بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

عندما يتحدث الكود وتصمت الحكمة.. لماذا نحتاج إلى “أرسطو” و”بتاح حتب” فى صالة المبرمجين؟

الدكتورة/ شيرين أسعد إبراهيم

sherinyehia21@gmail.com

 

فى عالم يركض فيه الجميع نحو تعلم لغات البرمجة، وتتصدر فيه خوارزميات الذكاء الاصطناعى المشهد، يبدو سؤال مثل: ما فائدة الفلسفة اليوم؟ وكأنه سؤال قادم من القرون الوسطى. قد يظن البعض أن أباطرة التكنولوجيا فى “سيليكون فالي “لا يحتاجون سوى للمزيد من مهندسي البرمجيات والسطور البرمجية المعقدة، وأن الفلسفة ترف فكرى لا يسمن ولا يغني من جوع.
لكن الحقيقة المفاجئة هى أن الفلسفة اليوم ليست مجرد رفاهية، بل هى “فرامل الأمان” والبوصلة التى تحمى البشرية من التيه فى عالم تقوده الآلات.

1- المنطق من “أرسطو” إلى شاشة الحاسوب..

قد لايعلم الكثيرون أن المبرمج عندما يكتب شفرة بسيطة تحتوى على أمر مشروط (إذا حدث كذا.. إفعل كذا)، فهو فى الواقع يستعير العقل المنطقى الذى بناه الفيلسوف اليونانى “أرسطو” منذ آلاف السنين!
علم الحاسوب فى جوهره ليس إلا منطقاً فلسفياً مكسواً بلغة الأرقام.
فالكود الخالى من الأخطاء يحتاج إلى عقل مدرب على الصرامة المنطقية – وهي المهارة الأولى التى تمنحها لك دراسة الفلسفة.

2- عندما تصبح الآلة “صاحبة القرار” من يحمينا؟..

تخيل معي هذا السيناريو : سيارة ذاتية القيادة تسير فى الشارع، وفجأة ظهر أمامها طفل، ولا يوجد مفر سوى الانحراف والاصطدام بجدار قد يودي بحياة الراكب، أو الاستمرار والاصطدام بالطفل!
كيف سنبرمج هذه السيارة لتتخذ القرار؟
هل تحمى صاحبها أم تحمى المشاة؟
هذه ليست مسألة أكواد أو رياضيات، بل هى معضلة أخلاقية فلسفية بامتياز (تعرف بمعضلة القطار).
هنا ينتهى دور المبرمج كـ”تقني” ويبدأ دوره كـ”فيلسوف” يحدد القيمة الإنسانية التى يجب أن تحكم الآلة.

3- الذكاء الاصطناعى والبحث عن “الروح”..

مع صعود تطبيقات الذكاء الاصطناعى التى تكتب المقالات وتصمم الصور وتتحدث كالبشر، نجد أنفسنا أمام أسئلة وجودية مرعبة :
– هل تفكر هذه الآلات حقاً، أم أنها مجرد آلات حاسبة متطورة؟
– ما الذى يجعلنا بشراً إذا كانت الآلة قادرة على منافستنا فى العقل والإبداع؟
فلسفة العقل هي المجال الوحيد الذي يضع هذه الخطوط الفاصلة، ليذكرنا دائماً بأن المعالجة السريعة للبيانات لا تعنى أبداً امتلاك “الوعي” أو “الإحساس”.

4- التفكير النقدى : كيف لا نتحول نحن إلى “بيانات”؟!..

الخوارزميات اليوم تعرف عنك مالا تعرفه عن نفسك؛ تختار لك ما تشاهده، وما تشتريه، وحتى كيف تفكر! وهنا تأتى الفلسفة لتسلح الإنسان العادى بـ”التفكير النقدى”.
الفلسفة هى العلم الوحيد الذى يعلمك كيف تسأل :”لماذا؟” وكيف نشكك فى المعلومة قبل تصديقها، وكيف نحمى استقلاليتك الفكرية وسط طوفان التوجيه الرقمى.

5- معضلة الأسئلة التى لا تجيب عنها “الرياضيات”..

إذا قمنا ببرمجة نظام ذكاء اصطناعى واطلقنا له العنان فى مختبر بيولوجى، فإنه سيعمل بـ”منطق كفاءة الخوارزمية” (أى الحصول على أفضل نتيجة بأسرع وقت) دون النظرللتبعات البشرية.
الفلسفة هى العلم الوحيد الذى يملك أدوات الإجابة على أسئلة مثل :
– هل نمنح هذه التقنيات طابع “المصدر المفتوح” لتسريع الأبحاث الطبية، أم ننتهك مبدأ حرية العلم ونحظرها خوفاً من الاستخدام الشرير؟.
– كيف نزن بين “المنفعة المحتملة للبشرية” و”المخاطر الوجودية الكارثية”؟.
ولعل ما تم إعلانه من خلال الحدث العلمي التاريخي الذي نشرته دورية Science مؤخراً عن استخدام نموذج ذكاء اصطناعي يدعى (Evo) لتخليق 16 فيروساً بكتيرياً (Bacteriophages) غير موجودة في الطبيعة نهائياً، ولها شفرات جينية مصممة بالكامل عبر الآلة، يعتبر تطبيقاً عملياً حياً وتجسيداً واقعياً لكل ما طرحناه حول أهمية الفلسفة فى عصر البرمجة.
وإليك كيف يدعم هذا الإنجاز العلمى الأطروحة الفلسفية بشكل مباشر :

1- الانتهاء الفعلى لعصر”البرمجة التقنية المجردة”..

عندما كان الكود يقتصر على بناء موقع أو تطبيق ألعاب، كان العقل التقني كافياً.
أما اليوم، فالمبرمج لم يعد يكتب أكواداً للشاشة، بل أصبحت لغات البرمجة تكتب “لغة الحياة نفسها (DNA)”. هذا التحول ينقل البرمجة من مجرد “هندسة حاسوب” إلى “فلسفة وجودية”. السؤال لم يعد : “هل يستطيع الكود إنشاء كائن حقيقى؟” (لأن الإجابة أصبحت نعم)، بل أصبح السؤال الفلسفى الأخلاقي : “ماهى الحدود الإنسانية التى يجب ألا يتخطاها هذا الكود؟”.

2- التناقض الأخلاقي .. العلاج ضد “السلاح البيولوجى”..

الفيروسات التخليقية الأخيرة تم تصميمها لهدف نبيل جداً؛ هو القضاء على البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية وخدمة الطب. لكن فى نفس الوقت، حذر علماء الأمان البيولوجى من أن التقنية نفسها والكود نفسه يمكن استغلالهما لتخليق فيروسات فتاكة أو أسلحة بيولوجية لا علاج لها.

3- أين تدخل الفلسفة هنا؟..

الذكاء الاصطناعى أداة “محايدة أخلاقياً” لا تملك ضميراً ولا يفرق بين “فيروس يقتل البكتيريا الضارة” و”فيروس يهاجم الخلايا البشرية”. هنا يأتى دور فلسفة الأخلاق Ethics لوضع الأطر التنظيمية، وتحديد المسؤولية الجنائية والأخلاقية للمطورين والشركات المبتكرة لهذه النماذج.

“التقنية تتغير .. والحكمة واحدة”..

ربما يظن مهندس البرمجيات فى عصره الرقمى أنه يواجه تحديات جديدة كلياً، لكن الحقيقة أن المصريين القدماء أدركوا منذ أكثر من 4000 عام أن “القوة والمعرفة بلا أخلاق هى دمار محقق”.

فى بردية شهيرة، كتب الوزير والحكيم المصرى “بتاح حتب” نصيحته الخالدة : “إذا كنت قائداً وتملك القدرة على الإبداع والتوجيه؛ فابحث لنفسك عن كل عمل صالح، حتى تصبح تصرفاتك خالية من الإثم .. إن العظمة هى أن تكون عادلاً والعدل يدوم” واليوم عندما نضع شفرة جينية فى يد الذكاء الاصطناعى لتخليق فيروسات جديدة، يصبح المبرمج هو ذلك القائد الذي يحتاج إلى حكمة “بتاح حتب” كي لا تتحول قوته التقنية إلى كارثة بيولوجية!.

– حدود المعرفة وقيمة التواضع..

من أعمق ما تركه لنا “بتاح حتب” قوله : “لا يدخلنك الكِبْر بسبب معرفتك، ولا تتفاخر بأنك رجل عالم، بل استشر الجاهل كما تستشر العالم، لأنه لا توجد حدود للرقم القياسى فى الفن، ولا يوجد فنان بلغ أقصى إتقانه”. فعصر الخوارزميات، عندما يغتر العلماء بنجاح الذكاء الاصطناعى فى تصميم شفرات جينية وفيروسات لم تكن موجودة فى الطبيعة، تذكرنا فلسفة “بتاح حتب” بضرورة “التواضع العلمي” فالاندفاع الخالي من الحكمة وتشوه “التفوق التقني” قد يدفعان البشرية لفتح أبواب لا يمكن إغلاقها، كإطلاق تقنيات بيولوجية دون دراسة تبعاتها الوجودية.

في النهاية لا يسعنا إلا القول : إن تخليق فيروسات جديدة بواسطة الذكاء الاصطناعي هي نقطة التحول التي أثبتت أن “المبرمج الذي لا يقرأ الفلسفة أصبح يشكل خطراً على العالم. لقد انتقلت الفلسفة من كونها مناقشات نظرية فى قاعات الجامعة، لتصبح ضرورة أمنية وأخلاقية لحماية جنسنا البشري من نتاج خوارزمياته.

وأخيراً يمكننا القول : إن البرمجة هي اليد التي تبني المستقبل الرقمي، لكن الفلسفة هي العين التي ترى أين نذهب.

البرمجة تمنح الآلة حركتها وقوتها، بينما تمنحها الفلسفة الاتجاه والأخلاق. لقد علمنا “بتاح حتب” قديماً أن “الحكمة أكثر خفاءً من الحجر الكريم، ومع ذلك يمكن العثور عليها عند العاملات عند أحجار الطحن”؛ واليوم تذكرنا فلسفته بأن أحدث شاشات Silicon Valley وأعقد خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ستظل قاصرة وعاجزة ما لم تدار بعقل يفهم معنى الإنسانية، والعدل، والمسؤولية. بدون الفلسفة وحكمة الأجداد، سنصنع تكنولوجيا فائقة الذكاء .. لكنها بلا قلب، ولا ضمير، ولا مستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى