
بين الاسم والجغرافيا .. أين تقف جمعية المرأة ؟
خالـصـة الصـلـتـيـة
استيقظتُ هذا الصباح على رسالة واتسابية تتداولها مجموعة من نساء ولاية مسقط، يحملن فيها مطالبتهن إلى وزارة التنمية الاجتماعية بالتدخل إثر ما تم تداوله حول إغلاق فرع جمعية المرأة العُمانية في سداب وتسريح مديرته.
وبين سطور الرسالة ظهر أمامي سؤال أوسع من قصة فرع أو مقر أو قرار إداري؛ سؤال يتصل بهوية جمعيات المرأة نفسها، وبمن تمثله هذه الجمعيات، وبالحدود التي يبدأ عندها دورها وتنتهي عندها مسؤوليتها.
يأتي هذا التساؤل في توقيت مهم، مع تطبيق قانون مؤسسات المجتمع المدني، وعمل وزارة التنمية الاجتماعية على إعداد اللوائح التنفيذية الإدارية والمالية والتنظيمية الجديدة.
وهذه المرحلة تحمل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب منظومة جمعيات المرأة العُمانية على أسس أكثر وضوحًا وعدالة، بحيث يصبح اسم الولاية جزءًا من هوية الجمعية واختصاصها وعضويتها وقيادتها، وتصبح الجغرافيا إطارًا منظمًا للعمل الأهلي وأثره.
فجمعية المرأة في أي ولاية تحمل رسالة محلية قبل كل شيء.
هي بيت لنساء الولاية، ومنصة لتمكينهن، ومساحة لاكتشاف مواهبهن واحتضان مبادراتهن ومشروعاتهن.
ومن داخلها تصل فرص التدريب إلى الباحثة عن عمل، والدعم إلى صاحبة الحرفة، والمعرفة إلى صاحبة المشروع، والمساحة إلى الموهوبة، والخبرة إلى الشابة، والدور المجتمعي إلى المتقاعدة.
وكلما اقتربت الجمعية من مجتمعها، أصبحت برامجها أكثر دقة، وأصبح أثرها أكثر اتصالًا بالحياة اليومية للنساء والأسر.
ومن هنا أرى أن اللوائح الجديدة تستطيع أن تضع قاعدة تنظيمية واضحة لعضوية جمعيات المرأة، تقوم على الارتباط الحقيقي بالولاية؛ فتكون الأولوية لنساء الولاية والمقيمات فيها إقامة فعلية، إلى جانب العُمانيات العاملات في مؤسسات تقع مقار أعمالهن داخل حدودها.
هذا الارتباط يمنح العضوة معرفة مباشرة بالمكان وأحيائه وقراه وأسرِه واحتياجاته، ويجعل مشاركتها امتدادًا طبيعيًا لمجتمع تعيش فيه أو تعمل داخله.
وتزداد أهمية هذا المبدأ عند الانتقال من العضوية إلى صناعة القرار ومجالس الإدارات.
فالقيادة المحلية تصنع جمعية أكثر قربًا من واقع الولاية، وتفتح المجال أمام نساء المجتمع نفسه لتولي المسؤولية، وتبني صفوفًا جديدة من القيادات النسائية، وتمنح كل ولاية فرصتها في إبراز طاقاتها بدل تركز العمل الأهلي والانتخابي في دوائر متداخلة.
وهنا تظهر حالة تستحق الدراسة التنظيمية. فبحسب ما يتداوله عدد من المنتسبات، تضم جمعية المرأة العُمانية بمسقط، ومقرها في القرم، عضوات في مجلس الإدارة والجمعية العمومية من ولايات مختلفة بمحافظة مسقط.
هذا التداخل يطرح سؤالًا مشروعًا حول مفهوم التمثيل الجغرافي؛ فوجود عضوات من ولاية لها جمعية مستقلة داخل جمعية تحمل اسم ولاية أخرى يخلق ازدواجية في العضوية والتمثيل والفرص الانتخابية، ويجعل الحدود بين الجمعيات أقل وضوحًا.
المسألة هنا تتعلق بالنظام أكثر مما تتعلق بالأشخاص. التنظيم الواضح يحفظ للجميع فرصهم، ويحقق التوازن بين الولايات، ويجعل كل جمعية قادرة على بناء قاعدة عضوية حقيقية من مجتمعها.
وحين ترتبط العضوية والانتخاب والترشح بالنطاق الجغرافي، تحصل نساء كل ولاية على مساحة أوسع للمشاركة والقيادة، وتصبح مسؤولية الجمعية تجاه مجتمعها قابلة للقياس والمساءلة.
فالجمعية التي تحمل اسم ولاية تستطيع أن تقيس نجاحها بأسئلة واضحة : كم امرأة من الولاية استفادت من برامجها ؟
كم مشروعًا نسائيًا احتضنت ؟
كم فرصة عمل أو تدريب ساهمت في إيجادها ؟
كم صاحبة مشروع وصلت إليها ؟
كم موهبة اكتشفت ؟
وكم شراكة بنت مع المدارس والمراكز الصحية والمؤسسات الحكومية والخاصة داخل الولاية ؟.
عندها يتحول اسم الولاية من عنوان مكتوب على جدار المبنى، أو على لوحة معلقة على واجهة المبنى إلى عقد مسؤولية اجتماعية.
وفي حالة ولاية مسقط، تضع رسالة نساء سداب اليوم أمام المجتمع والجهات المختصة فرصة لإعادة التفكير في صيغة أكثر استقرارًا من فكرة الفرع.
نساء الولاية يستحققن كيانًا يحمل اسم ولايتهن، وتنبع عضويته وقيادته من مجتمعهن، وتُصاغ برامجه وفق احتياجاتهن، أسوة بما تحظى به نساء ولايات عديدة من جمعيات مستقلة تحمل أسماء ولاياتهن.
وهنا يبرز أيضًا دور سعادة والي مسقط في مساندة نساء الولاية، وإيصال تطلعاتهن إلى وزارة التنمية الاجتماعية، ودعم مساعيهن نحو وجود جمعية مستقرة داخل حدود الولاية، إلى جانب المساهمة في تهيئة البيئة المناسبة والمقر الذي يخدم هذا الدور.
فالولاية حين تمتلك كيانًا نسائيًا قويًا، فإنها تضيف إلى أدوات تنميتها شريكًا اجتماعيًا قادرًا على الوصول إلى شريحة واسعة من المجتمع.
وفي الجهة الأخرى من الصورة، توجد جمعية المرأة العُمانية بولاية بوشر وتعمل من مقر مستأجر، بينما يقع مقر جمعية المرأة العُمانية بمسقط في القرم ضمن النطاق الجغرافي لولاية بوشر.
وهنا تظهر فرصة إدارية تستحق الدراسة من الوزارة : إعادة تنظيم هذا الوضع بحيث يؤول مقر الجمعية القائم في القرم، أو يعاد تخصيصه، لخدمة جمعية المرأة العُمانية بولاية بوشر وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة.
مثل هذا التنظيم يحقق أكثر من مكسب في وقت واحد؛ يمنح جمعية بوشر مقرًا داخل حدود ولايتها، ويوجه المبالغ المخصصة للإيجارات نحو برامج التدريب والتمكين والمشاريع النسائية، ويحقق كفاءة أفضل في إدارة الأصول، ويربط المقر بالمجتمع الجغرافي الذي يقع داخله.
وفي المقابل تحصل ولاية مسقط على فرصة لبناء جمعيتها داخل نطاقها الجغرافي وبقيادة نسائها.
هذه الصورة تقدم نموذجًا للعدالة الإدارية التي تحتاجها المرحلة الجديدة : ولاية، وجمعية، وعضوية، وقيادة، وأثر مجتمعي داخل نطاق واضح.
وحين تتكامل هذه العناصر، يصبح العمل الأهلي أكثر قدرة على التخطيط، وأكثر وضوحًا أمام الوزارة والمجتمع، وأكثر إنصافًا في توزيع الفرص بين النساء.
إن اللوائح الجديدة لقانون مؤسسات المجتمع المدني تستطيع أن تؤسس لهذا التحول؛ من خلال تنظيم النطاق الجغرافي للعضوية، وضوابط الانتخاب والترشح، وارتباط مجالس الإدارات بالمجتمع المحلي للولاية، وآليات توزيع المقار والأصول، ومعايير إنشاء الفروع وتحويلها إلى جمعيات مستقلة وفق الحاجة والكثافة السكانية والأثر المتوقع.
ورسالة نساء سداب التي انتشرت يمكن أن تتحول إلى نقطة بداية لإعادة قراءة المشهد كله.
ففي كل قضية محلية فرصة لإصلاح أوسع، وفي كل سؤال عن فرع فرصة لسؤال أكبر عن هوية الجمعية وعدالة التمثيل.
فالمرحلة القادمة تستحق جمعيات نسائية أكثر اتصالًا بالمكان، وأكثر قدرة على صناعة القيادات، وأكثر عدالة في توزيع الفرص والموارد.
وحين تحمل الجمعية اسم الولاية، يصبح نساء الولاية أولى بصوتها وقيادتها وأثرها؛ فالجغرافيا هنا ليست حدودًا على الخريطة، بل مسؤولية وانتماء وعدالة في التمثيل.









