بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الممارسة الرياضية النسوية في الوطن العربي.. النسب والمؤشرات والآفاق

المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com

 

تشهد الممارسة الرياضية النسوية في الوطن العربي تحولًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقلت تدريجيًا من المشاركة المحدودة التي كانت تتأثر، في بعض المجتمعات، بقيود اجتماعية وثقافية، إلى مرحلة أكثر انفتاحًا تقوم على التمكين والمشاركة والإنجاز الرياضي.

وقد أسهم ارتفاع الوعي بأهمية النشاط البدني، وتطور البنية التحتية الرياضية، وظهور الأندية والمرافق المخصصة للنساء، إلى جانب السياسات الحكومية الداعمة، في تعزيز حضور المرأة العربية في مختلف مجالات الرياضة، سواء على مستوى الممارسة المجتمعية أو الرياضة التنافسية والاحترافية.

ومع ذلك، فإن نسب الممارسة الرياضية النسوية تختلف بصورة واضحة من دولة عربية إلى أخرى، ومن رياضة إلى أخرى، تبعًا للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومستوى الدعم المؤسسي والتشريعي.

أولًا: مؤشرات الممارسة الرياضية المجتمعية

تشمل الممارسة الرياضية المجتمعية الأنشطة المرتبطة بالصحة واللياقة البدنية، مثل المشي، والجري، والهرولة، واليوغا، والتمارين الهوائية، والأنشطة داخل مراكز اللياقة البدنية.

وقد شهد هذا المجال نموًا ملحوظًا في عدد من الدول العربية، نتيجة ارتفاع الوعي الصحي وانتشار مراكز اللياقة وتوفير بيئات رياضية أكثر ملاءمة للمرأة.

وتشير بعض الدراسات والاستطلاعات المحلية والإقليمية إلى ارتفاع مشاركة النساء في النشاط البدني في عدد من الدول، ولا سيما دول الخليج العربي، في حين تظل النسب متفاوتة في دول شمال إفريقيا وبلدان المشرق العربي.

وتُعد رياضة المشي من أكثر الأنشطة البدنية انتشارًا بين النساء؛ لسهولة ممارستها وانخفاض تكلفتها وعدم حاجتها إلى تجهيزات معقدة، إلى جانب انتشار التمارين الهوائية واليوغا وبرامج اللياقة البدنية.

ثانيًا: مؤشرات الرياضة التنافسية والاحترافية

شهدت الرياضة النسوية العربية تطورًا واضحًا على مستوى المشاركة في الأندية والاتحادات والمنتخبات الوطنية، وإن كانت الفجوة بين مشاركة الرجال والنساء لا تزال قائمة في عدد من الدول والرياضات.

وتختلف نسبة مشاركة اللاعبات المسجلات رسميًا من دولة إلى أخرى، كما تختلف بحسب نوع الرياضة. وتبدو المشاركة النسوية أكثر وضوحًا في عدد من الألعاب الفردية، مثل ألعاب القوى، والمبارزة، والتايكوندو، والكاراتيه، والجودو، والسباحة، والتنس، والملاكمة.

أما الرياضات الجماعية، مثل كرة القدم وكرة السلة والكرة الطائرة، فما زالت تواجه في بعض البيئات تحديات مرتبطة بالبنية التحتية، والتمويل، وتوفير المنافسات المنتظمة، إلى جانب بعض العوامل الاجتماعية والثقافية.

ثالثًا: مؤشرات الإنجاز الرياضي العربي للمرأة

استطاعت الرياضيات العربيات تحقيق إنجازات مهمة على المستويين الإقليمي والدولي، وأسهمت هذه الإنجازات في تغيير الصورة النمطية حول قدرة المرأة العربية على المنافسة وتحقيق النتائج في البطولات الكبرى.

ومن أبرز النماذج التاريخية:

– نوال المتوكل من المغرب، التي أصبحت أول امرأة عربية وإفريقية تحرز ذهبية أولمبية في ألعاب القوى.
– حسيبة بولمرقة من الجزائر، صاحبة ذهبية سباق 1500 متر في دورة الألعاب الأولمبية في برشلونة عام 1992.
– غادة شعاع من سوريا، التي أحرزت ذهبية السباعي في دورة أتلانتا الأولمبية عام 1996.
– أنس جابر من تونس، التي أصبحت من أبرز لاعبات التنس على المستوى العالمي.
– إيمان خليف من الجزائر، التي حققت إنجازًا أولمبيًا بارزًا في الملاكمة.

وقد أسهمت هذه النماذج وغيرها في تشجيع الأجيال الجديدة من الفتيات على ممارسة الرياضة والتوجه نحو المنافسة والاحتراف.

رابعًا: التمثيل النسوي في الدورات الأولمبية

شهدت المشاركة العربية في الدورات الأولمبية تطورًا تدريجيًا من حيث حضور اللاعبات في مختلف الألعاب.

وقد أصبح وجود المرأة العربية في الوفود الأولمبية أمرًا أكثر انتظامًا، مع تفاوت نسبة المشاركة من دولة إلى أخرى.

كما ساهمت السياسات الرياضية الوطنية في بعض الدول العربية في زيادة مشاركة المرأة في الرياضة، سواء من خلال برامج اكتشاف المواهب، أو إنشاء الأندية النسائية، أو دعم المنتخبات، أو تطوير برامج التدريب والتأهيل.

ويُعد هذا التطور مؤشرًا مهمًا على انتقال الرياضة النسوية العربية من المشاركة الرمزية إلى المشاركة التنافسية الفعلية.

خامسًا: مؤشرات التمكين الإداري والقيادي

لا يقتصر تطور الرياضة النسوية على مشاركة اللاعبات، بل يشمل أيضًا حضور المرأة في مواقع الإدارة والتدريب والتحكيم والإعلام الرياضي.

وقد ارتفع تمثيل المرأة تدريجيًا في بعض الاتحادات واللجان الرياضية والأولمبية، إلا أن حضورها في المناصب القيادية العليا لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير.

ومن هنا تبرز أهمية:

– تأهيل القيادات الرياضية النسوية.
– زيادة مشاركة المرأة في مجالس إدارات الأندية والاتحادات.
– إعداد المدربات والحكمات والإداريات.
– توفير برامج متخصصة في الإدارة والقيادة الرياضية.
– تعزيز تكافؤ الفرص في التعيين والترقية والمشاركة في صنع القرار.

سادسًا: أهم دوافع ممارسة المرأة العربية للرياضة

يمكن تحديد أبرز دوافع الممارسة الرياضية النسوية في الوطن العربي في العناصر التالية:

1. الصحة واللياقة البدنية والوقاية من الأمراض المرتبطة بقلة النشاط البدني.
2. الحفاظ على الوزن والرشاقة والحد من مخاطر السمنة.
3. تحسين الصحة النفسية وتقليل الضغوط والتوتر.
4. زيادة الوعي المجتمعي بأهمية الرياضة في حياة المرأة.
5. توفير الأندية والمرافق الرياضية النسوية في عدد من الدول.
6. النجاحات التي حققتها الرياضيات العربيات على المستويات الإقليمية والدولية.
7. السياسات الحكومية والاستراتيجيات الوطنية التي عززت مشاركة المرأة في المجال الرياضي.
8. التأثير المتزايد للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر الثقافة الرياضية وتشجيع الفتيات على الممارسة.

سابعًا: أبرز التحديات التي تواجه الرياضة النسوية العربية

رغم التطور الملحوظ، لا تزال هناك مجموعة من التحديات التي تحد من الانتشار المتوازن للرياضة النسوية، ومن أبرزها:

المجال| أبرز التحديات
العوامل الاجتماعية والثقافية| استمرار بعض التصورات التقليدية التي تحد من ممارسة المرأة لبعض الرياضات أو مشاركتها في المنافسات والسفر الرياضي.
التمويل| تفاوت حجم الدعم المالي المخصص للرياضة النسوية مقارنة بالرياضة الرجالية في عدد من المؤسسات.
البنية التحتية| نقص المنشآت المتخصصة والمرافق الملائمة للمرأة في بعض المناطق.
الرياضة المدرسية والجامعية| الحاجة إلى تطوير برامج اكتشاف المواهب الرياضية النسوية واستمراريتها.
التدريب والتأهيل| الحاجة إلى زيادة عدد المدربات والحكمات والإداريات المتخصصات.
الرياضات الجماعية| استمرار ضعف المشاركة النسوية في بعض الألعاب الجماعية مقارنة بالألعاب الفردية.
الإعلام الرياضي| الحاجة إلى تغطية أكثر توازنًا وإنصافًا للإنجازات الرياضية النسوية.
القيادة الرياضية| محدودية حضور المرأة في بعض مواقع صنع القرار الرياضي.

ثامنًا: آفاق تطوير الرياضة النسوية في الوطن العربي

يتطلب تطوير الرياضة النسوية العربية الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى سياسات واستراتيجيات طويلة المدى، تقوم على التخطيط والتمويل والقياس المستمر للنتائج.

ومن أهم التوجهات المستقبلية:

1. تطوير الرياضة المدرسية:
اعتبار المدرسة نقطة الانطلاق الأساسية لاكتشاف المواهب الرياضية النسوية وتطويرها.

2. دعم الرياضة الجامعية:
توسيع المنافسات الجامعية وتوفير برامج رياضية منتظمة للطالبات.

3. زيادة الاستثمار الرياضي:
رفع حجم الاستثمارات الموجهة إلى الرياضة النسوية وإنشاء منشآت ومرافق متخصصة.

4. تطوير الاحتراف الرياضي:
توفير مسارات واضحة للانتقال من الممارسة إلى المنافسة ثم الاحتراف.

5. تأهيل الكوادر النسوية:
إعداد المزيد من المدربات والحكمات والإداريات والقيادات الرياضية.

6. تعزيز الإعلام الرياضي النسوي:
إبراز الإنجازات الرياضية للمرأة العربية وتقديم نماذج إيجابية للأجيال الجديدة.

7. استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي:
توظيف التحليل الرياضي، والأجهزة القابلة للارتداء، والمنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي في التدريب واكتشاف المواهب ومتابعة الأداء.

8. إنشاء قاعدة بيانات عربية موحدة:
تطوير نظام عربي لجمع البيانات والإحصاءات المتعلقة بالممارسة الرياضية النسوية، بما يسمح بالمقارنة بين الدول وقياس التطور بصورة علمية.

إن الممارسة الرياضية النسوية في الوطن العربي تسير نحو مرحلة جديدة تتسم بزيادة المشاركة والتمكين وتحسن الإنجازات الرياضية. غير أن هذا التطور لا يزال متفاوتًا بين الدول والرياضات، مما يجعل الحاجة قائمة إلى سياسات أكثر تكاملًا في مجالات التمويل والبنية التحتية والتكوين والرياضة المدرسية والجامعية والاحتراف والقيادة الرياضية.

ولا ينبغي أن يُقاس نجاح الرياضة النسوية بعدد الميداليات أو اللاعبات المحترفات فقط، بل بمدى انتشار الممارسة الرياضية بين مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، وبقدرة المؤسسات الرياضية على توفير فرص متكافئة ومستدامة للمرأة.

وعليه، فإن مستقبل الرياضة النسوية العربية يرتبط بالانتقال من مرحلة إثبات الحضور إلى مرحلة صناعة الإنجاز والاستدامة، بحيث تصبح المرأة شريكًا كاملًا في ممارسة الرياضة وإدارتها وتطويرها وصناعة القرار الرياضي.

إن الاستثمار في الرياضة النسوية ليس استثمارًا في الرياضة فقط، بل هو استثمار في صحة المجتمع، وتمكين المرأة، وبناء أجيال أكثر نشاطًا وقدرة على المشاركة والعطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى