بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

هندسة الروح على ضفاف اللعب.. حين تعيد البهجة ترميم ما أفسدته الحياة

ياسمين عبدالمحسن إبراهيم

مديرة تطوير الأعمال – شركة رواق للابتكار

 

 

حين يقرر الإنسان أن يرتدي معطف الوقار الأبدي، ويبدأ في عد الأيام كأنها أرقام في ميزان جاد، فإنه يرتكب الجريمة الأكبر بحق روحه؛ إنه يغتال ذلك الطفل الذي كان يرى في أبسط الأشياء دهشة لا تنتهي.

نحن لا نكبر لنتوقف عن اللعب، بل نتوقف عن اللعب فنكبر قبل أواننا !، واللعب قطعاً ليس مقصوراً على الأطفال فقط، بل هو حاجة إنسانية ملحة ترافق الإنسان منذ مهده وحتى أشد سنوات عمره نضجاً ووقاراً؛ فكبار السن، بخبرتهم وحكمتهم، هم أشد الناس حاجة إلى لحظات البهجة التي تعيد بريق الروح وتنعش الذاكرة.

حين نتأمل تاريخ البشرية، نجد أن اللعب لم يكن يوماً رفاهية عابرة، بل كان الركيزة الأساسية التي بُنيت عليها المجتمعات، واللغة العالمية التي تذيب الفوارق والمسافات.

انظروا إلى الفنون الشعبية، وحين ينخرط الكبار والصغار والزوار في حلقة رقص أو أهازيج جماعية؛ أين تختفي تلك الفروق الطبقية والعقلية والمادية؟ إنها تذوب فوراً في بوتقة الاستمتاع المشترك.

في تلك اللحظة، لا أحد يكترث بمن أنت، بل المهم هو كيف تنبض مع الإيقاع. اللعب هنا يتحول من مجرد حركة جسدية إلى “مزامنة روحية” تخلق ألفة لا تستطيع سنوات من التعارف الرسمي أن تصنعها.

ولم يعد خفياً على أحد أننا نعيش اليوم حالة من الإرهاق المعرفي والنفسي، ربما يصفها البعض بمصطلحات معاصرة، لكن جوهرها الحقيقي هو أننا أصبحنا نتحمل ببطء شديد، وأن السرعة المحيطة بنا ترهق أرواحنا المشتتة.

وحين يلجأ الكبار، من قادة ورؤساء شركات وموظفين، إلى ممارسة لعبة شطرنج، أو جولة غولف، أو حتى حين تلجأ الأمهات إلى ابتكار أشكال مبهجة في المطبخ كصنع كعكة على شكل وردة، هن لا يمارسن عبثاً؛ إنهن يمارسن طقساً مقدساً لإعادة ضبط الوعي.

اللعب هو الـ break الاستراحة الحقيقية ، أو الـ hackathon الداخلي الذي يفكك تعقيدات التفكير المستمر ويمنح الدماغ مساحة ليتنفس.

إن شغفي باللعب لم يكن وليد الصفر؛ لقد بدأ حين أدركت كمعلمة لغة عربية أن أقسى التحديات النفسية التي تواجه الطلاب ليست في صعوبة القواعد والمشتقات بذاتها، بل في الجمود الذي يُقدم به العلم. حين حوّلت المناهج الصعبة إلى ألعاب ممنهجة والحكايات التفاعلية، رأيتُ العقول تزهر. لم يكن الهدف تضييع الوقت، بل كان خلق بيئة تعايش آمنة يرتدي فيها الطلاب قناع “اللاعب” المتحرر من خوف الخطأ.

ومن هذه الشرارة الأولى، امتدت التجربة لتلامس عوالم أعمق وأكثر إنسانية؛ حين قررت أن أكرس جزءاً من هذه الفلسفة لخدمة من هم أشد حاجة للبهجة.

لقد حملت هذا الشغف إلى مساحات التطوع والابتكار، مستهدفة أطفالنا من ذوي التوحد، متلازمة داون، الأمراض النادرة، المكفوفين، والإعاقات الحركية. وحين نصمم لعبة مخصصة لطفل كفيف أو طفل يعاني من مرض نادر، نحن لا نصمم مجرد أداة ترفيهية، بل نفتح له نافذة على عالم عادل، عالم يقول له : “لك الحق أن تستمتع، ولك الحق أن تشعر أنك بخير تماماً مثل بقية أقرانك”.

التكنولوجيا الحديثة، من واقع افتراضي (VR) ومعزز (AR)، لم تكن بالنسبة لي يوماً مجرد شاشات وأجهزة مبهرة، بل كانت “مختبرات أثر طيب”، وعسانا ننجح في دمج هويتنا العربية وتراثنا العريق – كالألعاب التقليدية العمانية التي دمجناها بمهارات بناء الفرق (Team Building) – لنصنع جسوراً حقيقية من التواصل الإنساني.

ولإدخال السرور على قلوب كبار السن، والموظفين، والإدارات في بيئات العمل، تتعدد الطرق المبتكرة التي تتجاوز الروتين؛ فبالنسبة لكبار السن، يمكن استخدام الألعاب الجماعية الذاكرية مثل استرجاع القصص القديمة عبر الصور، أو الألعاب الحركية الخفيفة التي تناسب طاقتهم لتعزيز شعورهم بالانتماء والحيوية.

أما في بيئات العمل والمؤسسات، فيمكن تفعيل استراحات ذهنية قصيرة تعتمد على التحديات البصرية، أو الألعاب اللفظية السريعة، أو ورش الطهي المصغرة، أو حتى مسابقات بناء الفرق (Team Building) المدمجة بالتراث، حيث تمنح هذه الأنشطة الموظفين والإدارات مساحة للتخلص من ضغوط العمل، وتجديد الشغف، وخلق بيئة تسودها الألفة والمرح.

في النهاية، اللعب ليس قفزاً عشوائياً في بركة ماء، ولا هروباً طفولياً من المسؤوليات. اللعب هو الطريقة الأكثر صدقاً لكي نتحمل قسوة الواقع. هو الشجاعة التي تجعلنا نصبر حتى على خسارة فريق دافعنا عنه باستمتاع، وهو الطريقة التي تجعلنا نعطف على أنفسنا أولاً، وعلى من حولنا ثانياً.

الكبار منا، في كامل وقارهم وحكمتهم، أشد ما يكونون حاجة إلى كلمة طيبة، إلى تحدٍّ لطيف مدته ثلاثون ثانية يغير مزاج اليوم بأكمله، وإلى هدية صغيرة تعيد لعينيهم بريق الاندهاش.

لذا، أدعوكم اليوم ألا تأخذوا الحياة بجدية قاتلة. إبحثوا عن لعبتكم الخاصة؛ ارسموا، ارقصوا، ركبوا المكعبات، أو جربوا نظارة افتراضية تأخذكم إلى عوالم أرحب.

تذكروا دائماً : اللعب ليس مضيعة للوقت، اللعب هو هندسة الروح، وهو المفتاح السحري الأوحد الذي يهمس لأرواحنا المتعبة في نهاية اليوم الطويل : “اطمئنوا .. نحن الآن بخير”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى