
هل نحن أحفاد رماة الجبل حُكمًا أم اختيارًا ؟!
سُلطان بن خلفان اليحيائي
كانت مكة قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تموج في ظلام الجاهلية. أظلمها الجهل وأثقلها الظلم واستحكمت فيها موازين القوة والعصبية. كان القوي عزيزًا بقوته والضعيف مهضوم الحق والفقير قليل الحيلة والعبد مملوك الإرادة وكان النسب والمال والجاه أبوابًا تُفتح لأقوام وتُغلق في وجوه آخرين.
وفي ذلك الظلام وُلد سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم فكان مولده إيذانًا ببزوغ فجر جديد. جاء نور النبوة ليبدد الظلمة من أصلها لا ليغير أسماء الأصنام فحسب بل ليعيد بناء الإنسان من داخله.
جاءت كلمة التوحيد:
“لا إله إلا الله”
إعلانًا لتحرير الإنسان من عبودية المخلوق ومن مقاييس الجاهلية. فإذا كان الله وحده هو المعبود فلا مخلوق يستحق أن يتحول إلى سيد مطلق ولا ينبغي أن يصبح صنمًا جديدًا.
لم يأتِ الإسلام ليبدّل أسماء الأصنام فقط وإنما جاء ليبدّل موازين الإنسان: من العصبية إلى الأخوة ومن الخوف الذي يُذل إلى الإيمان الذي يُحرر ومن عبادة القوة إلى قوة الحق.
ثم جاءت الهجرة وانتقل الإسلام إلى بناء المجتمع. ففي بدر اجتمع الإيمان بالأخذ بالأسباب ثم جاءت أُحد فكانت امتحانًا في الثبات والطاعة وجاء الخندق فاجتمع الإيمان بالتخطيط والصبر.
لكن معركة أُحد بقيت تحمل درسًا يتجاوز ساحتها وزمانها. ففيها لم يكن الامتحان في مواجهة العدو وحده بل في قدرة المؤمن على أن يلزم موقعه عندما تتغير موازين المعركة وتلوح الغنيمة.
فحين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة على الجبل وأمرهم أن يلزموا مواقعهم كان الأمر واضحًا والموقع معلومًا. لكن لما مالت الكفة للمسلمين وظن بعضهم أن المعركة قد انتهت نزلوا من مواقعهم فحدثت الثغرة.
فالفتنة لا تبدأ دائمًا بانقلاب الموازين بل قد تبدأ حين تتغير الأولويات في القلب فيصبح ما كان هامشيًا غاية وما كان ثابتًا قابلًا للمساومة ويُقاس الحق بما يحقق من منفعة لا بما يحمله من أمانة.
وهنا يظهر درس أُحد بوضوح: أن الثبات الحقيقي يُختبر عندما تتغير الظروف ويصبح الالتزام أقل جاذبية من المكسب العاجل. وليس كل سقوط يبدأ بالسقوط فقد يبدأ حين يعرف الإنسان موقعه ثم يتركه.
فالجبل ليس دائمًا صخرة في ميدان قتال بل قد يكون أمانة في موقع المسؤولية أو موقفًا ثابتًا في زمن الخذلان أو كلمة حق لا يجوز التراجع عنها عندما تمس الثوابت.
وقد يبدأ التنازل صغيرًا حين يكون ثمنه يسيرًا ثم يكبر عندما يصبح الثبات مكلفًا وقد يبلغ الأمر أن يغدو رضا الأقوياء ميزانًا والصمت حكمة زائفة والتنازل واقعية يُسوَّق لها باسم الضرورة السياسية.
ومضت السنون واتسعت ديار الإسلام وتتابعت الفتوحات وكثرت الأموال وتبدلت الأحوال. ولم تكن الفتنة في سعة الدنيا وكثرة ما فُتح منها وإنما فيما قد تُحدثه الدنيا في النفوس حين يضعف حضور الرسالة ويغلب بريق المصلحة على مقتضى الأمانة ويتراجع الثبات على القيم أمام إغراء المكاسب العاجلة.
وبقيت قيم الرسالة هي الجبل الأول الذي لا ينبغي للأمة أن تنزل عنه: توحيد يحرر الإنسان من عبودية المخلوق واعتصام يجمع القلوب على الحق وعدل يصون الحقوق وعلم يبني الإنسان ورحمة تحفظ كرامته.
قال الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
فالتوحيد الذي حرر الإنسان من أصنام الجاهلية لا يكتمل أثره إذا تحولت الأمة إلى جماعات متنازعة ولا إذا أصبح اجتماعها شعارًا بلا أثر أو صار العلم عنوانًا بلا عمل والعدل انتقائيًا والوحدة خطابًا لا يصمد أمام اختلاف المصالح.
ومن هنا تبدأ سلسلة التنازلات؛ حين تتحول القيم من موازين تحكم المواقف إلى عناوين تُرفع وحين يصبح ما كان ثابتًا قابلًا للمساومة ويُقاس الحق بما يحقق من منفعة لا بما يحمله من أمانة. وعندها تُستباح الحقوق ويُفرَّط في الأرض والمقدسات ثم يُطلب من الأمة أن تتعايش مع فقدان حقها وكأنه قدر لا يُراجع.
وهكذا ينبغي أن تُقرأ مأساة فلسطين عمومًا وغزة خصوصًا. فلا ينبغي أن تأتي المأساة كخبر عابر بل كاختبار حي للضمير والأخوة والرحمة.
قال الله تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
فالقوة في التصور الإسلامي ليست بطشًا والرحمة ليست ضعفًا. القوة أخلاق والرحمة موقف.
قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
ومن هنا يصبح السؤال إيلامًا:
ما الفرق بين رماة الجبل وبيننا؟
هم عرفوا الأمر وعرفوا موقعهم ثم تركوا الثغر عندما ظنوا أن النصر قد حُسم. ونحن نعرف معنى الأخوة وحرمة الدم وواجب الرحمة ونرى أهلنا في فلسطين وفي غزة خاصة يواجهون الألم والدمار.
فأين نحن؟
فنحن لا نُختبر جميعًا في ميدان واحد لكن لكل إنسان ثغره وأمانته. قد يكون علمًا ننفع به أو عدلًا نقيمه أو أمانة نحفظها أو مظلومًا ننصره أو كلمة حق لا نخشى تبعاتها.
فالأحفاد ليسوا أحفاد الدم وحده بل أحفاد السلوك والموقف أيضًا. قد لا نكون أحفادهم حُكمًا لكننا قد نصبح مثلهم اختيارًا عندما نعرف ثم لا نعمل ونرى ثم نصمت ونقدّم مكسب اللحظة على مقتضى الرسالة.
وإذا كان لكل إنسان ثغره وأمانته فإن للأمة ثغرًا أعظم وأمانة لا تسقط بتبدّل الأزمنة والظروف. فالأمة اليوم لا تحتاج إلى طريق جديد بل إلى العودة إلى الجبل: توحيد يحرر وكلمة سواء تجمع واعتصام بحبل الله يرفض التشرذم ويحفظ للقوة معناها وللكرامة مقامها وللإنسان حريته من التبعية.
فلكل أمة جبلها ولكل جيل موقعه ولكل إنسان أمانته.
وما كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم مجرد ميلاد رجل غيّر وجه التاريخ بل ميلاد رسالة أخرجت الإنسان من ظلمات الجاهلية إلى نور التوحيد ومن عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق. ومن ذلك النور بدأ الطريق وإليه ينبغي أن نعود.
فالجبل الذي يُطلب منا الثبات عليه ليس صخرة في ميدان وإنما هو الدين عندما يُستهدف والحق عندما يصبح قوله مكلفًا والأمانة عندما يغدو حملها ثقيلًا.
فالعبرة ليست أن نعرف أين أخطأ رماة أُحد بل أن نعرف أين نقف نحن.
وميلاد النبي صلى الله عليه وسلم دعوة متجددة إلى حمل الرسالة والثبات على الطريق وألا نكون أحفاد رماة الجبل في خطئهم بل أحفاد الرسالة في ثباتها.
وعندما يأتي الاختبار ويتبدل ميزان القوة ويصبح الثبات مكلفًا ويغدو التنازل أسهل من الصمود..
فهل سنبقى على الجبل ؟!.









