بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

كشف تعاطي المنشطات في المجال الرياضي بين الواقع والمأمول

المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com

 

 

يمثل تعاطي المنشطات أحد أبرز التحديات التي تواجه الرياضة الحديثة، لما يترتب عليه من مخاطر صحية وأخلاقية وقانونية، وما يسببه من إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة المنافسة. ويُقصد بكشف المنشطات منظومة متكاملة من الفحوص والإجراءات الطبية والقانونية التي تهدف إلى اكتشاف استخدام الرياضيين للمواد أو الأساليب المحظورة، وفقًا للمدونة العالمية لمكافحة المنشطات التي تشرف عليها الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (WADA).

وتُجرى الفحوص داخل المنافسات وخارجها، وقد تكون عشوائية أو مستهدفة، وتشمل تحليل عينات البول والدم، مع إمكانية إعادة تحليل العينات المحفوظة عند ظهور تقنيات علمية جديدة. وتشمل المواد والأساليب المحظورة، بحسب القوائم واللوائح المعمول بها، بعض الستيرويدات الابتنائية، والهرمونات والمنشطات، إضافة إلى أساليب محظورة مثل التلاعب بالعينات أو بعض أشكال نقل الدم.

ولا تقتصر أهمية مكافحة المنشطات على اكتشاف المخالفات، بل تمتد إلى حماية صحة الرياضي من مضاعفات خطيرة قد تطال القلب والكلى والجهاز العصبي والحالة النفسية، فضلًا عن الحد من مخاطر الاعتماد على العقاقير. كما تسهم في حماية الرياضيين النزهاء، والحفاظ على مصداقية النتائج والأرقام القياسية، وترسيخ القيم الأخلاقية والروح الرياضية.

وقد شهدت تقنيات الكشف تطورًا كبيرًا، فلم يعد التركيز منصبًا فقط على العثور على المادة المحظورة، وإنما أصبح يعتمد أيضًا على رصد التغيرات غير الطبيعية في المؤشرات الحيوية. ويُعد الجواز البيولوجي للرياضي (ABP) من أبرز الأدوات الحديثة، إذ يسمح بمتابعة مؤشرات حيوية للرياضي على مدى زمني طويل، بما يساعد المختصين على اكتشاف أنماط غير طبيعية قد تشير إلى استخدام وسائل محظورة.

كما برزت تقنية بقعة الدم المجففة (DBS)، التي تتيح جمع كميات صغيرة من الدم وتسهيل عمليات النقل والتخزين، إلى جانب توظيف تقنيات التحليل المتقدمة والذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأنماط غير الطبيعية. وتواجه مكافحة المنشطات أيضًا تحديات جديدة، من بينها المنشطات الجينية، وتلوث بعض المنتجات الغذائية أو المكملات، وتطور شبكات الاتجار بالمواد المحظورة.

وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة تعزيز التعاون بين WADA والاتحادات الرياضية والهيئات الوطنية والمختبرات المعتمدة وأجهزة إنفاذ القانون، إلى جانب حماية حقوق الرياضيين القانونية، بما في ذلك حق الدفاع والطعن وتحليل العينة الثانية.

إن مستقبل مكافحة المنشطات لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل ببناء ثقافة رياضية قائمة على النزاهة والتوعية والوقاية والمسؤولية. فالرياضة الحقيقية لا تُقاس فقط بالأرقام والميداليات، وإنما بمدى احترامها لصحة الإنسان وقواعد المنافسة الشريفة وقيم الروح الرياضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى