بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

ثرثرة هادئة في أذن الروح

نبيلة السهلي

 

 

في زحام الحياة، وتلاحق المسؤوليات، وكثرة الأصوات من حولنا، ننسى أحيانًا أن لنفوسنا علينا حقًا… حقًّا لا يقل أهمية عن كل ما نمنحه للآخرين.

حقها أن نتوقف.

أن نلتقط أنفاسنا بعيدًا عن الركض، وأن نمنح أرواحنا فسحة صغيرة تستعيد فيها هدوءها، ولو مرة واحدة في الأسبوع.

فأن يختلي الإنسان بذاته ليس رفاهية عابرة، بل ضرورة روحية وإنسانية؛ فرصة يعيد فيها اكتشاف نفسه، ويصغي إلى ذلك الصوت الخافت في داخله، الصوت الذي كثيرًا ما يضيع وسط ضجيج الأيام.

قد تكون تلك الخلوة في مقهى هادئ، عند نافذة تطل على شارع عابر، أو أمام امتداد البحر حين يبدو الأفق وكأنه يفتح ذراعيه للروح.

وقد تكون في رحلة قصيرة لا يرافقك فيها أحد، أو في طريق هادئ تقطعه بمفردك، تحمل كوب مشروبك المفضل، وتستمع إلى معزوفة تشبهك، فتنساب نغماتها إلى أعماقك، وتهدّئ شيئًا من ذلك الصخب الذي لا يسمعه سواك.

هناك، في تلك المساحة الصغيرة بينك وبين نفسك، لا تحتاج إلى أن تشرح شيئًا لأحد.

فقط اجلس…

وتأمل كم مرّ بك من أيام، وكم مرة كنت قويًا وأنت في داخلك متعب، وكم مرة ابتسمت بينما كانت روحك تحتاج إلى حضن.

في تلك اللحظات، لا بأس أن تثني على نفسك قليلًا.

أن تقول لها: أحسنتِ لأنكِ صمدتِ.

أن تشكرها لأنها، رغم ما مرّ بها، ما زالت قادرة على الحلم، وما زالت تختار الطيبة، وما زالت تؤمن بأن النقاء لا ينبغي أن يتغير لمجرد أن العالم من حولها تغيّر.

ذكّر نفسك بأن القسوة التي رأيتها في بعض الوجوه لا تستحق أن تسرق منك رقتك، وأن جفاء الآخرين لا ينبغي أن يحوّلك إلى نسخة منهم.

فالطيبة ليست ضعفًا، والنقاء ليس سذاجة، والقلب الذي يختار الرحمة في زمن القسوة إنما يحمل رفعة لا يراها إلا من عرف قيمة الأرواح النبيلة.

وحين يصفو الإنسان من الداخل، تصبح خلوته بذاته مختلفة…

لا تعود وحدة، بل أنسًا.

ولا يعود الصمت فراغًا، بل يصبح حديثًا عميقًا بين الروح وربها.

وربما أجمل ما يمكن أن يبلغه المرء أن يعود من خلوته بنفس أكثر اطمئنانًا، وقلب أكثر امتنانًا، وروح أكثر قدرة على مواصلة الطريق.

فبعض الثرثرة لا تحتاج إلى صوت…

يكفي أن تُقال بهدوء في أذن الروح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى