بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الدعوة الإسلامية.. من صناعة الوعي إلى صناعة الانكسار

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

لم تكن الدعوة الإسلامية يومًا تعليمًا للصلاة والصيام وتذكيرًا بالموت والآخرة فقط.
كانت الدعوة بناءً للإنسان وإيقاظًا لضميره، وصناعةً لوعيه وتعليمه أن يكون مسؤولًا عن نفسه ومجتمعه وأمته.
وكان المسجد مدرسةً للعلم والتربية وبناء الشخصية قبل أن يكون مكانًا للعبادة.

وقد لخّص القرآن الكريم جوهر الدعوة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ثم لم يجعل المسلم أسير السكون والانكفاء فقال تعالى : ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فالدعوة وعيٌ وحكمةٌ وبناءٌ للإنسان ومسؤوليةٌ تجاه ما يحيط به وليست مجرد تذكير بما ينتظره بعد الموت.

لكن شيئًا ما تغيّر !..

ظهرت مدارس وحركات دعوية متعددة.
منها ما انشغل بإصلاح الفرد وتزكية النفس، ومنها ما ربط إصلاح المجتمع بواقعه السياسي والاجتماعي.
ولا يصح جمعها كلها في حكم واحد.
لكن السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه هو : ماذا صنعت بعض هذه المناهج في وعي المسلم؟.

عندما يتكرر على الإنسان لعقود خطاب يذكّره بالموت والقبر والآخرة، والصبر وطاعة ولي الأمر، ويحذّره من الفتنة ومن الكلام في الشأن العام؛
بينما يتراجع الحديث عن العدل والظلم، واحتلال الأراضي الإسلامية، واستعادة الحقوق المسلوبة، ومسؤولية المسلم تجاه أمته؛ فإن المشكلة هنا ليست في مقدار ما يعرفه الإنسان من الدين؛ بل في الاتجاه الذي صُنع به وعيه.

ليست المشكلة أن نتذكر الآخرة؛ المشكلة أن نتذكر الآخرة، وننسى مسؤوليتنا في الدنيا.
أن نعلّم الصبر، ولا نعلّم رفض الظلم.
أن نحذّر من الفتنة، ولا نعلّم شجاعة قول الحق.
أن نتحدث عن الطاعة وكأنها مطلقة، ونغفل أن الطاعة لا تكون في معصية الخالق.
وفي الحديث الشريف : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

حين تنتقي من الدين ما يطلب الصمت، وتترك ما يفرض العدل؛ فإنك لا تبني إنسانًا متزنًا؛ بل تصنع إنسانًا يخاف من الفتنة أكثر مما يخاف من الظلم.
كثير الذكر قليل المبادرة. يرى الاحتلال فيتردد في تسميته.
يشاهد قتل الأبرياء فيكتفي بالدعاء.
ويعتاد أن يرى المأساة من بعيد وكأنها لا تعنيه إلا بقدر ما تسمح له به الكلمات.

وهنا تكمن الخطورة.

قد يصبح الخطاب الديني الذي يطفئ السؤال مريحًا للسلطة.
فالمجتمع الصامت أقل إزعاجًا من المجتمع الواعي.
والمواطن الذي يرى كل اعتراض فتنة؛ أسهل من مواطن يعرف أن النصيحة حق، وأن السلطة مسؤولة عن العدل.

لكن الاستقرار شيء والخوف شيء آخر.
فالدولة التي تحمي الاستقرار لا تخشى مواطنيها ولا تخشى أصواتهم.
والاستقرار الحقيقي لا يصنعه إسكات الناس؛ بل فتح المجال أمام التعبير السلمي المنضبط بالقانون.
فالتظاهر ليس بالضرورة فوضى، وقد يكون صمام أمان حين يجد الغضب طريقه إلى الشارع بدل أن يتحول إلى احتقان مكتوم.

ولعل غزة كانت الاختبار الأوضح.

خرجت شعوب في دول غير إسلامية إلى الشوارع احتجاجًا على ما يجري؛ بينما بقيت مساحة التعبير الشعبي في بعض الدول العربية والإسلامية أضيق من حجم المأساة.
أطفال تحت الأنقاض، وأسر مهجّرة، وبيوت مدمّرة، وأراضٍ إسلامية ما زالت تحت الاحتلال؛ ثم يبقى السؤال معلقًا : أين يتوقف الغضب الشعبي وأين يبدأ الفعل الرسمي؟.

والقرآن لا يجعل نصرة المظلوم مجرد شعور عابر؛ يقول تعالى : ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.
والنصرة في عصرنا لا تختزل في وسيلة واحدة، ولا تعني بالضرورة الحرب.
قد تكون موقفًا سياسيًا، أو تحركًا دبلوماسيًا، أو ضغطًا اقتصاديًا، أو إغاثةً، أو دعمًا قانونيًا، أو كلمة حق ترفض الظلم وتدافع عن الإنسان.

ثم ماذا عن السياسة؟.

إذا بقي الاحتلال قائمًا بعد عقود من الحروب والمفاوضات والقرارات الدولية؛ فهل يعقل أن نكرر الأدوات نفسها ثم ننتظر نتيجة مختلفة؟،
وهل تكفي بيانات الشجب والاستنكار بينما تملك الدول أدوات ضغط أخرى؟.

ولنا في مواقف الدول التي تتعرض للاعتداء خارج إطار القانون الدولي خير مثال على أن الدفاع عن السيادة لا يكون بالبيانات وحدها. قال تعالى : ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
الدبلوماسية أداة، والعلاقات أداة، والضغط الاقتصادي أداة، والتحرك الدولي وبناء التحالفات أدوات كذلك.
وليس المطلوب فتح حروب جديدة؛ بل امتلاك إرادة القرار.
أن تعرف الدولة متى ترفع مستوى العلاقة، ومتى تخفضه، ومتى تقول للأقوياء : ليست كل الإملاءات أوامر.

فالسيادة لا تُقاس بعدد الشعارات التي ترفعها الدولة؛ بل بقدرتها على اتخاذ القرار الذي تراه صحيحًا حتى عندما لا يرضى به الآخرون.

وهنا تلتقي مسؤولية الدعوة مع مسؤولية الدولة. الداعية مطالب بأن يبني وعي الإنسان لا أن يطفئه، والسلطة مطالبة بأن تحمي الاستقرار لا أن تصنعه بالخوف.
والدولة مطالبة بأن تدافع عن مصالحها وسيادتها لا أن تجعل سياستها الخارجية أسيرة لإرادة الأقوياء.

أما المسجد فليس ساحة للتحريض ولا منصة حزبية. لكنه كذلك ليس مكانًا لتخدير الضمير.

لا أحد يدعو إلى الفوضى ولا إلى العنف ولا إلى تحويل الدين إلى مشروع سياسي.
الدعوة هي إلى دين يوقظ الإنسان، ومسجد يربي الضمير، ودولة لا تخشى مواطنيها، وسياسة تعرف أن المصالح تُدار، والسيادة تُمارس ولا تُمنح.

فإن كان الاحتلال ما زال قائمًا بعد كل هذه العقود فليس من الحكمة أن نقدس الوسائل التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة.

الأمم لا تبدأ باسترداد الأرض عندما تمتلك القوة فقط.

بل تبدأ عندما تسترد إرادتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى