الأمنية والجمركية.

لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية : ماذا يحمل المسافر معه دون أن يكون موجوداً في حقيبته؟!.

قد تكون الإجابة مجرد احتمال لا يستدعي القلق، وقد تكون في ظروف أخرى أمراً يستحق الانتباه. فالأمراض المعدية لا تحتاج إلى جواز سفر ولا تقف عند الحدود ولا تنتظر أن تنتهي إجراءات الدخول. وهنا يبرز مفهوم الأمن الصحي.
فإذا كانت بوابة المطار خط الدفاع الأول عن أمن الدولة فلماذا لا تكون كذلك في الأمن الصحي؟.

كان كوفيد-19 درساً لا ينبغي أن يغادر المطار.
فلم تكن الجائحة مجرد أزمة صحية عابرة؛ بل اختباراً لقدرة الدول على حماية مجتمعاتها في عالم أصبحت فيه المسافة بين مدينتين في قارتين مختلفتين ساعات قليلة.
وأثبتت أن حركة السفر التي تنقل السياح ورجال الأعمال والاستثمارات يمكن أن تنقل معها أيضاً مخاطر صحية تتجاوز قدرة الدولة على احتوائها إذا لم تكن مستعدة.

ولهذا تحولت المطارات والمنافذ خلال تلك الأزمة إلى خطوط دفاع أولى للفحص والفرز والعزل والمتابعة وتبادل المعلومات بين المؤسسات الصحية والأمنية.
ومع عودة الحياة إلى طبيعتها عادت حركة السفر إلى مستوياتها المعتادة؛ لكن الدرس الأهم يجب أن يبقى حاضراً.
قد تنتهي الأزمة لكن الاستعداد لها لا ينبغي أن ينتهي.

العالم اليوم يتجه إلى مزيد من الانفتاح.
الدول تسهّل التأشيرات وتختصر إجراءات الدخول وتسعى إلى جذب السياح والمستثمرين وتعزيز حركة التجارة.
وهذا أمر مهم للتنمية، وسلطنة عُمان بما تمتلكه من مقومات سياحية واقتصادية معنية بهذا الانفتاح وتعزيز قدرتها على استقطاب الزوار والاستثمارات.

لكن الانفتاح الناجح لا يقاس فقط بعدد القادمين بل بقدرة الدولة على إدارة حركة الدخول بما يحفظ أمنها ومصالحها وصحة مجتمعها.
فكلما زادت حركة السفر أصبح من الضروري أن تتطور معها أدوات إدارة المخاطر.
نحن لا نحتاج إلى حدود مغلقة وإنما إلى حدود أكثر ذكاء.

ولا أحد يريد أن تتحول المطارات إلى نقاط تفتيش صحية مرهقة تعطل حركة الناس أو تجعل الزائر يشعر بأنه موضع شك.
لكن الخوف من تعقيد الإجراءات، أو التأثير في حركة السياحة والتجارة لا ينبغي أن يكون سبباً لإهمال الوقاية؛ “فالوقاية خير من قنطار علاج” عندما تكون المخاطر معروفة ويمكن الحد منها قبل أن تتحول إلى أزمة.

وقد يكون الفحص الطبي أحد هذه الإجراءات في ظروف محددة عندما تشير المعطيات العلمية إلى ضرورة ذلك.
والفكرة ليست فحص كل مسافر لمجرد أنه مسافر بل أن تمتلك الدولة القدرة على معرفة متى وأين وكيف يجب أن تتدخل.
فإذا ظهرت حالة صحية طارئة في منطقة معينة أو انتشر مرض معدٍ في دولة أو إقليم فإن الإجراءات الوقائية يمكن أن تكون أكثر دقة ومرونة من تطبيق قاعدة واحدة على الجميع.
وهذا هو الفرق بين التَّشَدُّد والذكاء.

وقد يرى البعض أن الفحص الصحي عند المنافذ يمثل تضييقاً على المسافرين.
لكن الفحص عندما يكون قائماً على الضرورة والقانون والمعايير العلمية؛ لا ينبغي أن يُفهم على أنه اتهام للإنسان.
فنحن نفتش الحقيبة ولا نتهم صاحبها، ونراجع الجواز ولا نشك في نية حامله، ونطبق الإجراءات الأمنية لأن الوقاية جزء من مسؤولية الدولة.
والصحة العامة ليست أقل أهمية من الأمن الجمركي أو الأمني.

كما أن حماية المجتمع لا ينبغي أن تتراجع أمام أي مكسب اقتصادي محتمل.
فالسياحة والتجارة والاستثمار أهداف مهمة للدولة لكن سلامة الإنسان تظل أولوية لا ينبغي أن تنافسها أولوية أخرى.

وقد قال الله جلّ شأنه : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾.

فالخوف من نقص العائد لا ينبغي أن يدفعنا إلى قبول ما قد يضر بالمجتمع.
وما يُبنى على حماية الإنسان لا يتعارض مع التنمية؛ بل هو أساس لاستدامتها.

ومن هنا يصبح الأمن الصحي جزءاً من مفهوم السياحة الآمنة.
فالسائح الذي يشعر بالأمان الصحي والأمني أكثر قدرة على الاستمتاع بزيارته، والدولة التي تحمي مجتمعها وزوارها أكثر قدرة على بناء سياحة مستدامة.

وفي بلادي عُمان تتكامل أدوار الجهات المعنية بالسياحة والصحة والأمن في حماية الزائر والمجتمع وتنظيم حركة الدخول والخروج.
ومع تطور المخاطر يصبح تعزيز التنسيق بينها أمراً طبيعياً في منظومة الأمن الوطني الحديثة.

وقد لا يحدث وباء غداً، وقد لا نحتاج إلى إجراءات صحية استثنائية لسنوات.
لكن وظيفة الدولة ليست انتظار الخطر حتى يقع بل الاستعداد له قبل وقوعه.
ولهذا من المهم أن تخضع الإجراءات الصحية في المنافذ للمراجعة الدورية، وأن تتطور وفق المتغيرات العالمية، وأن تكون هناك سيناريوهات واضحة للتعامل مع المخاطر الصحية العابرة للحدود.

فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، وإنما أيضاً بقدرتها على منع بعض الأزمات قبل أن تبدأ. والوقاية ليست خوفاً من العالم؛ بل وعياً بحقيقة العالم.

فالمطار ليس مجرد مكان يصل إليه المسافر ثم يغادره؛ بل هو نقطة التقاء بين الدولة والعالم.
وفي هذه النقطة تبدأ مسؤولية الدولة في حماية حدودها وأمنها وصحة مجتمعها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس : هل نفتح أبوابنا أم نغلقها ؟ بل : كيف نفتح أبوابنا للعالم دون أن نفتح معها أبواب المخاطر؟.

نريد سياحة مزدهرة، واقتصاداً منفتحاً واستثمارات وحركة سفر وتجارة مع العالم، وفي الوقت نفسه نريد مجتمعاً آمناً، وصحة عامة محمية.
ولا تعارض بين الأمرين إذا أحسنا إدارة حدودنا واستثمرنا في الوقاية قبل أن تتحول المخاطر إلى أزمات.

فالحدود الذكية لا تمنع الحركة وإنما تديرها، والمطار الذكي لا يسأل فقط : من يدخل ؟
بل يسأل أيضاً : هل يحمل هذا العبور ما يستدعي حماية من في الداخل؟.

إن الأمن الصحي ليس استثناءً ولا إجراءً ثانوياً يمكن تأجيله إلى أن تقع الأزمة.
إنه جزء من أمن الدولة ومن مسؤوليتها تجاه مواطنيها وزوارها.
وكلما فتحنا أبوابنا للعالم احتجنا إلى وعي أكبر بما قد يعبر منها.

فالعالم سيبقى مفتوحاً والسفر سيزداد والمخاطر الصحية لن تستأذن أحداً قبل أن تعبر الحدود.

ولهذا لا ينبغي أن ننتظر الوباء القادم حتى نكتشف أهمية الوقاية.
فالأمن الصحي يبدأ قبل أن يبدأ المرض بالانتشار، ويبدأ من المكان الذي يبدأ منه العبور : من بوابة المطار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى