بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

قراءة في أزمات الباحثين والتسريح الوظيفي وتغول العمالة الوافدة!

سالم بن حمدان السيفي

 

​مما لا شك فيه أن تاريخ الإنسان هو قصة سعي مستمر نحو الطمأنينة والأمان؛ فالاستقرار النفسي والوظيفي ليس مجرد منفعة اقتصادية عابرة، بل هو الركيزة الجوهرية التي تنهض عليها كرامة البشر وتستقيم بها مسيرة المجتمعات الحية. وحين يختل هذا الميزان الإنساني، وتتعثر خطى الإنسان الباحث عن لقمة عيشه أو المهدد في مصدر رزقه واستقرار أسرته، فإن القضية تتجاوز حدود الأرقام والتقارير لتتحول إلى اختبار حقيقي لعدالة المنظومة ومسؤوليتها الأخلاقية والوطنية.

​وتعتبر قضية المسرحين والباحثين عن عمل من أكثر القضايا الشائكة والمؤرقة للفرد والأسرة والمجتمع، والتي أصبحت حديثاً انشغل به الكثيرون سواء على منصات التواصل الاجتماعي أو المجالس الجانبية والتجمعات العائلية، مما جعل وزارة العمل ومسؤولي القطاع الخاص والشركات التي استغنت عن العاملين فيها عناوين عريضة تتصدر محاور النقاش. سيما بعد تضرر كثير من المسرحين جراء التسريح بأضرار تجعلهم شبه مقعدين بعد نفاذ مخزون جهودهم التي بذلوها، والتي أوقعتهم في دوامة الحيرة والتساؤلات جراء ما يعانونه من تحديات مادية أدخلتهم في نفق الملاحقة القانونية والأحكام القضائية والتفكك الأسري الذي صاحبته الكثير من حالات الطلاق والانهيار النفسي والسلوكي.

​إن استمرار هذا الملف المفتوح دون معالجة جذرية يهدد النسيج الاجتماعي والاستقرار الأسري الذي يعد الركيزة الأساسية لبناء مجتمع آمن ومنتج؛ إذ يضع غياب الأمان الوظيفي رب الأسرة المسرح أو الشاب الباحث عن فرصة عادلة في مواجهة مباشرة مع التزامات قاسية بسبب الديون والمتطلبات المعيشية الملحة، بينما ينعكس الضغط النفسي والقلق المستمر سلبا على صحة الفرد ويؤثر بشكل مباشر على استقرار أسرته وأبنائه. إن هذه الفئة الوطنية تستحق عناية استثنائية لأن تركها عرضة لتقلبات السوق يفقد الشباب دافعية الإنتاج ويعطل طاقاتهم الكامنة عن المساهمة الفاعلة في مسيرة التنمية الشاملة.

​ومن هنا تتجسد قمة المأساة الإنسانية لهذا الملف في كارثة الشتات الأسري وانعكاسات التسريح القاسي على استقرار الحياة العائلية؛ فكثيرا ما تعج أروقة المحاكم بالشكاوى والقضايا إثر تداعيات هذه المشكلة، وكم من الأسر تفرق شملها وآلت إلى الطلاق والتمزق بسبب تأزم الأوضاع المعيشية وانقباض الصدور وانسداد أفق الصبر أمام رب الأسرة العاجز عن تلبية أبسط متطلبات ابنائه، مما يحول البيوت الآمنة إلى ساحات من القلق وخوف على المصير.

​ولا تقتصر التداعيات عند حدود التفكك الأسري، بل تمتد لتخلق ردة فعل عكسية خطيرة لدى فئة من المسرحين الذين يدفعهم اليأس وضغط الحاجة إلى انتهاج سلوكيات سلبية والدخول في دوامة من المشكلات المالية والتعثرات التي تجعلهم مطالبين قانونيا وملاحقين قضائيا، لتتحول طاقات الشباب من البناء والإنتاج إلى قاعة المحاكم والسجون، في مفارقة مؤلمة تحتم على الجميع تدارك الأمر قبل فوات الأوان.

​تتطلب معالجة هذه الظاهرة الإنسانية والوطنية غوصا عميقا في جذور المشكلة وتشخيصا دقيقا لمواطن الخلل الإداري والاقتصادي؛ حيث تعتمد بعض منشآت القطاع الخاص على سياسات إحلال واستغناء متكررة دون وجود شبكات أمان كافية تحمي الموظف المواطن عند التعثر، بينما تتيح الثغرات الإدارية والرقابية لبعض الأطراف التحايل على الأنظمة مما يسهل انتشار العمالة السائبة وممارسة التجارة المستترة تحت غطاء قانوني وهمي ينافس أبناء البلد في عقر دارهم.

​ويتجلى هذا الخلل بوضوح صارخ في اجتياح العمالة الوافدة للأسواق واحتلالها الكامل للعديد من الأنشطة والمهن، كالسيطرة التامة على محلات بيع وإصلاح الهواتف المحمولة ومحلات الفواكه والخضار وغيرها من المهن الحيوية التي صدرت قرارات بتعمينها وقصرها على أبناء الوطن؛ وهنا يبرز تساؤل مشروع ومحير: ألا يدلل هذا الواقع المرير على الموافقة والقبول الضمني من الجهات الرقابية والمسؤولة التي يقع على عاتقها حماية أحقية هذه المهن وجعلها حقا أصيلا ومكفولا لأبناء البلد؟ وإزاء هذا التغول والتهميش المفروض، ألا يحق للحناجر المكلومة والأصوات الوطنية إطلاق صرخات الإنقاذ العاجلة قبل الوقوع في جب أقسى درجات التغيب والتغريب عن مطالبهم المشروعة والمكفولة حقا وقانونا ودستورا؟

​من هنا، نقف بمعزل عن لغة الأرقام الصماء والجداول الإحصائية التي طالما سردت أعداد من تم توظيفهم أو تسريحهم؛ فما ننشده اليوم ونتشوق إليه لا يكمن في سرد النسب المئوية بقدر حاجتنا الماسة والملحة لإيجاد البدائل الفعلية والحلول الجذرية والتطبيق العملي الجاد بما يتوافق مع الأنظمة واللوائح التي تخدم الوطن وأبناءه، فهذا الملف يعد أمانة كبرى ومسؤولية تقع على عاتق الجميع لتوفير الاستقرار الحقيقي لا المجرد.

​ويبرز تلو ذلك السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة: إلى متى سيبقى هذا الملف جاثماً على صدر الحلول؟ ومتى سنجد قوانين وتشريعات تسن على شركات القطاع الخاص لتفعل الأمان الوظيفي، وتحمي فرص الباحثين عن عمل من غياهب ومغبات العمالة الوافدة التي تغولت في شتى الوظائف والمهن والأسواق تحت غطاء مستتر سلب أحقية واستحقاق أبناء الوطن من ممارسة حقهم واستحقاقهم لهذه الوظائف والمهن المهيمن عليها؟ ومتى سنجد الجهات المعنية ترفع نسبة التمكين الفعلي للمواطن في بلده ليتنعم بخيراتها؟

​عند تأمل هذه المعضلة الملحة، تشير الدروس المستفادة من تجارب دول واجهت منعطفات مشابهة إلى إمكانية تصحيح المسار بحلول تشريعية وهيكلية جريئة تضع كرامة المواطن واستقراره المعيشي في قمة الأولويات، وذلك عبر إطلاق برامج وطنية شاملة مدعومة ماليا لدمج المسرحين والباحثين في القطاعات الواعدة، وتأسيس شبكات أمان مؤقتة تحميهم من العوز والملاحقات القضائية، وتفعيل أقوى الأدوات الرقابية لمحاصرة العمالة السائبة والتجارة المستترة التي تقوض فرص التوطين الحقيقي.

​ولا شك أن استكمال منظومة الحلول يستدعي تفعيل أدوات غير تقليدية، يبدأها تطوير تشريعات إعسار الأفراد لتوفير مظلة قانونية تقي المتعثرين جحيم الملاحقات وتمنحهم فرصة ترتيب التزاماتهم بمرونة، إلى جانب تأسيس منصات وطنية للتدريب والتدوير الوظيفي السريع لإعادة تأهيل الكوادر وفق احتياجات القطاعات الواعدة. كما ينبغي إلزام مؤسسات القطاع الخاص الكبرى بتفعيل مسؤوليتها الاجتماعية عبر مساهمات حقيقية في دعم صناديق الاستقرار، وتحويل طاقات المسرحين والباحثين إلى مشاريع ريادية وحاضنات للعمل الحر تضمن تحولهم إلى طاقات منتجة وصانعة للفرص، لا مجرد منتظرين لفرج مؤجل.

​وإن الخروج من دائرة الانتظار القاتلة يقتضي منا تجاوز ثقافة الاعتماد الكلي على الوظيفة التقليدية، نحو آفاق أرحب من الاستقلال الاقتصادي والإنتاج الذاتي؛ وذلك عبر تمكين الكوادر الوطنية من اقتحام قطاعات العمل الحر، واقتصاد المعرفة، والمهن الرقمية المتقدمة، وتأسيس التعاونيات الإنتاجية وروابط الامتياز التجاري المصغر. إن تحويل الخبرات التراكمية إلى مشروعات ريادية وحاضنات أعمال مستقلة لا يحفظ كرامة الإنسان وصحته النفسية فحسب، بل يحرر طاقاته الكامنة من قيود الشكوى والانتظار، ليتحول المواطن من باحثٍ عن فرصة عمل إلى صانعٍ لها ورافدٍ حقيقي لاقتصاد وطنه.

​تأسيسا على ما سبق، توضع بين يدي أصحاب القرار في وزارة العمل والمؤسسات التشريعية حزمة توصيات عاجلة لا تحتمل التأجيل لإنصاف المسرحين والباحثين تبدأ بوقف فوري لإجراءات التسريح التعسفي وإصدار توجيهات حاسمة توقف عمليات الاستغناء لحين وضع ضوابط صارمة، وتأسيس صندوق وطني للطوارئ والأمان الوظيفي يتدخل لدفع جزء من الالتزامات المالية للمواطن لمنع تعرضه للسجن أو الملاحقة القضائية،

فضلا عن إقرار تشريعات استثنائية تمنح المتعثرين مهلة سماح وحماية وإعادة هيكلة عادلة للديون. كما تشمل التوصيات شن حرب بلا هوادة على الغطاء المستتر وتجريم التستر التجاري بعقوبات قاسية تشمل سحب التراخيص نهائيا، وتشديد الرقابة الميدانية الذكية عبر حملات تفتيشية مشتركة لتطهير المهن المستهدفة، وإغلاق الثغرات الإدارية بمنصات رقمية تربط التأشيرات بعقود موثقة ومتابعة دقيقة للأجور، إلى جانب إعادة هندسة الحوافز الحكومية لربط التسهيلات بنسب التوطين النوعي والاستقرار الوظيفي طويل الأمد لضمان مستقبل آمن لأبناء الوطن.

​وختاماً، إن الإنصاف الحقيقي للمسرحين والباحث عن عمل والتعامل مع ملفهم بروح المسؤولية الوطنية والإنسانية يمثل واجبا حتميا لإعادة الطمأنينة لقلوب الأسر وصون كرامة المواطن وحماية الاقتصاد الوطني من تشوهات العمالة السائبة، فالاستقرار النفسي والأمان الوظيفي هما العنوان الحقيقي لتنمية مستدامة ومجتمع ينعم بالأمان والعدالة الاجتماعية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى