
تمكين الأسر المنتجة : من عشوائية الاجتهاد إلى رحاب التمكين المؤسسي..
سالم بن حمدان السيفي
حين يكون طموح الفرد والمجتمع مبنياً على اللحمة المجتمعية والإنسانية والمؤسسية، ويمتزج عبق الأصالة المنزلية بوعي التنظيم المؤسسي، تتحول الجهود الفردية البسيطة إلى روافد اقتصادية كبرى ترفع من شأن المجتمع وتصون كرامة أبنائه.
وحين نتحدث عن ظاهرة الأسر المنتجة، فإننا نعلم يقيناً أنها واحدة من أهم الظواهر الاقتصادية والاجتماعية النابضة بالحياة في المجتمع، لما تعكسه من روح الاعتماد على الذات، وإحياء الموروثات الحرفية، وتحويل المهارات المنزلية إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية. ومع اتساع رقعة هذه الأنشطة وتزايد الإقبال عليها، برزت الحاجة الملحة للانتقال بها من إطار الاجتهادات الفردية إلى فضاء العمل المؤسسي المنظم؛ لضمان استمراريتها، وحمايتها من التعثر، وتحويلها إلى رافد حقيقي من روافد التنمية المحلية. وهنا يبرز الدور الحيوي للمجالس البلدية كحلقة وصل إستراتيجية قادرة على هندسة هذه الشراكة بوعي واقتدار.
إذ تمتلك المجالس صفة القرب من المجتمع واحتياجاته، مما يجعلها المؤهل الأبرز لتخصيص مواقع حيوية ومهيأة ضمن المخططات الحضرية، ووضع أطر تنظيمية ميسرة ترخص هذه الأنشطة وتضمن الالتزام بمعايير الجودة والسلامة العامة دون إثقال كاهل الأسر بشروط تعجيزية، فضلاً عن لعب دور المنسق والمحفز بين الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص.
ليأتي دور القطاع الخاص ويمثل الرئة التي تتنفس منها هذه المشاريع عبر شراكة متكاملة تخدم شريحة حيوية واسعة، حيث يمكن تخصيص مساحات دائمة أو مؤقتة داخل المراكز الكبرى وسلاسل التجزئة لعرض منتجات الأسر بدعم ترويجي من تلك الشركات كجزء من برامج مسؤوليتها المجتمعية. ويمتد هذا التعاون ليسترشد بقطاع العاملين في القطاع الخاص، ولا سيما المغتربين القادمين من مختلف المحافظات والولايات للعمل في المراكز الحضرية، والذين يفتقرون غالباً للوجبات المنزلية الأصيلة؛ إذ يمكن بناء تعاون مثمر مع هذه الأسر لتوفير الطلبات والوجبات اليومية من غداء وعشاء عبر نظام اشتراكات مسبقة، مما يشكل جسراً ثقافياً ونفسياً يخفف غربة المغترب ويحفظ له عاداته الغذائية وما اعتاد تناوله في منزله.
ويُضاف إلى ذلك تبني الشركات الكبرى والجهات المعنية برامج تدريبية متخصصة لتطوير مهارات التغليف ورفع الجودة وإدارة الحسابات، وإشراك الأسر في منصات رقمية موحدة توفر حلول طلب وتوصيل مخفضة التكلفة، لتعزيز الشفافية وتسهيل وصول المستهلك للمنتج وتوسيع قاعدة زبائن الأسرة دون تكاليف تسويقية مرهقة.
ولكفالة استدامة هذا العطاء، لابد من إيجاد مظلة رقابية مرنة وميسرة بالتعاون مع الجهات المختصة لمنح شهادات جودة أو بطاقة سلامة غذائية مصغرة ومبسطة، لتعزيز ثقة المستهلك وفتح الأبواب أمام هذه المنتجات لدخول منافذ بيع أكبر، إلى جانب تقديم حزم تحفيزية تشمل تخفيض رسوم الخدمات وتوفير مساحات تخزين مشتركة، وتأسيس حاضنات أعمال بلدية تقدم الاستشارات والتمويل الميسر لتطوير أدوات الإنتاج والتغليف بدل الاعتماد على الإمكانيات البدائية.
ولمواجهة مشاهد البيع العشوائي على الطرقات العامة التي قد يمارسها أطفال صغار أو مسنون في سن الستين والسبعين بحثاً عن لقمة العيش، وهي طاقة سعي مباركة وحق مشروع لكنها تفتقر لمقومات السلامة وتعرضهم للمخاطر، تأتي ظاهرة الأكشاك المستقلة كحل حضاري وجذاب متى ما أُطِّرت بتصميم هندسي يتناغم مع الهوية البصرية للمدن. ومن خلال إيجاد هوية بصرية موحدة للأكشاك تدمج بين الأصالة واللمسات المعاصرة وتقسيم مساحات التجمع إلى قطاعات متخصصة للمأكولات والحرف والعطور، يتم خلق تنوع ثري يخدم الزوار.
وإمعاناً في الاستدامة، يمكن ربط هذه الهوية البصرية والإنتاجية بمفهوم الاستدامة البيئية عبر استخدام مواد تغليف محلية وصديقة للبيئة (كالورق المقوى، وسعف النخيل، والأقمشة القطنية)، مما يرفع القيمة التسويقية للمنتج ويجعل النمط الاستهلاكي متسقاً مع المعايير البيئية الحديثة.
وحين يُعاد توجيه الجهود وتأطيرها داخل مظلة هذه الأكشاك المنظمة والمحمية بيئياً وقانونياً، فإننا نحمي أرزاق الباعة ونعظمها، ليتحول البائع البسيط إلى منتج محترف تُصان كرامته الإنسانية والاجتماعية.
إذ تتميز الكثير من الأسر المنتجة بخبرة عميقة ومتراكمة في طبخ الأكلات والحلويات بجميع أنواعها لتكون عالية القيمة الغذائية ومعدة بإتقان ونظافة فائقة، وحين تتولى الجهات التنظيمية والقطاع الخاص إدارة جزء من العبء التسويقي واللوجستي، فإن ذلك يحرر طاقة أفراد الأسرة للتركيز كلياً على الإبداع وجودة الإنتاج بدلاً من استنزافهم في البحث اليومي عن منافذ البيع.
إن هندسة هذا الملف برمتهِ تعكس وعياً عميقاً بأن الاقتصاد المجتمعي الناجح لا يقاس بالأرقام الكبرى وحدها، بل بقدرته على حماية البسيط، وتوظيف الكفاءات المنزلية لتخدم شريحة المغتربين والموظفين، وإبدال الفوضى العمرانية بلوحات حضارية ومنظمة تليق بملامح المدن العصرية وتاريخها العريق.
وفي الختام، فإن العناية بالأسر المنتجة ودعم منتجاتها الوطنية لا يمثلان ترفاً تنموياً، بل هما ضرورة مجتمعية واستثمار إستراتيجي في طاقات أبناء الوطن؛ فالالتفاف حول هذه الأسر، وحماية جهودها بإطار تنظيمي ومؤسسي يكفل لها الاستدامة ويحفظ كرامة العاملين فيها، ويعكس نبض مجتمع متكافل يدرك قيمة الإنتاج الذاتي، ويؤسس لمستقبل تشهد فيه المدن ازدهاراً يجمع بين أصالة الموروث ورونق الحضارة الحديثة.









