
الذات الرقمية التى لا تموت !..
سجناء السحابة الإلكترونية : كيف تحولت بياناتنا إلى "ميزان عدالة" لا يرحم؟!
الدكتورة/ شيرين أسعد إبراهيم السيّد
متخصصة فى فلسفة الفكر القديم والوسيط، وفلسفة الأخلاق.
sherinyehia21@gmail.com
فى كل مرة تتصفح فيها هاتفك الذكى، تضغط زر إعجاب، تكتب تعليقاً، أو حتى تتوقف لثوان أمام صورة بعينها، أنت لا تستمتع بوقتك فحسب؛ بل تترك أثراً لا يُمحى.
نحن نسمى هذا فى العصر الحديث بـ”البصمة الرقمية”.
يبدوا مصطلحاً تقنياً بارداً، ينتمى لشركات التكنولوجيا ومحركات البحث، لكن الحقيقة الفلسفية تقول غير ذلك تماماً: نحن نُعيد كتابة واحدة من أقدم قصص الوجود الإنسانى!
ظلك الذى يسير معك فى الشاشات.. هل نحن أمام “بصمة رقمية” أم بعث جديد لـ”سجل الماعت”؟
قد نظن أن رغبتنا فى تسجيل ذواتنا وولعنا بتتبع آثارنا ولد مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعى، إلا أن تاريخ الفكر الإنسانى يعلمنا أن الإنسان ظل طوال تاريخه مرعوباً من الفناء، باحثاً عن وسيلة تبقى أثره حياً.
فى مصر القديمة، لم تكن حقيقة الإنسان تتوقف عند جسده الفانى، بل كانت تقاس بأثره السلوكى والأخلاقى الذى يسجل دقيقة بدقيقة ليوزن يوم المحاكمة فى “ميزان الماعت”.
كان القلب هناك هو”وحدة التخزين” الأزلية التى تحمل كل البيانات.
وفى أثينا، شبه الفيلسوف “أفلاطون” عقل الإنسان بـ”قطعة الشمع” التى تنطبع عليها أحداث الحياة وتجاربها.
أما فى الفلسفة الإسلامية عند “الفارابى” و “ابن سينا” نجد مفهوم “الأثر النفسي” الذى ينطبع فى العقل الفعال.
فالأفعال والأفكار ليست عابرة، بل تترك صورة روحية تحدد حالة النفس بعد مفارقة الجسد.
كما استند مفكروا القرون الوسطى إلى البُعد اللغوى والدينى لمفهوم “الأثر”؛ فالإنسان يعرف ويحاكم بناءً على ما قدم وما ترك من “آثار” تعيش بعده و تستمر فى التأثير، وهو المعنى الحرفى لـ(Digital Footprint) اليوم.
وفى هذه الأيام، تحولت قطعة “الشمع الأفلاطونية” و”سجل الماعت” إلى “سحابة إليكترونية” (Cloud) تخزن كل همسة وفكرة، وتدك حدود الزمان والمكان.
“الأنا” التى تصنعها الخوارزميات..
الإشكالية الحقيقية اليوم لا تكمن فقط فى أننا نترك أثراً، بل فى أن هذا الأثر أصبح هو من يعيد تشكيلنا! فى الماضى، كان الفيلسوف يفكر ليقول : “أنا أفكر ، إذن أنا موجود”.
أما اليوم، تقول لك : “أنا أعرف ماذا تفضل وماذا تكره، إذن سأحدد لك من تكون”.
لقد أصبحت بصمتنا الرقمية بمثابة مرآة ذكية، لا تعكس صورتنا الحقيقية دائماً، بل تعكس ما تريد الخوارزميات أن نراه عن أنفسنا. نعيش اليوم ازدواجية غريبة بين “ذات واقعية” تحيا وتتنفس، و”ذات رقمية” تحكم عليها أجهزة الكمبيوتر وتصنفها بناءً على بضعة بيانات متناثرة.
خلود أم قيد ؟..
يقودنا هذا إلى سؤال أخلاقى وإنسانى شديد الأهمية: هل البصمة الرقمية تمنحنا الخلود أم تفرض علينا قيداً أبدياً؟.
– سلب الخصوصية..
إن تحول ما هو شخصي وخاص إلى مادة مشاع ومتاحة للاستهلاك والإعلانات هو سلب للخصوصية الإنسانية. يتجاوز سلب الخصوصية فى العصر الرقمى مجرد “اختراق للبيانات” أو “تجسس فردى”؛ ليغدوتحولاً بنيوياً فى مفهوم الإنسان عن ذاته ومساحته الخاصة.
وقد أسمت الفيلسوفة وعالمة الاجتماع “شوشانا زوبوف” هذا التحول بـ”رأسمالية المراقبة”، حيث رأت أن التكنولوجيا لم تعد تكتفى بتقديم خدمات للمستخدم، بل أصبحت تستخلص التجربة الإنسانية وتترجمها إلى بيانات سلوكية.
كما أنها تحلل هذه البيانات للتنبؤ بتصرفاتك المستقبلية(ماذا ستشترى، كيف ستصوت، وما الذى يثير قلقك)، ثم تباع هذه التنبؤات لمن يدفع أكثر.
ففى الفكر السياسى والفلسفى من “أرسطو” إلى “حنة أرندت”، كان المجال الخاص (Home/Private) هو الملاذ الذى يستريح فيه الإنسان من رقابة المجتمع، ليصنع أفكاره بحرية. أما الآن عبر الهواتف، والتطبيقات، والأجهزة الذكية، اقتحم الفضاء العام أكثر زوايا الحياة حميمية واستعمر هذه المساحة الخاصة!.
تحولت الخصوصية من “حق نفسى وأخلاقى” إلى “سلعة تُتداول فى سوق البيانات”.
عندما تُسلب الخصوصية، يتحول الفرد من “فاعل حر” إلى “موضوع للدراسة والاستهلاك (Subject to Object).
وتصبح سلوكياتك، ومشاعر الحزن، والبهجة، والتشتت لديك، مجرد مدخلات خوارزمية (Data points) تُستغل لتوجيه الإعلانات وتحديد سلوكك الاستهلاكى.
تجريد الإنسان من خصوصيته لا يعنى فقط معرفة أسراره، بل يعنى حرمانه من حق إعادة إيجاد نفسه فى مساحة آمنة بعيدة عن عين الخوارزمية التى لا تنام.
– غياب “حق النسيان”..
يشكل “غياب الحق فى النسيان” أحد أكبر المآزق الوجودية والأخلاقية فى العصر الرقمى.
فبينما خُلقت الذاكرة البيولوجية للإنسان لتنسى وتتجاوز وتُمسح بالنمو، تُصر الذاكرة السيبرانية على التوثيق الأبدى، مما يحرم الإنسان من إحدى أهم خصائصه البشرية : إمكانية التحول وبدء صفحة جديدة.
فى الماضى كان الإنسان يخطئ ويكبر ويتغير وتُنسى أخطاؤه، أما اليوم فإن الأثر الرقمى يلاحق صاحبه ولا يرحم، وكأنه سجل سرمدى يُحاكم المرء على ماضيه للأبد. إن مسح أو إزالة كل آثار البيانات والتصرفات التى قمنا بها على شبكة الإنترنت هى محاولة شديدة الصعوبة بل مستحيلة.
فمحاولة العيش خارج “الردار الخوارزمى” والتخلص من المراقبة أو التوجيه التكنولوجى والرجوع إلى حالة الفطرة الأولى أو العزلة التامة قبل العصر الرقمى هى وهم. فبمجرد ورود أى معلومة أو صورة أو تفاعل إلى الفضاء السيبرانى، فإنها تتوزع على خوادم متعددة، وتحفظ فى أرشيف، وتغذى الخوارزميات، مما يجعل الفكرة الحقيقة ليست فى “هروبنا” أو مسح أنفسنا، بل فى كيفية إدراة هذا الأثر الرقمى بنضج وعقلانية.
يقول “فريدرك نيتشة إن القدرة على النسيان هى ما تجعل الإنسان قادراً على الفعل والصناعة والعيش فى الحاضر؛ وبدون النسيان يصبح الفرد مكبلاً بآثامه أو أخطاء ماضية.
الإنسان كائن دائم التغير…
أفكار الفرد فى سن العشرين قد لا تُعبر عنه فى سن الأربعين.
لكن الذاكرة الرقمية تُجمد الفرد فى لحظة زمنية واحدة وتُصر على تعريفه بها.
والنتيجة الوجودية لذلك هى العيش تحت مصقلة السجل الأبدى. ينتج عن غياب الحق فى النسان مجتمعاً خائفاً؛ إذ يُمارس الأفراد “الرقابةالذاتية” خوفاً من أن تُسجل عليهم سقطة فكرية أو أسلوب حياة مباين يلاحقهم فى مستقبلهم المهنى أو الشخصي.
تحولت الذاكرة الرقمية من أداة لحفظ التراث الإنسانى إلى سجن يمنع الفرد من التطور؛ فبدلاً من أن يكتب الإنسان تاريخه بيده، أصبح تاريخه الرقمى قيداً يُحكم به عليه للأبد.
إن البصمة الرقمية ليست مجرد أرقام وأكواد مخزنة فى خوادم عملاقة، إنها الشاهد المعاصر على كينونتنا. هى الرغبة الإنسانية الأزلية ذاتها فى التواجد والخلود، ولكن برداء تكنولوجى جديد.
السؤال الذى يجب أن نسأله لأنفسنا اليوم ليس كيف نتمسح من العالم الرقمى؟ بل أي أثر نود أن نتركه خلفنا فى هذا العالم الممتد بين الواقع والافتراض ؟.









